العنوان موقف أئمة السلف الصالح من شرعية حكومات الجور
الكاتب حامد محمد إدريس
تاريخ النشر الجمعة 02-مارس-2012
مشاهدات 60
نشر في العدد 1991
نشر في الصفحة 46
الجمعة 02-مارس-2012
من الأخلاق الذميمة أن يتصف الحكام بـ الجور في حكمهم، وهو مصدر لفعل ثلاثي معتل العين، جار يجور أي ظلم يظلم، بمعنى صدر منه اعتداء على الأمة دون وجه حق، أو حدث منه تفريط في أداء واجب كان يلزمه لصالح الرعية، أو وزع السلطة والثروة على غير الوجه الشرعي العادل: معتمدا على قاعدة المحسوبية والجهوية والمصالح والموازنات بين الأقوياء أصحاب النفوذ والشوكة، متناسياً حق الأمة.
الإمام أبو حنيفة.. لم يؤيد السلطان الغاصب المنصور لأنه كان غير شرعي حيث أخذ السلطة من غير وجهها
الإمام مالك.. ضرب في زمان المنصور بتهمة إباحته للناس التحلل من البيعة القسرية لدولة بني العباس.
إن الظلم ظلمات يوم القيامة: لأنه ممقوت عند الله، فيجازي المتصف به بما يستحق ولأنه ممقوت عند الناس، فيجد منهم الظالم البغض والعصيان وربما التمرد إن توافرت لهم أدواته وظروفه.
وإن لهذا الظلم صورا كثيرة يظهر فيها، فقد يتجه ظلم السلطة إلى فرد من الأمة أو جماعة أو حزب أو ولاية، أو يتعدى ظلمها إلى الأمة كلها كأن يتولى عليها حاكم دون اختيارها انتزاعاً، أو يولي هذا الحاكم عليها من يظلمها من أجهزة إدارته ومنسوبيها من مدنيين وعسكريين واستخبارات وأمن وإدارات الجباية المختلفة..
أو تقنن هذه السلطة المهيمنة قوانين تبيح لأجهزتها التنفيذية استلاب أموال المواطنين أو انتهاك أعراضهم وإراقة دمائهم.
إن من أشد أنواع الظلم أن يعرض السلطان عن حماية أخلاق الأمة وعقائدها ومصالحها فتتعرض لفتن عظيمة تبعد أجيالها الخالفة عن هداية الدين فينشؤون على بعد من دينهم وأخلاقهم فيصيبهم الوهن في أجسامهم. والوهن في معنوياتهم، وعزائمهم، والوهن في تحصيلهم الأكاديمي، والوهن في تفكيرهم الإبداعي وإنتاجهم البحثي العلمي والأدبي مما ينعكس سلبا على قيامهم بواجبهم تجاه الوطن، تربية وتعليما وبناء وتعميرا وجهادا وتضحية ورقيا وتقدما، وبهذا ينهار أداؤهم الاقتصادي والتنموي وينهار مستقبلهم.
إن هذه من صور الظلم التي يمكن أن تتأذى الأمة بها على يد السلطة المسلمة الحاكمة فهل يجوز للأمة أن تقف مكتوفة اليد أمام من يظلمها من سلطتها الجائرة التي لا ترعى الذمم ولا تقوم بأداء الأمانة تجاه الأمة؟
نماذج من مواقف السلف
بالنظر إلى التاريخ الإسلامي، نجد ان علماء المسلمين لم يقفوا موقفاً مشرعاً الحكومات الجور استنادا إلى حديث ما أقاموا فيكم الصلاة، وإنما كان الموقف السائد من العلماء البعد عن أبواب السلاطين والترفع بعلمهم وخلقهم، إلى جانب الاحتفاظ بموقفهم الفقهي السياسي أن الإمامة لا تكون إلا بشوري بين المسلمين، وبهذا لم يكن الأئمة جزءا من سياسة انتزاع السلطة من الأمة دون مشورة منها، وإنما كان نهجا للخلفاء الحاكمين مفروضا على الأمة قسرا، فمنذ بداية التاريخ الإسلامي بعد الراشدين اتجهت الحالة السياسية الإسلامية إلى غير الشورى العامة التي تعطي الحق للمسلمين في أن يختاروا إمامهم بأنفسهم، وكان هذا الاتجاه غير مرضي عنه لدي علماء المسلمين وإن كانوا قد جاروا ظاهرا - كل سلطان متغلب متمكن، وذلك ليس لأن الشرع وجه إلى جواز التغلب، وإنما خوفا من أن يترتب على تغييره مفاسد أعظم من بقائه وتأييده، وعلى هذا النحو يمكن فهم ما كان عليه علماء السلف من مجاراة خلفاء بني أمية وبني العباس، فإنه لم نجد موقفاً حاسماً من عالم مشهور يوقفه للاستمائة في نصرة خليفة، وإنما ظهر منهم مجاراة المتغلب ومخاطبته بلقب أمير المؤمنين في حالة تغلبه وتمكنه دون تبني نهجه الانقلابي في التسلق على حق المسلمين في اختيار إمامهم.
ولتوضيح موقف العلماء غير المجيز لشرعية التسلق على الرئاسة، ما ورد عن أبي حنيفة النعمان حيث رفض أن يتولى القضاء في نظام لم يأت بشورى المسلمين، وقد ورد في سيرته أنه كان يرى جواز خروج زيد بن علي زين العابدين (رأس الزيدية) على ملك بني أمية، وكان يرى جواز خروج إبراهيم الإمام وأخيه محمد النفس الزكية ابني عبد الله بن الحسن، وذلك حين خرجا على المنصور العباسي وإن كان تأييد أبي حنيفة في الحالين لم يزد عن التأييد الأدبي(1)
الإمام أحمد بن حنبل.. نظرت إليه المعتزلة الحاكمة بالشريعة كمتمرد فكرًا وسلوكًا لكونه لم يؤازر الحكم القائم من حيث العقيدة
الإمام الشافعي .. اتهم بمناصرة العلويين ضد العباسيين فلم يسلم من المحنة السياسية على يد نظام قسري لم يكن مساهما في التسويق لسياساته
وقد روي عن أبي حنيفة بي انه قال للخليفة العباسي المنصور ناصحاً: المسترشد الدينه يكون بعيد الغضب إن انت نصحت نفسك علمت أنك لم ترد الله باجتماعنا فإنما اردت ان تعلم العامة أننا نقول فيك ما تهواه مخافة منكم.
ولقد وليت الخلافة وما اجتمع اثنان من أهل الفتوى والخلافة تكون باجتماع المؤمنين ومشورتهم (2)
ويصل غضب الحكومة على موقفه إلى أن يضرب بالسوط مائة سوط أيام مروان ابن الحكم ليلي القضاء ولم يفعل، وظل يضربه يزيد بن هبيرة والي الكوفة بمقدار عشرة أسواط يوميا لإقناعه بتولي القضاء فلم يستجب حتى ينس منه فتركه.
وفي الدولة العباسية دعاء المنصور للغرض نفسه فلم يستجب(3)، وقد أورد الذهبي هذه القصة على النحو التالي: عن مغيث بن بديل قال: دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع فقال: أترغب عما نحن فيه؟ وهذه تهمة لها ما يبررها لدى السلطة تجاه عالم معرض عنها)، قال: لا أصلح، قال: كذبت قال: قد حكم أمير المؤمنين على أني لا أصلح، فإن كنت كاذبا فلا أصلح، وإن كنت صادقا فقد أخبرتكم أني لا أصلح فحبسه(4). فدل على أن الإمام أبا حنيفة له موقف غير مؤيد للسلطان الغاصب لأنه غير شرعي. حيث أخذ السلطة من غير وجهها، ولم يكن حديث ما أقاموا فيكم الصلاة، مبررا لتبني قاعدة فقهية تناصر كل إمام متغلب إلا من باب وجوب الصبر على الضرر الأصغر اتقاء للضرر الأكبر، وبناء على هذا الفهم كان العلماء يطلقون لقب أمير المؤمنين على إمام حتى إذا ما غلبه آخر توجهوا باللقب نحو الغالب دون التشبث بواجب الوفاء ببيعة المغلوب السابق ولم يكن منهم تضحية ووفاء مستميت لصالح المغلوب وإن كان مقيما للصلاة.
والإمام مالك يضرب في زمان المنصور بتهمة سياسية تبيح للناس التحلل من البيعة القسرية لدولة بني العباس ضربه جعفر عم المنصورة بتهمة أنه يفتي بعدم لزوم بيعة الإمام جبرا، فضرب حتى خلعت يده(5) ...وقد جاء ذكر هذه المحنة عن ابن سعد: حدثنا الواقدي قال: لما دعي مالك وشوور وسمع منه وقبل قوله حسد وبقوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه وكثروا عليه عنده وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت ابن الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز عنده قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك فاحتج عليه بما رفع إليه عنه فأمر بتجريده وضربه بالسياط وجبدت يده حتى انطلعت كتفه وارتكب منه أمر عظيم هو الله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو، قال ابن كثير: هذه ثمرة المحنة المحمودة إنها ترفع العبد عند المؤمنين، وعلى كل حال فهي بما كسبت أيدينا ويعفو عن كثير وإن يرد الله به خيرا يصب منه (6)
والشافعي اتهم بمناصرة العلويين ضد العباسيين فلم يسلم من المحنة السياسية على يد نظام قسري لم يكن - على جلالة قدره - مساهما في التسويق لتلك السياسات، وهم كانوا يعرفون منه ذلك، ولهذا تعرض للمضايقة، وأحمد ابن حنبل، نظرت إليه المعتزلة الحاكمة بالشريعة والمقيمة الصلاة نظرة متمرد فكرا وسلوكا لكونه لم يؤازر الحكم القائم من حيث العقيدة... ومن اختلفت عقيدته مع نظامه السياسي كان واردا أن يوالي غيره متى وجد الظرف المواتي.
وهذا سعيد بن المسيب، يدعى إلى بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان فيقول: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار فقالوا: ادخل من هذا الباب واخرج من الآخر، قال: لا، والله لا يقتدي بي أحد من الناس فجلد مائة والبس المسوح(7) .
هذه المواقف غير الراضية وغير المباركة السلطة أئمة الجور المقيمين للصلاة والحاكمين بالشريعة تدل على أنهم لا يرون شرعيتها وان سكتوا عنها ظاهرا وأعلنوا تأييدهم لها، ولم ينخرطوا في ثورات مضادة لها، وذلك من باب مراعاة مصالح الأمة وتأليفا للكلمة وحقنا للدماء وتسكينا الثائرة الفتن وهذه الأنظمة كانت تعلم موقفهم السلبي تجاهها، ولهذا تعرضت لهم بالأذى وطلبت منهم موقفا أقوى في المناصرة والتأييد، ولو كان عند هؤلاء الأعلام قناعة بأن فقه إقامة الصلاة حام للسلطة المغتصبة غير الشرعية لكان منهم موقف مناصر لها ومؤيد، ولما كان من مبرر ليقفوا موقفا يتهمون فيه ويتعرضون بسببه إلى الأذى.
الهوامش
(1، 2) د. مصطفى محمد الشكعة إسلام بلا مذاهب، ص ٤٢٣ الدار المصرية.
(3) محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي سير أعلام النبلاء
(4) د. مصطفى محمد الشكعة، مرجع سابق ص ٤٣١
(5) محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مرجع سابق، ص ۸۱
(6) أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي مختصر منهاج القاصدين،
ص ١٦٧.
(7) نقلت القصة بتصرف من البداية والنهاية لابن كثير، ص 5/218.