; أكذوبة المساعدات الأمريكية للدول العربية | مجلة المجتمع

العنوان أكذوبة المساعدات الأمريكية للدول العربية

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995

مشاهدات 75

نشر في العدد 1158

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 18-يوليو-1995

واشنطن: مراسل المجتمع

%85  من المساعدات المقدمة لمصر تعود للولايات المتحدة مرة أخرى

أمن إسرائيل هو الهدف من كل المساعدات العسكرية للعرب، كيف؟

(30) مليون دولار للأردن للسيطرة على الحدود، ومنع تسلل الفدائيين إلى إسرائيل.

 لا تمل الإدارة الأمريكية هذه الأيام من تكرار نغمة أمن إسرائيل ورفاهيتها، ففي كل مناسبة يتحدث فيها مسئول  أمريكي حتى ولو كان حديثًا عن القمر والنجوم لا ينسى أن يذكر العالم كله بالتزام بلاده بأمن ورفاهية الدولة العبرية كالتزام أخلاقي، وإستراتيجي ودائم، والواقع أن هذه النغمة لا ترتبط كثيرًا بموسم الانتخابات الرئيسية القدمة عام١٩٩٦ بقدر ما تم ترسيخها كحقيقة، والتزام يجب أن يعلنه كل مسئول مرة واحدة على الأقل كل شهر حتى لا يتهم معاداة إسرائيل، وللتذكرة فقط نشير إلى أننا قد نشرنا في الأسابيع الماضية، إلى ما حواه تقدير وزارة الدفاع الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط والذي كانت إسرائيل في القلب منه.

     آخر الذين حل عليهم الدور في ترديد هذه النغمة هو روبرت بليتيرو -مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأدنى- وذلك في البيان الذي ألقاه أمام اللجنة الفرعية المعنية بالشرق الأدنى وجنوب آسيا التابعة للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وشرح فيه طلبات حكومة الرئيس كالينتون المتعلقة بالشرق الأوسط في اعتمادات موازنة ١٩٩٦.

     في هذا البيان جاءت إسرائيل كالعادة في المقدمة، لكن الجديد الذي قدمه  بليترو هنا أنه قدم المحافظة على إلزام ثابت بأمن إسرائيل ورفاهيتها على جميع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، باعتبارها كما قال شيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلية مؤخرًا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSLS) وأمام عدد من السفراء العرب بواشنطن دولة مقدسة، ويلي هذه المصلحة الأولى والمقدسة ضمان استقرار أمن الخليج والوصول التجاري الحر لاحتياطاته النفطية، وتأمين وصول الشركات إلى أسواق المنطقة، ومكافحة انتشار أسلحة الدمار، ومكافحة الإرهاب وأخيرًا تعزيز النظم السياسية والاقتصادية، الأكثر انتفاحًا واحترام حقوق الإنسان وحكم القانون.

      ولأن إسرائيل هي المصلحة الأولى للسياسية الأمريكية في المنطقة فإن حجم إنجازات هذه السياسة يجب أن يقاس بما تحققه لإسرائيل في المقام الأول، ولذلك لم يكن غريبًا بأن يركز بليترو على أحداث فرعية في مسيرة السلام العربية الإسرائيلية، ولكنها عميقة الدلالة بالنسبة لإسرائيل، مثل:

- فتح المغرب مكتب اتصال في تل أبيب، وفتح إسرائيل مكتبًا مماثلًا لها في الرباط 

-إعلان تونس عن خطط لتبادل وفود اقتصادية مع إسرائيل. 

-بدء تفكيك المقاطعة العربية لإسرائيل.

      وفي هدا الجال أشار بليترو إلى استمرار مقاطعة الجامعة العربية لإسرائيل، واعتبرها معوقًا يفسد الاتجاهات الإيجابية العربية لإسرائيل واعتبرها معوقًا يفسد الاتجاهات الإيجابية العربية الكثيرة نحو تفاعل اقتصادي موسع، ويرتبط بذلك أيضًا إعلان مجلس التعاون الخليجي إنهاء مقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة، وسنناشد حلفاءنا العرب أن يتخذوا خطوات من جانب واحد لأنها هذه المقاطعة كلية، وسنستمر بالضغط على الجامعة العربية باتخاذ قرار بإنهائها.

     نعود إلى المناسبة التي تحدث فيها مساعد وزير الخارجية الأمريكي، وهى كما ذكرنا من قبل اجتماع إحدى اللجان الفرعية (للجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ، والهدف منه محاولة إقناع اللجنة بالإبقاء على معدلات المساعدات الاقتصادية والعسكرية لدول المنطقة في موازنة العام القادم، وهنا نعود لمسألة الأولويات الأمريكية، فبعد أن يوضح بليترو أهمية استمرار هذه المساعدات بقوله: «إن مبلغ خمسة آلآف مليون دولار مبلغ كبير، ولكنه يتواضع عند مقارنته للتكاليف المالية والبشرية لأى نزاع عسكري بين إسرائيل وجيرانها العرب أو استفزازات عسكرية يصعب السيطرة عليها في الخليج» ويعود بليترو إلى ترتيب الدول التي تلقى هذه المساعدات حسب أهميتها بالنسبة لأمريكا، وحسب حجم ما تتلقاه من مساعدات على النحو التالي: إسرائيل- مصر- الأردن- الضفة الغربية- وقطاع غزة – لبنان. 

إسرائيل الأمن والتفوق والسلام.

      يؤكد بليترو أن التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل ورفاهيتها قائم على وشائج تاريخية وحضارية، ويرتبط بتحقيق هذا الالتزام التزام آخر هو الحفاظ على تعزيز تفوق إسرائيل على العرب مجتمعين أو حسب قول بليترو (على أي مجموعة محتملة من الخصوم) ويتطلب ذلك الحفاظ على معدل المساعدات الحالي لها، وهو (١.٨) ألف مليون دولار مساعدات عسكرية تستخدم في تزويدها بنظم أسلحة متطورة، وتتيح لها التركيز على أعمال الأبحاث العسكرية، فضلًا عن ذلك يقول بليترو: «أكملنا مؤخرًا نقل مقاتلات طراز إف –15 (F- 15) وطائرات طراز أباتشي (Apache) وطائرات إف –16 أ-ب (F- 16A/B) وصواريخ بحر- بحر طراز هاربون (Harpoon) وغير ذلك من معدات الدفاع، يتضح من ذلك أن التسليح الأمريكي لإسرائيل ليس تسليحًا عشوائيًا كما يحدث في الدول العربية، فهو من جانب يركز على نقل التكنولوجيا العسكرية المتطورة إلى إسرائيل بتزويدها بأحدث ما تنتجه الآلة العسكرية الأمريكية، ويدعم من جانب آخر الإنتاج الإسرائيلي بتمويل الأبحاث العسكرية الإسرائيلية، لكي تصبح قوة عسكرية منتجة، وليس مستهلكة فقط كما هو الحال مع بقية المنطقة.

     وباستمرار تدفق هذه المساعدات العسكرية العالمية القيمة والمستوى يصبح من العبث الحديث عن توازن قوى في الشرق الأوسط، ويؤكد أن السلام المستهدف في المنطقة ليس سوى سلام وأمن إسرائيل.

     أما المساعدات الاقتصادية البالغة (1.2) ألف مليون دولار فتتميز على تلك الممنوحة لدول عربية في السماح لإسرائيل باستخدامها في دفع فؤاد الدين الخارجي المستحق للحكومة الأمريكية أو الذي تضمنه، ودفع تكاليف أخرى متصلة بالقروض التي تضمنها الولايات المتحدة، وتمويل دين المشتريات العسكرية، فضلًا عن استخدامها في دعم ميزان المدفوعات، وتشجيع التقدم الاقتصادي، وتمويل استيراد سلع وخدمات من الولايات المتحدة.

مصر (85%) من المساعدات تعود إلى أمريكا:

      على عكس المساعدات المقدمة لإسرائيل فإن المساعدات التي تقدم لمصر تعود في النهاية لتصب في الاقتصاد الأمريكي؛ فهي توفر مزايا اقتصادية كبيرة للولايات المتحدة، وليس لمصر فحسب، ويعترف بليترو في كلمته بذلك؛ إذ يقول في السنة المالية 1994م اتفق أكثر من (85%) من اعتماد الكونجرس المتخصص للمساعدات الاقتصادية لمصر (٨١٥ مليون دولار) على سلع وخدمات داخل الولايات المتحدة، والأهم من ذلك هو ما حققته هذه المساعدات من ربط مصر للاقتصاد الأمريكي لتصبح سوقًا رئيسيًا للمنتجات الأمريكية وخاصة السلع التجارة، كما أصبحت ثاني أكبر أسواق أمريكا الخارجية للقمح، أما المساعدات العسكرية البالغة (١.٣) ألف مليون دولار فهي ف الواقع مقابل خدمات عسكرية وأمنية يشير إليها المسئول الأمريكي بقوله: «لقد قدمت مصر دعمًا ضروريًا للوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وقد تمثل هذا الدعم من وجهة النظر الأمريكية في:

      تمهيد الطريق لإسهام عربي فعال في التحالف الدولي ضد العراق والمشاركة فيه بقوات تتجاوز (٣٥) ألف مثلث القوة الأكبر بعد القوة الأمريكية خلال عاصفة الصحراء.

     الإسهام المصري المستمر في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، واشتراكها الحالي في خمس مهام لحفظ السلام تقوم بها الأمم المتحدة بما في ذلك البوسنة.

     استجابة مصر للطلب الأمريكي بتوسع مهمة قواتها في الصومال بعد قرار الرئيس الأمريكي سحب قوات الولايات المتحدة منها:

    أما ما يقال عن استخدامات المعونة العسكرية فإنه يثير الشك حول الهدف النهائي منها، فمع التسليم باستحالة التوازن العسكري المصري مع إسرائيل تسليحًا وتكنولوجيًا، فإن عدد القوات المسلحة المصرية يظل دائما -بحكم عدد سكان مصر الذي يماثل (١٢) مرة عدد سكان إسرائيل- الميزة العسكرية المصرية الأساسية وربما الوحيدة، ولذلك فإن خفض هذا العدد هو الهدف الأمريكي من استمرار المعونات العسكرية لمصر، وهو الهدف الذي عبر عنه بليترو بقوله، «ويدعم الولايات المتحدة، باتت مصر في منتصف طريق برنامج يعيد المدى للتحديث العسكري يؤكد إعلاء الكيف عن الكم»؟

     ولا يختلف هدف المساعدات المقدمة للأردن والسلطة الفلسطينية عن هدفها في مصر، وهو في   المقام الأول تعزيز أمن إسرائيل، ويتضح هذا في أكثر من موضوع في خطاب بليترو أمام الكونجرس، حيث يقول: «إن مبلغ (٣٠) مليون دولار من المساعدات العسكرية سيعزز قدرة القوات المسلحة الأردنية على الحفاظ على الأمن على طول الحدود، ومساعداته على منع التسلل أو الهجمات عبر الحدود من قبل مناوئي عملية السلام، أما المساعدات المقدمة للسلطة الوطنية الفلسطينية فإن من بين  أهم أهدافها «مساعدة وتشجيع حكومة عرفات لمنع هجمات المتطرفتين الفلسطينيين على أهداف إسرائيلية».   

     وبعد، إن هذه التفاصيل وغيرها التي ذكرها مساعد وزير الخارجية الأمريكي لا تدع مكانًا للشك أن المساعدات التي تتهافت عليها الأنظمة العربية ليست مجانية، ولا تقدمها القوة العظمى لوجهة الله والإنسانية، وإنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحالف الأمريكي الإسرائيلي، والالتزام الدائم بأمن الحليفة ورفاهيتها، والأخطر أنها –أي هذه المساعدات– تضرب ما كان يسمي الأمن القومي- العربي في الصميم في إطار خطط بعثرة الخريطة العربية التي وضعتها إسرائيل، وتدعم تنفيذها الولايات المتحدة.

الرابط المختصر :