العنوان مؤتمر كوبنهاجن .. ماذا يمكن أن يغير؟
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 19-ديسمبر-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1881
نشر في الصفحة 14
السبت 19-ديسمبر-2009
تدمير المناخ.. نحن الأكثر تضرراً .. كيف ؟!
● حرارة الأرض سترتفع ما بين ٤ و ٦ درجات مئوية بحلول عام ٢١٠٠م وسيكون لها تأثير كارثي محتمل» على البيئة والاقتصاد والسكان
● المنطقة العربية أكثر مناطق العالم تضررا مع أنها تساهم بحوالي ٣ فقط من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري
● المناخ يتغير منذ آلاف السنين ولكن لأسباب طبيعية وليست بشرية ومهما حاول المجتمع الدولي خفض هذه الانبعاثات فلن يكون لذلك أي تأثير على التغير المناخي
● الاتحاد الأوروبي يرصد نحو ١٤٨ مليار دولار لمكافحة التغيير المناخي
● أتباع الأديان - والمسلمون خصوصا - يمكن أن يلعبوا دوراً مهما في خدمة تحسين المناخ العالمي
قبيل انطلاق قمة كوبنهاجن الأخيرة المؤتمر الخامس عشر للمناخ التي استهدفت معالجة الخلل في قضية التغير المناخي، انطلقت تظاهرات في بريطانيا - والعديد من دول العالم - تطالب باتخاذ أفعال حاسمة طالب فيها المتظاهرون قادة العالم بالتوصل إلى اتفاق جديد صارم حول الحد من انبعاث الغازات الملوثة للبيئة المسببة لارتفاع الحرارة والتغير المناخي. وكان من اللافت أن الهيئات الدينية والقواعد الشعبية والمجتمعات المحلية والمنظمات غير الحكومية ورجال الأعمال نشطوا بدورهم للضغط على المؤتمر الذي شاركت فيه ۱۹۲ دولة بشكل غير مسبوق، أملا في التوصل إلى اتفاق دولي حول المناخ يحل بديلا لبروتوكول كيوتو ، لعام ١٩٩٧م الذي ينتهي قريبا ، والذي تخشى الدول النامية أن يجري إلغاؤه أو تعديله بما يلغي الالتزامات المقررة على الدول الكبرى التي أفسدت المناخ.
وتهدف قمة المناخ التي تستمر حتى ١٨ ديسمبر الجاري إلى صياغة اتفاق جديد المعالجة الانبعاثات الضارة بالبيئة بعد انتهاء العمل ببروتوكول كيوتو في عام ٢٠١٢م. إذ إن المحادثات حول هذا الأمر ظلت مستمرة منذ ۲۰۰۷م، وفشلت حتى الآن في التوصل إلى اتفاق دولي بهذا الشأن، وكان هناك تخوف على مصير المؤتمر. فهل يؤول إلى الفشل؟ وكيف سيكون موقف أكبر ملوثي الكوكب - أمريكا والصين؟
● حقيقة الكارثة المناخية
تفيد التنبؤات أن حرارة الأرض سترتفع ما بين ٤ و ٦ درجات مئوية بحلول عام ٢۱۰۰م، مع تأثير كارثي محتمل على البيئة والموائل والاقتصاديات والسكان، حسب ما ورد في التقرير الصادر عن صندوق الأمم
المتحدة للسكان (۱) . ويمكن أن تتأثر حركة الهجرة؛ لأن ارتفاع مستوى البحار والجفاف يدفعان السكان إلى النزوح عن المناطق غير الصالحة للسكن، وبالتالي يفقدون مصادر دخلهم.
والمشكلة أن المجتمعات الصناعية وشركات الطاقة وبشكل خاص في البلدان الكبرى تستثمر أرقاما فلكية من الأموال في مشاريع عملاقة.
ولا يزال الوقود التقليدي أو ما يعرف بـ«الوقود الأحفوري يشكل المصدر الأساسي للطاقة، فهو يلبي نحو ٨٠٪ من الحاجة الحالية، فالاعتماد الأكبر سيظل على النفط والغاز والفحم، بينما لا تزيد مساهمة مصادر الطاقة البديلة على نسبة ضئيلة .
لذلك فإن انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون سيستمر، وسيستمر معه ارتفاع حرارة الأرض والتغيرات البيئية، من جانب آخر زاد استغلال الأرض لغرض الإنتاج الزراعي بنسبة عالية تقدرها الدراسات بـ ٤٠% خلال العشرين سنة الماضية، وكل ذلك مرتبط بالارتفاع المتنامي لعدد سكان الأرض، إذ يقطنها الآن ٦,٨ مليار نسمة أي أن عدد سكان العالم زاد بنسبة ٣٥ منذ منتصف الثمانينيات، لكن الرقم سيصل بحلول عام ۲۰۵۰ م إلى تسعة مليارات حسب تقديرات صندوق السكان، ومع الزيادة المتسارعة في عدد السكان، يتنامى الطلب على الطاقة.
● المنطقة العربية.. الأكثر تضرراً!
تشير التقارير إلى أن المنطقة العربية ستكون من أكثر المناطق في العالم تعرضا للتأثيرات المحتملة للمناخ، وأهمها ارتفاع درجة الحرارة وانخفاض كميات الأمطار وارتفاع مستوى البحار في منطقة تعاني أصلا من موجات جفاف متكررة وشح المياه.
والعجيب أن المنطقة العربية تساهم بحوالي % فقط من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، بينما ستكون المنطقة من أكثر مناطق العالم تضررا من هذا الاحتباس.
والحقيقة أن خطر تدمير المناخ ليس أمراً هيناً، فقد أعلنت ثلاث مؤسسات علمية بريطانية مرموقة تدرس التغير المناخي في بيان مشترك لها أن التلكؤ في التصدي للانبعاثات الغازية سيكون له تداعيات خطيرة. وقد جاء في بيان للجمعية الملكية، ومكتب الأرصاد الجوية، ومجلس أبحاث البيئة الطبيعية (۲) أن نتائج الأبحاث العلمية في مجال التغير المناخي أكثر مدعاة للقلق من أي وقت مضى. وأوضح البيان أن الفيضانات التي شهدتها بريطانيا عام ٢٠٠٧م، وموجة الحر التي مرت بها القارة الأوروبية عام ٢٠٠٣م،
وموجات الجفاف الأخيرة تؤكد ذلك. ولفت البيان إلى أن هناك أدلة متزايدة على التغير المناخي الخطير والطويل الأجل وغير القابل للإصلاح، وما زال انبعاث غاز الكربون في تزايد وتراجع الجليد الذي يغطي القطب الشمالي بشدة خلال العامين الماضيين.
وكان العقد الماضي الأكثر دفئاً خلال القرن ونصف القرن الماضيين، وقد حذر العلماء من تسارع وتيرة التغير المناخي خلال العقود المقبلة، وحذروا من أن دولا عديدة مثل بريطانيا ستواجه ارتفاعا في أسعار الغذاء، وتدهور الأوضاع الصحية، وتزايد الفيضانات، وارتفاع مستوى البحار.
● البشر يدمرون المناخ
وقد أشار المفاوض السعودي لكوبنهاجن إلى أن المناخ يتغير منذ آلاف السنين، ولكن لأسباب طبيعية وليست بشرية، لهذا فمهما بذل المجتمع الدولي من أجل خفض هذه الانبعاثات فلن يكون لذلك أي تأثير على التغير المناخي، وسبق للسعودية - بصفتها متزعمة البلدان المنتجة للنفط - أن عارضت كل محاولات التوصل إلى اتفاقيات للحد من انبعاث الغازات، كما طالبت بتعويضات مالية لما تتسبب فيه مثل هذه القيود من خسارة لأنها تحد من مبيعات النفط. أيضاً قال ناطق باسم المفوضية الأوروبية إن الدليل العلمي على مسؤولية البشر عن التغير المناخي غير قابل للدحض وقال مايكل مان أحد خبراء التاريخ المناخي بجامعة بنسلفانيا الأمريكية هناك إجماع بين العلماء على أن التغير المناخي واقع لا ريب فيه ولا ينبغي إنكاره. وأولئك الذين لا يرون ضرورة العمل على الحد منه يفتقرون إلى السند العلمي لهذا فهم يختلقون جدلا زائفا لتحويل اهتمام الجمهور والساسة بهدف إفشال
قمة كوبنها جن... ولقد كشفت مراجعة واسعة النطاق لتغير المناخ في القارة القطبية الجنوبية أن من المرجح أن ترتفع مستويات البحار بمقدار ١.٤ متر على مستوى العالم بحلول عام ۲۱۰۰م؛ وذلك بسبب ذوبان الجليد القطبي. الواجب إذن مشترك ولا يمكن إهمال
دور الفرد، وبالنسبة للمال فقد اتفق الاتحاد الأوروبي على أن مكافحة التغيير المناخي يتطلب رصد نحو ١٤٨ مليار دولار، غير أن جماعات الحفاظ على البيئة انتقدت هذا الاتفاق قائلة: إنه لا يفي بالغرض.
● البدائل
منذ الثورة الصناعية ارتبط النمو الاقتصادي باستهلاك الوقود وانبعاث كميات أكبر بدرجة غير مسبوقة من الغاز وهو ما دفع العديد من العلماء والسياسيين إلى المطالبة بثورة تكنولوجية جديدة، وهناك خيارات لتوليد الطاقة ووسائل المواصلات فضلا عن حلول علمية لاستخدام ضوء الشمس أو التخلص من غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. وبخلاف الطاقة النووية التي تلقى معارضة قوية من النشطاء في مجال البيئة قد يشكل هذا الوقود تهديدا أمنيا بتصنيع أسلحة، ولذلك تطرح بدائل أخرى منها : الطاقة الكهرومائية الأكثر انتشارا؛ حيث تولد الكهرباء من خلال إقامة سدود أمام المياه ودفع التيارات عبر التوربينات. والفحم النظيف وهو الوقود الأحفوري الأكثر توافرا، والذي يتم توزيعه على نطاق واسع، وهو يحافظ على الصناعة القائمة ويستفيد من البنية التحتية القائمة .
أيضا هناك الحرارة الجوفية حيث تستخدم الصخور الساخنة بطبيعتها أو الفروق في درجات الحرارة أسفل سطح الأرض لتسخين الماء بصورة مباشرة أو تحريك التوربينات.
طاقة البحر يستفاد من طاقة حركة المد والجزر أو التيارات أسفل سطح الماء أو الأمواج على الشاطئ والأمواج البعيدة.
وهناك كذلك طاقة الرياح مورد متجدد بصورة دائمة.
طاقة الشمس : مورد متجدد وهي أكثر الموارد الخالية من الكربون انتشارا، وهي طاقة صامتة ولا تؤثر على البيئة المحلية.
● دور الإسلام والأديان
في نطاق معرفة العالم أخيراً لأهمية «الدين في مسار البشرية، اجتمع ممثلون عن تسع ديانات في قلعة ويندسور» الملكية غربي العاصمة البريطانية لندن تحت رعاية الأمم المتحدة، في مبادرة نوعية تهدف إلى إبراز الدور الذي يمكن أن تؤديه الأديان في حل مشكلة المناخ والحد من تداعياتها على البشرية.
وفي بيان للشباب المسلمين والمسيحيين في بريطانيا بشأن تغير المناخ (۳)، طالبوا ممثلي المملكة المتحدة في المؤتمر للاهتمام بالموضوع من منظور ديني وأخلاقي، وإيجاد حلول مستدامة تؤدي إلى مستقبل منخفض الكربون، ودعوا أن تشمل الشراكة للعمل في هذا المجال الجماعات الدينية والشباب. وقال البيان: إننا كشباب من أبناء الديانات الإسلامية والمسيحية سنستعين بضميرنا الجماعي الأخلاقي والديني لتحمل المسؤولية عن حالة كوكبنا وسكانه، ونحن على بينة من المشكلة والأدلة، والاعتراف بأن الاحتباس الحراري الكوني سينتج عنه العديد من التداعيات الخطيرة، ولاسيما أننا ندرك أن التغيرات في المناخ سوف تكون لها آثار غير متناسبة على الفقراء بالذات، وعواقب لا
رجعة فيها بالنسبة للأجيال المقبلة. ومضى البيان يقول: إنه من غير المقبول أن الغالبية العظمى من الناس لا يعرفون التأثير الحقيقي لتغير المناخ، ويجب معالجة ذلك عن طريق زيادة التوعية على جميع المستويات، بما في ذلك الأفراد والمجتمعات المحلية، والمؤسسات التجارية. ولدفع هذه التغييرات يقترح الشباب سياسة حوافز أقوى لردع ومكافحة الممارسات الضارة، وخاصة من خلال قدر أكبر من المساءلة والعقوبات. ويطالبون بالتركيز للمضي نحو التكنولوجيا الخضراء والابتكار من خلال المزيد من الاستثمارات، وأنذروا أن عدم التصرف على نحو كاف سوف يؤثر على الأجيال المقبلة وحياة الملايين من الأشخاص
في جميع أنحاء العالم.
ودعوا كما يقول د. كارم عيسى أحد المشتركين في صياغة البيان، والذي حضره رئيس أساقفة كاتنبري د. رووان وليامز، إلى نظام سياسي واقتصادي أكثر ملاءمة يزيل الحواجز التي تعترض سبيل التكيف عن طريق تعزيز التجارة والعدالة والشفافية، وتوفير ما يكفي من الموارد من مال وتكنولوجيا ومهارات.
ويقول د. «عيسى»: إن ثمة حاجة ملحة المائتي مليار دولار سنويا لمعالجة هذه الأزمة البيئية الحرجة، وهذا ينبغي أن يأتي من خلال التمويل العام، وأن يدار بواسطة الأمم المتحدة لضمان الشفافية والتمثيل الديمقراطي من جميع الدول، نحن لا نرى أي مكان المشاركة البنك الدولي في جمع هذه الأموال اللازمة.
ولهذا شدد البيان على أنه يجب أن يكون واضحا أن الأمر ليس جمعية خيرية ولكنها ديون تاريخية قد تكبدتها الدول المتقدمة من خلال الإفراط في الاستهلاك. ومن الواضح أن هذا أمر يمكن تحقيقه أي الحصول على المبلغ - والدليل هو ما دفع أخيراً لإنقاذ المؤسسات المالية المتعثرة بتكلفة تصل إلى 7 تريليونات دولار، والحرب على العراق التي كلفت أكثر من تريليون دولار وإننا ندعو الدول المتقدمة لرصد ما لا يقل عن 1 من ناتجها المحلي الإجمالي لتمويل
المناخ من دون شروط ...
الدول النامية تخشى إلغاء اتفاق كيوتو الذي فرض على الدول الغنية دفع تعويضات للفقراء أيضاً تقوم المؤسسة الإسلامية للطبيعة وعلوم البيئة من بريطانيا (٤) بدور نشر الوعي بالقضية من منظور إسلامي ولها كتيب استخدمت فيه آيات كريمات مثل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾ (الروم: 41). ﴿وآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمُسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)﴾ (الإسراء: 26-27). ﴿ وَلا تَجْعَل يَدَكَ مَغْلُولة إلى عُنُقكَ وَلا تَبْسُطُهَا كُلِّ البَسْطُ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (الإسراء: 26). ﴿ والذين إذا أنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قوامًا ﴾ (الفرقان: 67). ﴿وكلُوا وَاشْرَبُوا مِن رزق الله ولا تَعْثَوْا في الأَرْضِ مُفْسِدِين﴾ (البقرة: 60) َ ﴿ يا بني آدم خُذُوا زِينَتَكُمْ عند كل مسجِد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ (الأعراف: 31).
والأحاديث الشريفة: ... وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة .. الترمذي)، ولا ضرر ولا ضرار
ابن ماجه). وأكدت المؤسسة على عناية الإسلام بتعليم المسلمين احترام الخلق وإبقاء ميزان العدل والاتزان فيه، وأن كل من في الأرض عليهم واجبات بمن فيهم المسلمون وهم ربع سكان العالم، وهم من أكثر منتجي البترول. وهناك حلول عملية على المستوى الدولي، منها رفع أسعار البترول ليقل الاستهلاك ويزيد الدخل ويبقى المخزون وعلى المستوى الأسري لتقليل الإسراف في الطاقة، مثل تغيير مصابيح الإضاءة إلى النوع الموفر للطاقة، وإغلاق الأجهزة بعد استخدامها، والتبرع بالقديم منها واستخدام الماء باعتدال، والتجفيف الطبيعي للملابس، وعدم الإسراف في شراء الطعام واستخدام الأشياء مرة أخرى وإعادة تصنعيها ومعالجتها، والمشي للمسافات القصيرة أو استخدام الدراجة، وشراء السيارات الصغيرة أو النظيفة من حيث الطاقة، وعدم السفر بالطائرة إلا للضرورة.