; موقف الإسلام من: القلق | مجلة المجتمع

العنوان موقف الإسلام من: القلق

الكاتب حيدر قفة

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1977

مشاهدات 106

نشر في العدد 338

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 22-فبراير-1977

مع طوفان الحضارة المادية الوافدة من الغرب ظهرت عدة أمراض خطيرة، ما كانت تعرف من قبل، وباتت هذه الأمراض تهدد كيان كثير من الناس، وهذه الأمراض العضوية، مثل القرحة والسكر وضغط الدم.. انتشرت انتشارًا كبيرًا، كنتيجة حتمية للصراع النفسي الذي ولدته الحضارة، حتى عرفت هذه الأمراض «بأمراض الحضارة».

وهذه الأمراض العضوية منشؤها في الأصل مرض نفسي هو «القلق»، فإذا علمنا أن القلق هو الداء العضال الذي يسبب كل هذه الأمراض، فتبدأ الأوجاع بآثار نفسية تؤثر على وظائف أجهزة الجسم في الإنسان كعسر الهضم وازدياد الحموضة في المعدة، ثم لا تلبث أن تتحول إلى مرض عضوي يؤثر بشكل أو بآخر على جسم الإنسان ككل.. إذا علمنا هذا، عرفنا لماذا اهتم بالقلق كثير من علماء النفس، وعلماء الطب البشري أيضًا.

 ومن العلاجات التي توصل إليها علماء النفس علاج يسمى «العلاج الإيماني» وهو يعتمد على بعث الإيمان بقوة عظمى لها الهيمنة على الإنسان، وتملك كل مقدراته، وإليها يرجع الفضل في وجوده، وفي سعادته، وفي كل ما يرتبط به، لذا قالوا بأن أهل الإيمان أقل الناس إصابة بالقلق، لأن الإيمان فيه العزاء للإنسان عندما تخذله كل القوى التي يعتمد عليها في حياته من دون الله.

فإذا عرفنا كل ذلك بات من الواجب أن نعرف رأي الإسلام في القلق وكيف عالج مسبباته؟ وكيف حمى أتباعه من هذا المرض الفتاك؟ وما هو الدواء الناجع الذي وصفه لهم حتى يتغلبوا عليه إذا داهمهم أو ألم بهم؟

القلق نتيجة حتمية لعدم الإيمان

الإسلامُ كَدينٍ لم يقتصر على النواحي التعبدية، ولم يقف عند حدود الصلاة والزكاة والصوم... إلخ، ولكنه يتغلغل في نفس المسلم كعقيدة ربانية تمتزج بدمه، فهو يتعرض للإيمان لا بوصفه عملية فكرية مستقرها العقل والقلب فقط، بل ينطلق به إلى ناحية حياتية لها الأثر في حياة الإنسان وسلوكه، ويرتب على الإيمان أو عدمه سعادة الإنسان في الحياة أو شقاؤه ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ  «۱» 

والتصوير الدقيق لحال المشرك الذي تتمزقه الأهواء وتتجاذبه التيارات لا تقف عند هذا الحد، بل وتنحدر به في حركة سريعة إلى قرار الهاوية، هاوية الضياع والصراع والقلق.

 ويؤكد الإسلام هذه النتيجة الحتمية، نتيجة القلق المترتبة عن عدم الإيمان بالضلال والشقاء والحيرة في الدنيا بلفظ « معيشة ضنكا» قال تعالى ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ (طه: 123-124-125-126-127) «۲» 

وهذا هو حال الوجوديين اليوم- والملاحدة عمومًا- وما آل إليه مصيرهم بعد أن فشلت الطبيعة التي عبدوها من دون الله في أن تحقق لهم الأمن والاطمئنان، فوقعوا في القلق والحيرة والغثيان.

أسباب القلق

ومنشأ القلق الخوف على أشياء معينة، وهذا الخوف يسيطر على الإنسان ويبقيه في مرحلة التفكير، فيظل الفكر يتفاعل بما لديه من وساوس وافتراضات وتخيلات حتى يقضي على نفس صاحبه، وإذا حاولنا التعرف على هذه الأسباب، وجدناها تنحصر في: الخوف على الأجل «العمر»، والخوف على الرزق والخوف من مصائب آنية ومنغصات يومية، ولكن السبب الثالث يرجع في كثير من نواحيه إلى أحد السببين السابقين «العمر والرزق» أو إليهما معًا.

والإسلام يطمئن الإنسان، ويبعث فيه الثقة والأمان بأن عمره محدد بعلم الله، وبيد الله، لا تستطيع قوة مهما عظمت أن تزيد فيه لحظة واحدة، ولا تستطيع قوة مهما كبرت أن تنقص منه دقيقة واحدة ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ «۳» ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ «٤» ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ «5» وبهذا تهدأ ثائرة الإنسان وتستقر نفسه، ويثوب إلى رشده ويطمئن خاطره.

وكما أن العمر بيد الله، كذلك الرزق بيد الله، ليس لأحد سلطان عليه ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ «٦» ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «7». 

فإذا شعر إنسان بضعف في إيمانه، وزعزعة في يقينه من هذه الناحية، ورتب مسألة الرزق عطاء أو منها على أناس معينين، أو على سلوك معين، جاء نص قرآني آخر يؤكد بأسلوب القسم هذه المرة ضمان الرزق ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ «۸» 

 فعلام الخوف؟ وعلام القلق؟ ورب العزة يقسم بنفسه أنه حق، وأنه في السماء، وأنه بيد الله لا سلطان لأحد عليه إلا لله الواحد الأحد.

فاذا استقرت النفس واطمأنت لذلك، هدأت وعاودها الإيمان، وتفتحت للدنيا وللحياة لتؤدي رسالتها التي كلفت بها.

هذان هما أهم الأسباب التي تثير القلق، وقد كفلهما الإسلام، ورسخ العقيدة بحفظهما وبأن الله هو المالك الوحيد لهما، ولا سلطان لأحد غيره عليهما، فهل هناك من أسباب أخرى تثير القلق؟.. نعم، هناك أشياء آنية، وحوادث يومية حياتية تقع فتثير القلق، مرض إنسان عزیز أو إصابته، خسارة مالية متوقعة لأي سبب كان ورسوب في امتحان، خلافات عائلية، أو خلافات في العمل، ارتفاع الأسعار، وارتفاع أجرة المنزل أو المحل، قضية إخراج من المنزل.. إلخ هذه المنغصات والمسببات للهم والقلق.

 وهنا نجد الإسلام دائمًا الحارس الأمين لأنفس أتباعه، والدواء الناجع لكل عللهم، فيأتي للنفس البشرية ويعالجها من ناحية الإيمان، لا من ناحية ما هو كائن فقط، فإذا استقر الإيمان في النفس، أصبح سهلًا عليها تقبل هذه الأزمات على أنها حتميه لا مفر منها * وأنها سنة الله في خلقه ولا تبديل لسنة الله تم بعد ذلك ينطلق الإنسان لعلاجها بنفس واثقة متفتحة فيقول له: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ  «9» 

  ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ «۱۰» 

 وإذا تكالبت الدنيا على المسلم بقوانين جائرة أو بأنظمة ظالمة أو بعداء خفي أو صريح، وتألب عليه كل الغوغاء من كل صنف ونوع قال له: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ «۱۱»  ثم يؤكد له أن هذه المنغصات ما هي إلا ابتلاء من الله ومحنة ليرى الصابرين المحتسبين، ثم يرسم له طريق الخلاص من هذه المحن، ويريه النتيجة والجزاء ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ «۱۲»

 وبهذا تصبح نفس المسلم مستقرة هادئة راضية مطمئنة وسرعان ما يتلاشى ما علاها من هم وغم وما لابسها من قلق وأرق. 

علاج الإسلام لأتباعه

وإذا كان الإسلام قد طمان الإنسان على عمره، وطمأنه على رزقه، ووطن نفسه على تحمل المصائب والمحن، إلا أنه لم يكتف بذلك، فإنه إذا اعتبر الطمأنينة على الرزق أو العمر أو التوطين ضد المصائب علاجات جزئية، إلا أنه أراد وقصد إلى وضع العلاج الكامل الشامل، وهو الوقاية بادئ ذي بدء ضد كل أنواع المخاوف وما يترتب عليها من قلق، فكان الإيمان الذي يسبق كل هذه الأمور عندما وطّد العقيدة لدى المؤمن، ورسخها، بأن كل أمر الإنسان بخيره وشره يرجع إلى الله وحده 

«عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كنت خلف النبي- صلى الله عليه وسلم- يومًا فقال لي: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام و جفت الصحف» «۱۳» وبذلك تستقر النفوس، ويصبح أهل الإيمان أكثر الناس رضا وسعادة في الحياة الدنيا، بما اتخذوا لأنفسهم من طريق الإيمان والتقى والورع ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «١٤» 

وتصبح حياة المؤمن تبعًا لذلك الإيمان المستقر والسلوك السوي خيرًا كلها في السراء وفي الضراء «قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» «١٥»

ما يساعد على ذهاب القلق

 ولكن الإسلام دين واقعي، يعلم النفس البشرية تمام العلم ويعلم ما يكتنفها من ضعف وما يعتريها من وهن، فهو رغم ما قدم لها من إيمان راسخ، ومن عقيدة ثابتة، يقر أن هذه النفس أحيانًا تتغلب عليها المخاوف في لحظة ضعف إيماني، ولذا يدل الإنسان على كثير من الطرق العملية لعلاج هذا الضعف، ولمقاومة الخوف والقلق، فما هي هذه الوسائل؟ 

أول وسيلة يدل الإنسان عليها الصلاة: فالصلاة صلة بين العبد وربه، أرأيت لو أن إنسانًا تعرض لمصيبة ما، أما تراه يهرب ويفزع إلى من هو أقوى منه ليحميه، وليحتمي في جنابه، ويلوذ برحابه؟ وكذلك المؤمن كان حريًا به أن يلوذ بحمى الله، وأن يلجأ إلى الله، وليس هناك أفضل من الصلاة تقربه إلى الله-سبحانه- «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» «١٦» فيفزع المسلم إلى الصلاة ليستعين بها على المصائب والنكبات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ «۱۷» 

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ  «۱۸» 

 وقدوة المسلمين في ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي كان يفزع إلى الصلاة كلما حزبه أمر «قال حذيفة- رضي الله عنه- كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمرٌ صلَّی «۱۹»، وكثيرًا ما كان يقول لبلال- رضي الله عنه-: «يا بلال أقم الصلاة.. أرحنا بها» «۲۰». 

والصلاة دواء ناجع لهذا المرض الخطير، والمحافظون عليها تراهم دائمًا في ثقة من سلوكهم ومن حياتهم، وعلى ثقة بربهم فلا يتزعزع لديهم إيمان، ولا تهتز عندهم القيم كما يحدث عند بقية بني البشر ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ «۲۱»  

فالمسلم في صلاته دائمًا يطلب العون والهداية والسداد من الله، فيعطيه الله هذه المطالب ففي الحديث القدسي «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فاذا قال: الحمد لله رب العالمين قال: حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم.... قال الله: لعبدي ما سأل» «۲۲» وهكذا نرى الصلاة دواء ناجعًا لهذا المرض الخطير.

والدواء الثاني قراءة القرآن:

 فالإنسان عندما يقرأ القرآن، ويشعر أنه في رحاب الله، ومع كلام الله، يزداد اطمئنانًا وثقة، كما أن القرآن فيه من الأمثال والعبر ومن قصص الأمم السابقة، وما مرت به من مصائب وآلام، ما يطمئن الإنسان على أنه ليس الوحيد في هذا العالم الذي يبتلى بذلك، ويعطيه الثقة بفرج الله، كما أن القرآن شفاء من الله ورحمة للذين يقرأونه ويحلون حلاله ويحرمون حرامه ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا «۲۳» ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ «٢٤» 

والعلاج الثالث لمرض القلق هو تذكر الموت: فإذا تكاثرت الهموم على الإنسان، وسدت أمامه سبل الحياة السعيدة، تذكر الموت، عندها تهون عليه الدنيا ومن فيها وما فيها أمام هذه الحقيقة الكبرى، وينظر للدنيا على أنها شيء تافه أمام عظمة الله وقدرته، وأن الدنيا مرحلة لا بد أن يعقبها الموت، هذه هي النهاية الحتمية اللازمة عن أنس- رضي الله عنه-، أنّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «مرّ بمجلس وهم يضحكون فقال: أكثروا من ذكر هادم اللذات، أحسبه قال: فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه» «٢٥»

والدواء الرابع الدعاء:

 لأن الدعاء فيه التنفيس عن القلب، والتفريج عن الصدر وتخفيف ما يجده الإنسان من هم وغم، لأنه يربطه بخالق أقوى وأقدر، وقوة أعظم وأحكم «دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المسجد ذات يوم فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة فقال: يا أبا أمامة، مالي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت صلاة قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله همك وقضى

عنك دينك؟ قلت: بلی يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» «٢٦»

 قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني.

وهناك دعاء سيدنا يونس- عليه السلام- الذي ما دعا به مغموم مؤمن بالله، مخلصًا له الدين، مخلصًا له الدعاء إلا فرج الله غمه وأذهب حزنه كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «فإنه ما يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له» «۲۷». ودعوة يونس كما وردت في سورة الأنبياء ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ(الأنبياء:87-88) «۲۸» 

وهذه الدعوة باقية إلى يوم القيامة لكل مسلم مؤمن يدعو الله بها ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ فعن سعيد بن المسيب قال: «سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: اسم الله الذي اذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى. قال قلت: يا رسول الله, هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال «هي ليونس ابن متى خاصة، ولجماعة المؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله- عز وجل-: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ(الأنبياء:88) فهو شرط من الله لمن دعاه به» «۲۹».

والعلاج الخامس العمل:

فالإسلام يكره لأتباعه الكسل والتواني، ويكره لهم أن يظلوا في دائرة التفكير المضني في الهموم وما يترتب على هذا من افتراضات واحتمالات وتوقعات، مما يزيد في تعقيد الأمر، وفي بلبلة الفكر، ولكنه يأمر أتباعه برفق أن ينتقلوا- إذا ما انتهوا من التفكير- إلى العمل المثمر النافع، وبذلك يتخلصون من دواعي القلق، وهذا ما كان واضحًا في دعاء الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «وأعوذ بك من العجز والكسل» بعد أن دعا «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن» فالهم والحزن «مجاله التفكير»، والعجز والكسل «مجاله العمل» والعمل يتبع التفكير، فوجب أن ينتقل المسلم إلى العمل، وبهذا يتخلص من همومه لأن العمل يصرفه عن التفكير المضني ومزيد من السلبية، ويدفعه إلى الإنتاج الذي يقعده ويؤدي به إلى مزيد من الهموم ليخفف عنه آلامه، ويسد حاجته. 

وهكذا عالج الإسلام القلق، وفتح لأتباعه طرق الخير والتفتح على الحياة للعمل بثقة واطمئنان لأداء الرسالة المناطة بهم، فالحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينًا.

حیدر عبد الفتاح قفه

*ينبغي أن تقترن الطمأنينة النفسية بالعمل الجاد على تغيير الواقع وتحسين الظروف حتى لا يكون موقف المسلم من الأحداث سلبيًا استسلاميًا «المجتمع»

الرابط المختصر :