العنوان موقف اليساريين من أحداث بيروت.. الانفصام عن مآسي الجماهير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1985
مشاهدات 71
نشر في العدد 717
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 14-مايو-1985
* مواقف اليساريين تفضح انفصامهم عن مشاعر الشعوب
* اليساريون أبعد الناس عن الوطنية أو الالتزام بمصلحة الشعوب، وهم أوراق تستخدمها القوى الخارجية لتحقيق أهدافها
من يستقرئ سياسات ومواقف اليسار في العالم العربي وبقية دول العالم خلال هذا القرن يصل في النهاية إلى قناعة بأن اليساريين هم أبعد الناس عن الوطنية أو الالتزام بمصلحة الشعوب، فاليساريون «روسًا كانوا، أم من اليسار الأمريكي» كانوا دائمًا أوراقًا تستخدمها القوى الخارجية لتحقيق أهدافها في المناطق الخاضعة لهيمنتها، حتى إذا نفذ اليساريون للأجنبي أهدافه وضعهم على الرف لحين استخدامهم في غرض آخر.
لذلك فإن على المراقب ألا يندهش كثيرًا إذا ما رأى اليسار ينتقل من ولاء إلى ولاء ومن حلف إلى حلف مضاد، أو تندفع أبواقه الإعلامية للهجوم على جهة كان يمتدحها سابقًا، أو أن يطلق صفة المتآمرين في المساء على من كان يسميهم بالمناضلين صباحًا؛ لأن الخيوط الدقيقة غير المرئية التي تحرك اليساريين هي سبب هذه التغيرات السريعة وفقًا لاعتبارات اللعبة السياسية.
لقد كان اليسار بصورة عامة ومنه اليسار الكويتي يمجد منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة فتح، بل كان اليسار يزعم في كثير من الأوقات أن «فتح» ليست إلا جزءًا منه وينسب كثيرًا من مواقف «فتح» في لبنان ضد إسرائيل والكتائب إلى «القوى التقدمية الثورية في العالم العربي» التي تمثل «فتح» جزءًا لا يتجزأ منها بقيادة «المناضل» ياسر عرفات.
ولكن بعد تشتيت القوات الفلسطينية من لبنان وبعد أن اضطلعت دمشق بتمزيق فلول هذه القوات عن طريق الانشقاق و«المناضلين» المرتزقة، انقلب اليسار من مواقفه الأولى وشن حملة واسعة ضد «فتح». وعندما كانت المدفعية السورية تدك مدينة طرابلس ومخيمات البداوي ونهر البارد وتقتل المئات من الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين، كان اليسار عمومًا وهنا في الكويت بالذات يصور مذابح طرابلس على أنها «انتفاضة» المنشقين لسحق المؤامرة «العرفاتية» على القضية الفلسطينية، ولا يزال الهجوم على «فتح» مستمرًّا من قبل اليسار وتصوير مآسي الشعب الفلسطيني في لبنان على يد سوريا والمنشقين بأنها رد على خيانة عرفات، مستغلين بعض الخطوات السلبية لرئيس منظمة التحرير مثل زيارته لمصر واتفاق عمان مع الحكومة الأردنية لتبرير ذلك كله.
وهكذا فإن اليساريين لا يلقون بالًا لمآسي الشعوب؛ بل يدافعون عن مرتكبي المجازر بحقها، وذلك وفقًا للسياسات التي يخضعون لها، والتي تضع مصلحة الشعوب آخر اهتماماتها.
اليسار.. وبيروت الغربية.. والمرابطون
تتميز بيروت الغربية بكثافة المسلمين السنة فيها، وهي إلى جانب طرابلس وصيدا أهم معاقل السنة في لبنان، لذلك كانت بيروت الغربية لسنوات طويلة قلعة للعروبة والحس الإسلامي في لبنان، في الوقت الذي حاول فيه الموارنة تحويل لبنان إلى ولاية فرنسية.
لقد احتضنت بيروت الغربية كافة التيارات الفكرية ذات الاتجاه القومي، وعندما ارتدى اليسار العباءة القومية أصبحت له مراكز فكرية قوية في بيروت. بل كانت هذه المدينة قاعدة لنشر الفكر اليساري في العالم العربي، لذلك فإن أدبيات اليسار وكتاباتهم تحفل بتمجيد بيروت والعشق لبيروت، وتأليه بيروت أحيانًا.
وعندما كان اليساريون على وفاق مع بيروت كانت علاقاتهم مع تجمع الناصريين المستقلين «المرابطين» وثيقة جدًّا، فالمرابطون وهم التنظيم الذي يمثل المسلمين السنة قاموا إلى جانب المقاتلين الفلسطينيين بحماية بيروت الغربية من الهجمات الكتائبية، وحققوا انتصارات مشرفة في معارك ٧٥- ١٩٧٦ ومنذ ذلك الوقت وحتى سبتمبر ۱۹۸۲ كان اليساريون يجدون في بيروت المحمية بالسلاح اللبناني السني- الفلسطيني ملجأ لهم لا يجدونه في أي مكان آخر في العالم العربي، وكان اليساريون يحاولون دائمًا تصوير بيروت الغربية كقلعة لليسار في وجه «اليمين الكتائبي الفاشي» فالعيب في الكتائب عند اليساريين هو كونهم يمينيون بغض النظر عن الروح الصليبية التي يقوم عليها ذلك التنظيم.
كيف رد اليساريون الفضل لبيروت الغربية والمرابطين منذ اجتاحها حقد التحالف الباطني «جنبلاط- بري»؟
لقد اندفع اليساريون لامتداح الخطوة الوطنية الشجاعة لمحور «جنبلاط- بري» بضرب بيروت الغربية وإذلالها، وصور الإعلام اليساري الأعمال المخزية التي قامت بها منظمة «أمل» المشبوهة في بيروت بدعم من الدروز وحرقهم للمساجد وقتلهم للمسلمين واقتحام المخيمات الفلسطينية، على أنها سحق لمحور عمان- القاهرة وهزيمة للتسلل «العرفاتي» إلى بيروت الغربية.
وكتبت مجلة الطليعة في عددها «۸۹۰» تتحدث عن معركة بيروت تقول:
«فجرت محاولة تصوير هذه المعركة وكأنها موجهة ضد المخيمات الفلسطينية، بعد أن زجت قيادة عرفات بعناصر لها، محاولة الاستفادة من الغموض الذي يحيط بالموقف عادة، وخلق اقتتال فلسطيني- لبناني وطني. والتحريض ضد سوريا والقوى الوطنية اللبنانية، وقوى جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطينية، ولئن تم وضع حد لهذا التدخل الذي تواقت مع تحرك الكتائب، وجولة مورفي الأخيرة، فإن أجهزة المتسلطين على منظمة التحرير الفلسطينية ما زالت تحاول تشويه طبيعة هذا الانتصار الكبير على التحالف الكتائبي- الإسرائيلي».
وهكذا ترى الطليعة قيام مسلحي «أمل» باقتحام منازل السنة في بيروت والحرق والقتل والاعتداء على الأعراض أيضًا كما ذكرت بعض المصادر، هو «انتصار كبير على التحالف الكتائبي- الإسرائيلي»، ولو صح ما يزعمه اليساريون من حدوث تسلل لعناصر عرفاتية، فما علاقة ذلك بالعدوان الطائفي على أهل السنة في بيروت؟!
إن مثل هذه المواقف تفضح انعدام الحس الوطني لدى اليساريين وانفصالهم عن مشاعر الجماهير التي تسحق على الساحة.
ولا تنس الطليعة وهي تشير إلى الإنجازات في بيروت أن تمتدح الحكم في سوريا صاحب هذه الإنجازات فتقول في نفس المقال:
«إن الخيط ما زال متواصلًا؛ خيط الإنجازات الوطنية في لبنان، نتيجة للتحالف السوري والوطني اللبناني والقوى الوطنية الديمقراطية للشعب الفلسطيني، وفشلت حتى الآن محاولات ضرب هذا التحالف إعلاميًّا وعسكريًّا».
أما المرابطون الذين أهينت بيروت الغربية بحجة القضاء عليهم فإن اليساريين لم ينبسوا ببنت شفة عندما قامت قوات التحالف الباطني «جنبلاط- بري» بتصفيتهم، رغم التحالف القديم بينهم وبين هذا التنظيم، وكانت مجلة الطليعة تمتدح المرابطين في السابق وتعتبرهم تيارًا تقدميًّا، وتطنب في المديح لإبراهيم قليلات زعيم «المرابطين» بينما هي الآن تراه ضمن «التحالف الكتائبي- الإسرائيلي» الذي سحقته بطولات صناديد «أمل» والدروز في بيروت الغربية.
بقي أن نشير إلى نقطة هامة وهي أن اليساريين الذين ينتمون للأقليات الطائفية غالبًا ما يستخدمون المظلة اليسارية لخدمة طوائفهم بالدرجة الأولى، في الوقت الذي يندفع اليساريون المغفلون من المسلمين للتبرؤ من الانتساب لدينهم، ولو تنبه اليساري ابن العائلة المسلمة إلى واقع الأمر، لعلم ما يريد منه اليساريون الباطنيون، يريدون منه أن ينخلع من دينه لينصروا هم دينهم، وأن يتبرأ من نسبه ليعلوا هم نسبهم، وأن ينكر هويته ليعلنوا هم باطنيتهم، وأن يلعن أجداده وأمجاده لكي يفخروا هم بأجدادهم وأمجادهم.
ولبنان مثال واضح على ذلك.. لقد أكبروا هم على أهل السنة أن يقول أحدهم: إنه سني، وصدق أهل السنة ذلك ورفعوا شعار نبذ الطائفية؛ فيما مارس سواهم من الرفاق اليساريين الطائفية بأبشع صورها، وأصبح لبنان الآن بلدًا لكل الطوائف.. غير السنية.