العنوان جذور الحرب الأهلية في «كراتشي» وأسباب فشل الحكومة الباكستانية في وقفها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995
مشاهدات 83
نشر في العدد 1157
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 11-يوليو-1995
* رصيد متراكم من الإحساس بالظلم الاجتماعي فجر الصراع بين المهاجرين المسلمين من الهند وسكان كراتشي الأصليين «السنديين».
* رئيس الوزراء الأسبق علي بوتو جامل السنديين بالقانون فرد المهاجرون بتشكيل حزب سياسي للدفاع عن حقوقهم.
* المهاجرون يؤكدون استعدادهم للتعاون مع الحكومة في حل المشكلة شريطة الاستجابة لمطالبهم السياسية والاقتصادية.
إسلام آباد: خاص بالمجتمع
تشكل الأزمة الأمنية في كراتشي واحدة من التحديات الصعبة التي تواجه الحكومة الباكستانية الحالية، رغم نجاحها في تطويق البعد الطائفي لهذه الأزمة، بعد توصل القوى الإسلامية في المدينة إلى اتفاق لوضع حد للقتال الذي دام عدة أشهر بين الطائفة الشيعية وحركة المهاجرين «إحدى القوى السنية»، وترجع صعوبة الأزمة الراهنة إلى أنها ذات أبعاد إثنية اقتصادية وأمنية أيضًا.
الحكومة الباكستانية تنظر إليها من زاوية ضيقة، وتعتبرها مجرد تمرد عناصر إرهابية مدعومة من الخارج لزعزعة استقرار البلاد، ومن نفس الزاوية أيضًا يرى حزب المهاجرين القومي أن الحكومة الباكستانية تسعى للقضاء على المهاجرين في كراتشي وحيدر أباد لمصلحة قوى إثنية وجماعات مصالح أخرى، غير أن واقع الأزمة أعقد من ذلك بكثير.
ففي عام ١٩٤٧ أي عند تأسيس دولة باكستان، هاجرت أعداد كبيرة من المسلمين في الهند إلى باكستان، وبنفس القدر هاجرت أعداد أخرى من غير المسلمين ممن كانوا يعيشون على الأراضي الباكستانية إلى الهند، وقد كان من الطبيعي أن يستقر الجزء الأكبر من مسلمي الهند في المدن الباكستانية الحدودية، على غرار ملايين الأفغان الذين هاجروا إلى مدينة بشاور المتاخمة للحدود الأفغانية أثناء الحرب، وبالتالي فإن كراتشي القريبة من الحدود الهندية استأثرت بالجزء الأكبر من مسلمي الهند، ومع مرور الوقت أصبح المهاجرون المسلمون من الهند ذوي أغلبية كبيرة في المدينة مقارنة بأصحاب البلاد الأصليين من السنديين، والأكثر من ذلك أن أولئك المسلمين المهاجرين كانوا في أغلبهم ذوي ثقافة عالية، أو من رجال الأعمال والبيروقراط، وبالتالي لعبوا دورًا هامًا في إدارة أمور الدولة الجديدة التي كانت تفتقر إلى وجود الكوادر المدربة، وقد أسهم هذين العاملين «الديموجرافي- الحضاري» في تحريك البعد الإثني بين سكان المدينة من المهاجرين والسنديين، فقد شعر أصحاب البلاد الأصليين بتدني دورهم في إدارة مدينة كراتشي، وتراجع نسبتهم بصورة واضحة أمام المهاجرين، وعلى إثر ذلك تشكلت حركة قومية من السنديين تطالب بوقف الهيمنة التي يفرضها المهاجرون على كراتشي خصوصًا، والسند عمومًا، واستطاعت هذه الحركة المعروفة بـ«جيا سند» أن تدفع رئيس وزراء باكستان علي بوتو في ذلك الوقت- وهو من أصل سندي- أن يسن قوانين جديدة تنظم حقوق السنديين والمهاجرين في الإقليم، واعتبر المهاجرون هذه القوانين عنصرية، وتنظر للمهاجرين على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وكان من المتوقع أن يشكل المهاجرون أيضًا حزبًا سياسيًا ليدافع عما أسموه بحقوق المهاجرين، وقد وقعت حادثة صغيرة عام ۱۹۷۸م كانت بمثابة نقطة تحول في مستقبل العمل السياسي للمهاجرين في باكستان عمومًا.
فقد رفضت إحدى الجامعات الباكستانية طلبًا تقدم به شاب صغير من المهاجرين للدراسة في الجامعة، واعتبر أن قانون الحصص التعليمية يحدد للمهاجرين نسبة معينة في المدارس والجامعات لا يمكن تجاوزها، وكان هذا الشاب الصغير يدعى ألطاف حسين- الزعيم الحالي لحزب المهاجرين القومي- فما كان من هذا الشاب إلا أن شكل تنظيمًا للطلبة المهاجرين للدفاع عن حقوقهم، وفي مرحلة لاحقة شكل ألطاف حسين حزب المهاجرين عام ۱۹۸۳، وقد تردد في ذلك الوقت أن الرئيس الباكستاني ضياء الحق- الذي عرف بعدائه الشديد لحزب الشعب الباكستاني- لعب دورًا هامًا في دعم حزب المهاجرين القومي لضرب حزب الشعب الباكستاني الذي يعتبر إقليم السند معقلًا له، وربما يكون ذلك صحيحًا إلى حد كبير خاصة وأن فترة الثمانينيات لم تشهد ذلك التوتر الذي تشهده كراتشي وإقليم السند عمومًا هذه الأيام، وهو ما يعني انسجام العلاقة بين ضياء الحق وحزب المهاجرين في ذلك الوقت.
حكومة بنازير وحزب المهاجرين القومي
أبدى حزب المهاجرين استعداده للتعاون مع حكومة بنازير بوتو على أن تلتزم الأخيرة بإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية في مدينة كراتشي، وتعهدت حكومة بنازير بتلبية مطالب حزب المهاجرين، ودخل الطرفان في مفاوضات مطولة خلال شهر أكتوبر الماضي، غير أن هذه المحادثات لم تسفر عن أية نتائج إيجابية، وقد تلخصت مطالب المهاجرين فيما يلى:
* إعادة النظر في قانون الحصص «Quta System» الذي تم تشريعه في عام ١٩٧٣م، وهو القانون الذي يعتبروه المهاجرون مجحفًا، ويحرم الكثير منهم من فرص التعليم والتعيين في مؤسسات الدولة المختلفة، في الوقت الذي يمنح القوميات الأخرى المزيد من الفرص على حساب المهاجرين، ويقترح المهاجرون إلغاء قانون الحصص، واعتماد الكفاءة أساسًا للعمل بالدوائر الحكومية، وأساسًا للالتحاق بالجامعات والمدارس.
* ويطالب المهاجرون بإعادة النظر في توزيع المناصب العليا في إقليم السند بين القوميات المختلفة، ولا تقتصر هذه المناصب على قوميات بعينها، ويرى المهاجرون أن نسبتهم التي تصل إلى ٥٠% في إقليم السند وأكثر من ٩٠ % في كراتشي تسمح لهم بشغل المناصب الهامة في الإقليم، غير أن ذلك لم يحدث.
* ويدعو حزب المهاجرين إلى إعادة تحديد الدوائر الانتخابية بصورة عادلة، بما يمكنهم من التمثيل في البرلمانين الإقليمي والوطني، وبما يتمشى وحجمهم في إقليم السند.
* ويرى المهاجرون أن مدينة كراتشي التي تزود الدخل القومي بأكثر من ٧٠% تعاني من ترهل في الخدمات بصورة لا تتناسب وعدد سكانها البالغ أكثر من ١٢ مليون من المهاجرين.
ورغم وجاهة مطالب حزب المهاجرين إلا أنها تبدو صعبة التطبيق في مجتمع متعدد العرقيات، ومتفاوت في الكفاءات والقدرات العلمية، وهو ما يجعل تلبية مطالب المهاجرين أمرًا صعبًا أمام حكومة مثل حكومة حزب الشعب الباكستاني، التي تعتبر السنديين الذين يعيش غالبيتهم في الريف هم رصيدها الشعبي، الذي تعتمد عليه في الفوز بالانتخابات بإقليم السند مسقط رأس رئيسة الوزراء الباكستانية بنازير بوتو، ومع تصلب حزب المهاجرين في مطالبه، وإشهاره السلاح في وجه الحكومة التي لم تستطع تلبية مطالبه جملة واحدة، وطالبته بالتخلي عن السلاح كشرط للتفاوض، تواصلت المصادمات المسلحة بين الجانبين، وأسفرت عن سقوط أكثر من ١٥٠٠ قتيل منذ أكتوبر الماضي، هذا فضلًا عن إصابة مدينة كراتشي بالشلل التام، وإلحاق أضرار بالغة بالعديد من منشآتها الحيوية، وقد كان لذلك كله أثر بالغ على الاقتصاد الباكستاني الذي تضرر من جراء أعمال العنف في مدينة كراتشي، التي تعد شریان باكستان الاقتصادي والصناعي والتجاري.
وقد أفسح المجال للقوى المعادية لباكستان باستثمار حالة الفوضى التي تعيشها كراتشي، فقد نجحت الهند في التسلل إلى إقليم السند عبر عملائها لتعميق حالة الفوضى التي تعيشها كراتشي، ولصرف اهتمام باكستان نحو أزماته الداخلية بعيدًا عن قضية كشمير، وقد نجحت الهند بالفعل خلال الفترة الأخيرة بتغذيتها لبعض العناصر الانفصالية في كراتشي، لجعل الأزمة الأمنية هناك هي القضية رقم واحد على جدول أعمال الحكومة الباكستانية.
ويكاد يكون هناك إجماع بين جميع القوى الباكستانية على أن الحل الأمثل للأزمة في كراتشي هو الحوار الجاد الخالي من التعقيد، والرغبة الصادقة والإدارة القومية بما يحفظ للبلاد استقرارها، ويحول دون استثارة أعداء باكستان من هذه الأزمة، وأن يتخلى كلا الطرفين عن استخدام القوة كأداة لفرض شروطه.