العنوان مخرج فيلم «جهاد في أمريكا» ستيفن إمرسون في مونتريال: على العالم أن يتحرك لتطويق الإسلاميين
الكاتب ياسر سعد الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1995
مشاهدات 66
نشر في العدد 1140
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 28-فبراير-1995
مخرج فيلم «جهاد في أمريكا» ستيفن إمرسون في
مونتريال: على العالم أن يتحرك لتطويق الإسلاميين
مونتريال: ياسر سعد الدين
في محاضرة تحت عنوان «الخطر الوشيك للإرهاب
الإسلامي المسلح» تحدث السيد ستيفين إمرسون في «بيت إسرائيل وبيت آرون» في
مونتريال يوم 31/ 1/ 1995 الماضي، عما اعتبره تهديدًا عاجلًا وخطيرًا على الغرب من
الأصولية الإسلامية، فبالإضافة إلى استعراض ما جاء في فيلمه المثير للجدل «جهاد في
أمريكا» أبدى إمرسون ملاحظات وإشارات ذات دلالات هامة.
فقد بدأ حديثه بالإشارة إلى القرار الأخير للرئيس
بيل كلينتون القاضي بحظر نشاط وتجميد حسابات عدد من المنظمات الخيرية الإسلامية
المرخص لها بالعمل في أمريكا، اتهمها القرار الرئاسي بدعم الإرهاب الذي يهدد مسار
السلام في الشرق الأوسط، معتبرًا أن هذا القرار بمثابة خطوة أولية لمواجهة
الأصولية الإسلامية، وأشار إلى أن الإسلام هو أوسع الأديان امتدادًا على وجه الأرض
وأسرعها انتشارًا في العالم بما في ذلك الغرب، وكرر في أكثر من موضع أن حملته
موجهة ضد المسلمين المتعصبين، وليست ضد الإسلام أو مجموع المسلمين العاديين.
إثارة الغرب ضد الإسلام
وقال: إن أفكار إسلاميي اليوم متأثرة بآراء البنا
وسيد قطب والمودودي التي تقسم العالم إلى دارين: دار إسلام ودار الحرب، والتي
تعتقد حسب زعمه أنه لا لقاء ولا التقاء بين الدارين إلا من خلال حرب شاملة تخضع
فيها دار الحرب لسلطان الإسلام، وذكر أن فكر الجماعات الإسلامية ينص على أن غير
المسلم هو بشكل تلقائي عدو يجب تحطيمه وقهره، وركز على أن هؤلاء الإسلاميين وجدوا
في الغرب عمومًا وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص مكانًا مثاليًا لتجميع
الأموال وحشد الإمكانيات، مستفيدين من الحرية الواسعة في الغرب التي يستطيعون من
خلالها، ومن خلال قدرتهم على ازدواجية الخطاب التهرب من مواجهة القانون.
وانتهى إمرسون إلى القول بأن التسامح الغربي مع
هؤلاء لا ينفع، وتساءل إذا كانت الديمقراطية في الغرب واسعة بشكل يتيح لأعدائها من
الإسلاميين استخدامها بشكل يؤدي إلى ضربها واغتيالها، وخلص إلى أن الإسلاميين
يكذبون بادعائهم أنهم يرتضون الديمقراطية، وبالتالي يكون لزامًا تكذيب أي إسلامي
يزعم بأنه ديمقراطي، وأضاف أن الإسلاميين يستخدمون الدين لتحقيق أهداف سياسية.
وقال: إن عملية مركز التجارة الدولي بنيويورك كانت
تهدف إلى إثارة الرعب داخل المجتمع الأمريكي، كما أن مرتكبيها يحلمون بتأسيس دولة
إسلامية في الولايات المتحدة، وحذر من أن الراديكاليين الإسلاميين قادرون على
تنفيذ أكثر من اعتداء في ذلك المستوى، كما أكد له أحد العاملين في جهاز F.B.I، غير أن ما يمنعهم من ذلك هو رغبتهم في جمع أموال أكثر وأعداد من
المتطوعين أكبر، وتنبأ إمرسون للجمهور بعملية إرهابية قريبة في الولايات المتحدة.
وذكر أن أهم اللقطات في فيلمه «جهاد في أمريكا»
بالنسبة له هو ذلك الطفل الفلسطيني في المخيم الصيفي بشيكاغو، الذي يقفز أمام
الكاميرا هاتفًا «سأذبح اليهود»، وذلك لأن الأصوليين يربون الأطفال على الحقد،
وقال: إنه من خلال سماعه لأحاديث وكلمات رموز التيار الإسلامي المتطرف في أمريكا،
لاحظ أن خطابهم بشأن الآخرين كثير الشبه بخطابات النازيين.
وزعم إمرسون أن مشاكل المتطرفين موجودة أيضًا في
كندا، غير أن السياسيين الكنديين يتجنبون الحديث عنها، وحذر إمرسون الغرب بأنه
سيكون ضحية مباشرة للإرهاب الإسلامي، إذا لم يقم بخطوات سريعة لمواجهة هذا الخطر،
واقترح قيام تنسيق عالمي لمحاربة التطرف الإسلامي، وإعادة النظر في قوانين الهجرة
المعمول بها في الغرب وفي الولايات المتحدة، حتى لا يستطيع الإرهابيون النفاذ من
خلالها إلى المجتمعات الغربية.
العنف والإرهاب بدأه اليهود من الأربعينيات
إن المتابع المحايد لمحاضرة إمرسون ليلحظ من دون
عناء أساليب إمرسون في قيادة حملة من الكراهية والعنصرية ضد المسلمين، حيث يسوق
ادعاءات تفتقر إلى المنهجية العلمية أو الدقة أو الدلائل المؤكدة، كما أن كثيرًا
من آرائه في هذا المضمار مقتبسة ومنقولة من أطراف تخوض حربًا معلنة على التيار
الإسلامي، ويمكن أن نكتفي في هذه المقالة بالتوقف عند بعض النقاط والأفكار التي
أثارها إمرسون لنبرهن على ما أشرنا إليه سابقًا.
عندما خاض إمرسون في موضوع الإرهاب وضحاياه من
المدنيين لم يكلف نفسه عناء البحث في جذور الإرهاب وأسبابه، فلم يشر إلى الطرف
الذي أدخل سياسة السيارات الملغومة في منطقة الشرق الأوسط في الثلاثينيات
والأربعينيات ليدفع الفلسطينيين إلى الهجرة من وطنهم، ولم يذكر هوية الأيدي التي
كانت تقف وراء انفجار الكثير من السيارات الملغومة في تجمعات المدنيين في مناطق
المسلمين في لبنان، وحين تكلم عن العمليات الإرهابية الأخيرة التي حدثت في المنطقة
العربية أغفل موضوع السيارة الملغومة التي انفجرت في الضاحية الجنوبية في بيروت،
كما أغفل الحديث عن شعور المسلمين المتعاظم بالإذلال والقهر لكثرة الاعتداءات
عليهم إن كان في فلسطين أو في كشمير أو في البوسنة والهرسك أو في الشيشان.
ولم تكن أطروحات إمرسون وعباراته التي تحدث فيها عن
الإرهاب الإسلامي الذي يهدد استقرار إسرائيل سوى تكرار لعبارات لم ينفكوا عن
ترديدها منذ أعوام حتى تحولت القضية الفلسطينية من قضية احتلال وظلم واعتداء إلى
مسألة إرهاب أصولي تشترك إسرائيل في مواجهته مع النظام السياسي العربي.
أما أفكار إمرسون الغريبة في وجوب استثناء
الإسلاميين من الديمقراطية والمشاركة فيها وتأكيده على كذب ادعاءاتهم بأنهم
ديمقراطيون وأنهم يستخدمون الدين لتحقيق أهداف سياسية فإنها لا تخرج عن كونها هي
الأخرى تردادًا لطروحات بعض الأنظمة العربية -العريقة في الديكتاتورية- لتبرير
استثنائها الإسلاميين من العملية الانتخابية، وتطوع إمرسون في محاضرته فتبنى آراء
الكثيرين من ديكتاتوريي العالم الثالث بقوله: إن بعض الشعوب غير مؤهلة للحكم.
مغالطات وتضليل
لجأ إمرسون في محاضرته إلى استشهادات مبهمة، وساق
أدلة واهنة وبنى على ذلك استنتاجات أوحى للمستمعين له أنها حقائق وحتميات، فقد قرأ
من فاكس مرسل له من صحفي مصري مسلم مجهول الاسم يحمل عبارات فيها الكثير من
المعاناة من الوحش الأصولي غير المرئي!
ولا أحد يعرف بالتأكيد إذا كانت شخصية هذا الصحفي
حقيقية أم وهمية، كما نقل بعض ما روى له موظف في F.B.I (لم يذكر اسمه) عن الإمكانية الكبيرة لوقوع عمليات إرهابية في
الولايات المتحدة ينفذها الراديكاليون الأصوليون، دون أن يوضح لماذا تتقاعس
الأجهزة الأمنية الأمريكية عن حماية مواطنيها وكشف مخططات هؤلاء الإرهابيين
المزعومين إذا كانت تملك تلك المعلومات الخطيرة.
وتحدث إمرسون عن اكتشاف الشرطة البريطانية لمخابئ
أسلحة في مساجد بريطانيا، غير أنه لم يخبر متى وكيف ولماذا أهملت وسائل الإعلام
العالمية هذا الخبر الخطير الذي تفرد بنقله السيد إمرسون، وعندما استدل على خطورة
الإرهاب بدأ حديثه بحادثة انفجار السيارة الملغومة في العاصمة الجزائرية قاطعًا أن
الإسلاميين وراءها، مع أن توقيت الانفجار ومكانه يطرحان أكثر من علامة استفهام
تستوقف أي إعلامي مبتدئ، ناهيك عن أن يكون محترفًا مثل السيد إمرسون، فالحادثة قد
وقعت بعد توقيع العديد من أحزاب المعارضة الجزائرية في روما بما فيها الجبهة
الإسلامية للإنقاذ على اتفاق يدعو لوقف أعمال العنف وإنهاء الحرب الأهلية في
الجزائر، وفي المرة الأولى التي تعلن فيها الجماعة الإسلامية المسلحة تأييدها لمثل
هذا الاتفاق سارعت الحكومة العسكرية لرفضه وتحركت لإجهاضه.
عندما تحدث عن الجمعيات الإسلامية في الولايات
المتحدة ذكر إمرسون أن جميعها بأيدي الأصوليين، قاصدًا بذلك إثارة الرعب في قلوب
أبناء الجالية ليمنعهم من ممارسة حقوقهم في أية مشاركة فكرية أو سياسية يسمح بها
القانون الأمريكي، ضمن هذه الجمعيات، بل إنه انتقد النظام الديمقراطي الغربي لأنه
يسمح للإسلاميين كغيرهم بحرية التعبير والعمل السياسي العلني والمشروع، وطالب
إمرسون بتغيير قوانين الهجرة في اتجاه منع الإسلاميين من القدوم إلى الغرب
والاستقرار به، ودعا إلى تكذيب كل إسلامي يدعي أنه يرضى بالديمقراطية ويوافق
عليها، دون أن يوضح كيف يستطيع أن يميز «الأصولي» عن المسلم المعتدل، خاصة إذا كان
نشاط الإسلاميين في الغرب قانونيًا وشرعيًا حسب القوانين والنظم المعمول بها، فبأي
وجه يمنح السيد إمرسون نفسه حقًا ثيوقراطيًا بتكذيب ادعاءات الناس بأنهم
ديمقراطيون دونما الاستناد إلى دليل أو برهان؟ ثم ما الذي يمنع اتهام أي مسلم بأنه
أصولي وبالتالي معاملته معاملة خاصة غير ديمقراطية كما يلح على ذلك إمرسون؟
أوليست هذه حملة واضحة من الكراهية ضد الإسلام
والمسلمين بمجموعهم بحجة محاربة الأصوليين؟ ثم أليست أفكار إمرسون الموجهة ضد
المسلمين والمطالبة بقوانين وإجراءات غير ديمقراطية لمواجهة الأصوليين المزعومين
واستثنائهم من القوانين الديمقراطية والحقوق التي يتمتع بها غيرهم من الأديان
والمذاهب المختلفة أفكارًا عنصرية؟
وإن أخطر ما جاء في محاضرة السيد إمرسون هو تأكيده
بأن عملية إرهابية أصولية ستحدث قريبًا في الولايات المتحدة، فمع هذه الحملات
الظالمة والادعاءات المغرضة فإنه يتوجب على الجالية الإسلامية أن تحذر وتتخوف من
قيام حوادث إرهابية مفتعلة قد تلصق بها لتبرير اتخاذ إجراءات ضدها أو سن قوانين
لمحاربتها.