العنوان موقعنا من الرعيل الأول للمسلمين
الكاتب محمد عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995
مشاهدات 83
نشر في العدد 1148
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 02-مايو-1995
·
دعوة
الإسلام ترتبط بالقدوة في الأفعال والأخلاق وفي المطابقة بين الأقوال والأعمال.
·
في
المجتمع الذي تحكم تصرفاته العقيدة الصحيحة لا تسيطر المادة على الأفكار والأعمال
والأخلاق على النحو الذي نشاهده في عالم اليوم.
هذه النماذج التي نسوقها كقدوات على الطريق:
- آمنت
بالإسلام، فكرة وعملًا، وتطبيقًا وخلقًا.
- وآمنت
به منهاجًا وغاية، وطريقًا ودستورًا.
- وآمنت
به حقًا وواجبًا، ونظامًا للحياة وللأحياء.
- وآمنت
به تربية وإعدادًا، وعزة وجهادًا.
- وآمنت
به زادًا للجسم والروح معًا ورفيقًا على الطريق إلى الجنة.
- وآمنت
به ضياءً وسراجًا وبرهانًا.
إن هؤلاء الرجال كانوا لا يحبون الكلام، بل يعملون
ويتركون الكلام لغيرهم، فسيرتهم في جهادهم، وتاريخهم في إيمانهم، كانوا لا يرون
أنفسهم إلا جنودًا في ميدان الحق يؤدون واجبهم.
وبهذا الإيمان العميق وحده كانت مسيرتهم، فكانوا
روحًا وورودًا ورياحين للبشرية إلى أن تقوم الساعة.. لماذا يسد الناس باب القدوة
في مُثُل هي من طاقة البشر؟ ولماذا يُغلق باب الترقي أمام العقل البشري وأمامه هذه
النماذج؟!
أثر القدوة في غرس المفاهيم
وكثير من المفاهيم الإسلامية، لا يتم ظهورها إلا
إذا تحققت في صورة واقعية يراها الناس في الحياة، ودعوة الإسلام ترتبط دائمًا
بالقدوة في الأفعال والأخلاق وفي المطابقة بين الأقوال والأعمال والسلوك.
ودعوة الإسلام ليست طقوسًا مبهمة، ولا ترانيم
غامضة، بل هي رسالة أضوأ من البدر، هدفها السمو بالإنسان روحيًا وخلقيًا وعقليًا،
والمسلم الصادق هو العملة النادرة في أيامنا هذه لأنه أصلح عنصر للحياة، وبوجوده
يستقر الكثير من الفضائل التي يحتاج إليها البشر، ويستقر الأمن والأمان لسبب واحد
أن هذا العنصر يؤمن بالله واليوم الآخر، ويوقن بالجزاء والحساب.
بوجود هذا النوع يبطل تقديس الأشخاص، ويختفي النفاق
من المجتمعات، ويسود عنصر التقدير لمن يستحقه، ويبقى معنى الاحترام لأهل السبق
وأهل الفضل، وتتأكد قيمة العمل إلى آخر لحظة من لحظات الحياة.. قيمة العمل الصالح
للدين والدنيا والآخرة، فطريق الآخرة، هو طريق الدنيا لا اختلاف ولا افتراق.
وهذه النماذج من المجتمع المسلم متعددة فيها صورة
الحاكم المسلم، والمجاهد المسلم والجندي المسلم، والتاجر المسلم.. وكلها تشير
وتؤكد أنهم كانوا على جانب عظيم من سمو الأخلاق، لم يسجل عليهم التاريخ كذبًا أو
تزويرًا أو نفاقًا طول حياتهم، إنهم لم يخدعوا أحدًا، وفضلًا عن سلامة الفطرة
وكمال العقل، والاعتدال والاتزان كانوا يعيشون حياة عادية هادئة تتسم بالاستقامة
والاعتدال بلا تكلف، لا يعرفون المناورات الحزبية، ولا يحرصون على الظهور أو
التزلف لأحد، يهربون دائمًا من مواطن الخلاف والخصام والجدال، لأن المنتصر فيها
مهزوم.
الاعتزاز بغير الإسلام ذلة
قصة عمر ورحلته إلى بيت المقدس بعد فتحها خالدة في
التاريخ، يقول أبو العتاهية:
«قدم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الجابية على جمل
أورق، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، رجلاه بين شعبتي رحله بلا ركاب، على کساءٍ
بنجابي ذي صوف، هو ركابه إذا ركب وفراشه إذا نزل، على ظهر البعير شملة محشوة ليفًا
هي وسادته إذا نزل، عليه قميص تخرق جنبه، وحين لقيه أبو عبيدة قال له: يا أمير
المؤمنين، العيون شاخصة إليك لو أصلحت من ثيابك قليلًا، فقال عمر عندما سمع هذا
الكلام: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس
فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغير الإسلام يذلكم الله» (البداية
والنهاية).
هذه عدة لرحلة أكبر حاكم على وجه الأرض في زمانه.
رجل من الرعيل الأول
جاء في صفة الصفوة لابن الجوزي ص 122: سأل معاوية
بن أبي سفيان رضي الله عنه ضرار بن ضمرة -رضي الله عنه- أن يصف عليًّا رضي الله
عنه وألح عليه فقال:
«كان يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل
وظلمته، كان والله عزيز الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من
اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدرنا
إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا، وقربه منا لا نكلمه
هيبة، ولا نبتديه، فإن تبسم فعن أسنان مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب
المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد بالله لقد رأيته
في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، وقد تمثل في محرابه، قابضًا على
لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو يقول: يا دنيا إليَّ
تعرضت أم لي تشوفت؟ هيهات هيهات، غري غيري، قد طلقتك ثلاثًا لا رجعة لي فيك، فعمرك
قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق».
إن القرآن الكريم يصف هؤلاء الأبرار وصفًا دقيقًا،
ويجدد ملامحهم بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ﴾ (التوبة:
71) إن طبيعة المؤمنين طبيعة الوحدة والتكافل والتضامن والتعاون في تحقيق الخير
ودفع الشر، هم الأمناء في الشدة والرخاء.
أمانة فذة
روى ابن جرير الطبري في تاريخه قال: «لما هبط
المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحق معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض،
فقال والذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه، فقالوا: هل
أخذت منه شيئًا؟ قال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أن للرجل شأنًا،
فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني، ولكن أحمد
الله وأرضى بثوابه، فاتبعه رجل حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه فإذا هو عامر بن
قيس».
وحملت غنائم القادسية إلى عمر -رضي الله عنه- وفيها
تاج كسرى وإيوانه، لا يقومان بثمن، فنظر رضي الله عنه إلى ما أداه الجند في غبطة
وقال: «إن قومًا أدوا هذا لأميرهم لأمناء».
لقد ربى الإسلام أبناءه تلك التربية الفريدة
والعجيبة التي تكاد أخبارها تحسب في الأساطير، إنه السباق إلى نصرة الإسلام والذود
عنه.
شوق إلى الجنة
قال خيثمة -وكان ابنه قد استشهد مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «لقد أخطأتني وقعة بدر، وكنت والله عليها حريصًا، حتى ساهمت ابني
في الخروج، فخرج سهمه، فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة
يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني
ربي حقًا، وقد والله يا رسول الله، أصبحت مشتاقًا إلى مرافقته في الجنة، وقد كبرت
سني ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة
سعد في الجنة»، فدعا له رسول الله ﷺ بذلك فقتل بأُحُدٍ شهيدًا.
والعقيدة الإسلامية التي دعا إليها سيد الخلق صلى
الله عليه وسلم، والتي مكنها في نفوس أصحابه وأتباعه هي بذاتها الدعامة الكبرى
للإصلاح الاجتماعي، فقد نشأ عنها وترتب عليها حياة روحية خلقية فاضلة، لها المقام
الأول في نفس المسلم، وما بعدها من مادة إنما يكسب قيمته وأهميته بقدر صلاحه
لإعزاز هذه الروح وتمكينها.
وفي المجتمع الإسلامي الذي تسوده العقيدة الصحيحة
لا يمكن أن تسيطر المادة على الأفكار والأعمال والأخلاق والتصرفات البشرية سيطرة
تشبه في قليل أو كثير ما يعانيه العالم اليوم من سيطرة الماديات التي دمرت
الإنسان.
الدين المعاملة
يروى أنه كان عند يونس بن عبيد (تاجر ملابس) حُلَل
مختلفة الأثمان، ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة، وضرب كل حلة مائتان.. فمر إلى
الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان.. فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من
حلل المائتين فاستحسنها ورضيها واشتراها، ثم مضى بها وهي على يديه فقابله يونس
مصادفة وعرف الحلة، فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة، قال: إنها لا
تساوي أكثر من مائتين فارجع معي حتى تردها، قال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا
أرتضيها.. فقال له يونس: تعال معي فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها.. ثم
رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم.. وخاصم ابن أخيه في ذلك وقال له: أما
استحييت؟! أما اتقيت الله؟! تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين؟!
فقال الغلام: والله ما أخذها إلا وهو راض بها.. قال
يونس: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك!
وكذلك رُوِيَ عن محمد بن المنكدر أن غلامه باع
الأعرابي في غيبته شقة من الخمسينات بعشرة فلم يزل يطلب ذلك الأعرابي النهار كله
حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط وباعك ما يساوي خمسة بعشرة، فقال: يا هذا قد
رضيت.. فقال محمد: إن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا.. ورد إليه خمسة..
تلك أخلاق من تمكنت الدعوة المحمدية من نفسه فعمل بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا
يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فالمسلم لا يخدع ولا يغش ولا يغبن.
قيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما سبب
يسارك؟ قال: ثلاث، ما رددت ربحًا قط، ولا طلب مني حيوان فأخرت بيعه، ولا بعت
نسيئة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرأً سهل البيع، سهل
الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء».
وهذا بعض أثر الدعوة الإسلامية فيمن اهتدوا بهديها،
نعم.. الدين المعاملة، لا التنطع ولا التكلف ولا التظاهر، بل هو الإيمان الحاسم
بالمبادئ السامية، أحالها من قول يقال إلى عمل يعمل، لا يبالي المؤمن بمن رضي أو
من لم يرض لأنه لا يخشى الناس، والله أحق أن تخشاه.