العنوان هل تختفي الأسلحة الكيماوية والجرثومية قريبًا؟!
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998
مشاهدات 61
نشر في العدد 1290
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 03-مارس-1998
تثير الأجواء الساخنة بين العراق والولايات المتحدة مخاوف استخدام أسلحة جرثومية أو كيماوية يمكن أن تهدد حياة مجموعات كبيرة من المحاربين والمدنيين على حد سواء، وقد ظهرت هذه المخاوف على الرغم من أن المجتمع الدولي تنبه لها مبكرًا وبالتحديد في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي أبيد فيها أكثر من ١٠٠ ألف شخص نتيجة استخدام أسلحة كيماوية وجرثومية، وقد تزايد الاهتمام العالمي بالأسلحة الجرثومية والكيماوية أثناء حرب الخليج الثانية حيث ظهرت مخاوف من استخدام العراق لهذه الأسلحة المحرمة دوليًا، ولم تكن تلك المخاوف نابعة من فراغ حيث كانت الولايات المتحدة تعلم بوجود ترسانة كبيرة من هذه الأسلحة كان العراق قد بناها بمساعدة يعتقد بأنها أمريكية وبريطانية أثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات!
وبالفعل فقد استخدم النظام العراقي تلك الأسلحة ضد القوات الإيرانية حيث كانت عاملًا حاسمًا في وقف الهجمات البشرية الإيرانية المتتالية ضد المواقع العراقية، كما استخدمها في قصف وإبادة بلدة حلبجة الكردية فيما عرف بالجمعة الدموية يوم ۱۷ مارس ۱۹۸۸ والتي نتج عنها مقتل أكثر من خمسة آلاف كردي وإصابة حوالي سبعة آلاف آخرين من أهل البلد التي كان يسكنها حوالي سبعين ألفًا، وقبل حرب الخليج بشهر واحد فقط قدر مدير المخابرات المركزية الأمريكية في ذلك الوقت وليام وولسي امتلاك العراق لحوالي ألف طن من المواد الكيماوية السامة معظمها يمكن حمله في نوعين من الصواريخ فروغ وسكوب بي (إس إس - ١).
لم تلجأ القوات العراقية المتقهقرة من الكويت إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد قوات التحالف لأسباب قد تعود إلى التهديدات الأمريكية باستخدام السلاح النووي ضد بغداد في حال لجوء النظام العراقي إلى الخيار اليائس، لكن مرضًا مازال غامضًا حتى الآن عرف بمرض حرب الخليج أدى منذ الحرب وحتى اليوم إلى وفاة حوالي ١٥ ألف جندي من قوات التحالف معظمهم من القوات الأمريكية والبريطانية، وتعتقد بعض الجهات الأمريكية الرسمية بأن القوات الأمريكية التي دمرت مستودعات جرثومية عراقية في منطقة الخميسية بجنوب العراق لم تتعرض إلى أي مواد جرثومية أو كيماوية، وأن الوفيات ربما نتجت عن حقن الجنود الأمريكيين والبريطانيين وغيرهما بمواد مضادة لتلك العوامل البيولوجية والكيماوية! في ٣ سبتمبر ۱۹۹۱م أنهى مؤتمر الأمم المتحدة لنزع الأسلحة الذي عقد في جنيف ٢٣ عامًا من المفاوضات وتوصل إلى معاهدة سميت «ميثاق الأسلحة الكيماوية CWC» واحتوى وعودًا بحظر تصنيع وإنتاج وتخزين الأسلحة الكيماوية، لكن المعاهدة لا ترغم الدول على التوقيع عليها، ومن الطبيعي أن تكون الدول الرافضة للتوقيع على المعاهدة هي أكثر الدول احتمالًا للجوء إلى استخدام الأسلحة الكيماوية في حروبها ضد أعدائها، وتحتوي المعاهدة على تعهدات غامضة بفرض عقوبات على الدول الموقعة في حال مخالفتها لبنود المعاهدة، وفي ١٣ يناير ۱۹۹۳م فتح الميثاق للتوقيع عليه ودخل حيز التنفيذ في ٢٩ أبريل ۱۹۹۷ بعد أن صادقت عليه ١٠٦ دول وبعد أن صادق عليه الكونجرس الأمريكي في الشهر نفسه العديد من الدول كالصين وروسيا وكوريا الجنوبية و باكستان ظلت متحفظة على التصديق على الميثاق انتظارًا لتصديق الكونجرس الأمريكي عليه وهناك بعض الدول العربية التي لم توقع على الميثاق كمصر والعراق وليبيا وسورية، أما إسرائيل فقد وقعت عليه، إلا أن الكنيست الإسرائيلي لم يصادق عليه حتى الآن.
وقد عرف الميثاق السلاح الكيماوي بأنه كل مادة كيماوية سامة أو كل مادة كيماوية تدخل في تصنيع الأسلحة والذخائر والمعدات الأخرى المصممة لإحداث وفيات أو أضرار نتيجة انطلاق مواد كيماوية سامة، ووفقًا للميثاق يبدأ تدمير هذه الأسلحة خلال سنة واحدة من دخوله حيز التنفيذ على أن ينتهي هذا العمل خلال عشر سنوات وحسب الميثاق أيضًا يتم تأسيس منظمة حظر الأسلحة الكيماوية OPCW، ومهمتها التحقق من التزام الدول الموقعة ببنود الميثاق من خلال عمليات التفتيش للتأكد من عدم وجود منشآت لإنتاج الأسلحة الكيماوية أو من عدم وجود أسلحة كيماوية مكدسة في الدول الأعضاء، لم تكن المعاهدة أولى محاولات العالم لحظر الأسلحة الكيماوية والجرثومية، ففي أواخر القرن الماضي بدأ المجتمع الدولي في وضع قوانين لضبط سلوك الجيوش أثناء الحروب ونتج عن تلك المحاولات توصل عدد من الدول في عام ١٨٩٩م إلى ما أطلق عليه «مبادئ لاهاي في احترام قوانين وأعراف الحرب على الأرض» أو «إعلان لاهاي» حيث تعهدت دول أوروبية والولايات المتحدة بالامتناع عن استخدام قنابل تحتوي على غازات خانقة أو ضارة، إلا أنه في الحرب العالمية الأولى استخدمت بريطانيا ضد الألمان خمسة ملايين وجبة علف ملوثة بجرثومة الجمرة الخبيثة «انثراكس» كما استخدم الألمان غاز الخردل والكلورين ضد الإنجليز عام ١٩١٥م مستفيدين من ثغرة في إعلان لاهاي حيث استخدموا خراطيش تحتوي على غازات سامة والتي نتج عنها مقتل حوالي ١٠٠ ألف شخص وإصابة حوالي مليون شخص آخر بإصابات مختلفة، وادعى الألمان أنهم لم يخالفوا إعلان لاهاي الذي حظر قنابل الغازات السامة ولم يحظر الخراطيش!.
بروتوكول جنيف
وفي عام ١٩٢٥م قام الحلفاء المنتصرون في الحرب بوضع بروتوكول جنيف، الذي يحظر استخدام الأسلحة البيولوجية والكيماوية، وليس إنتاجها أو تخزينها، وحتى اليوم صادقت ١٤٥ دولة على البروتوكول منها الولايات المتحدة «صادقت عليه عام ١٩٧٥م مع بعض التحفظات على الرغم من أنها وقعت عليه عام ١٩٢٥م» لكن بعض الدول صادقت عليه مع بعض التحفظات لأسباب مختلفة ومنها الهند وفرنسا والعراق والأردن والكويت وليبيا واليمن وأستراليا وإسرائيل، لكن هذه المحاولة لحظر وتجريم استخدام السلاح الكيماوي سرعان ما أثبتت فشلها، فإيطاليا على سبيل المثال وقعت على البروتوكول عام ۱۹۲۸ لكنها استخدمت الغاز السام ضد الإثيوبيين في الثلاثينيات، كما استخدم اليابانيون مواد كيماوية عند احتلالهم للصين في الثلاثينيات وبداية الأربعينيات واستخدمها الجيش المصري في اليمن في بداية الستينيات والولايات المتحدة في حرب فيتنام.
أما في الحرب العالمية الثانية فباستثناء استخدام اليابان للغازات السامة ضد الصينيين لم يسجل أي استخدام للأسلحة كيماوية خلال سنوات الحرب الست حيث سيطر التهديد باستخدام القنابل النووية على مسائل استخدام السلاح الكيماوي، وأجرى اليابانيون خلال الحرب تجارب على أسلحة بيولوجية في أحد المعسكرات في مقاطعة منشوريا الصينية المحتلة، حيث اخضعوا أسراهم لتجارب عرضوهم خلالها لجراثيم أمراض معينة كالجدري والتيفوئيد والتهاب السحايا والتسمم المعوي وأمراض أخرى بلغت ١٦ مرضًا، كما قامت الولايات المتحدة في أعقاب الحرب بإنتاج أسلحة بيولوجية شملت قنابل جرثومية لعدد من الأمراض كالحمى الصفراء والحمى المتموجة.
أما المحاولة الثانية لحظر الأسلحة الكيماوية فكانت في شهر نوفمبر عام ١٩٦٩م عندما أعلن الرئيس الأمريكي نيكسون بأن الولايات المتحدة لن تلجأ لاستخدام تلك الأسلحة ما لم تهاجم بها أولًا، وأدى تصريح نيكسون إلى بدء عقد مؤتمر الأمم المتحدة لنزع الأسلحة في أواخر عام ١٩٦٩ بغرض جلوس دول العالم حول طاولة المفاوضات لتحريم الأسلحة الكيماوية، وقد أصدر هذا المؤتمر اتفاقًا دوليًا آخر عام ١٩٧٢م وهو ميثاق حظر تطوير وإنتاج وتكديس الأسلحة البيولوجية والسامة وتدميرها والذي عرف بميثاق الأسلحة البيولوجية والسامة BWC وتخالف هذه الوثيقة بروتوكول جنيف في أنها حظرت حيازة هذه الأسلحة إضافة إلى حظر استخدامها، وقد صادقت على هذا الميثاق حتى الآن حوالي ١٤٠ دولة ودخل حيز التنفيذ في ٢٦ مارس ١٩٧٥م، ووفقًا للميثاق كان يجب تدمير وإتلاف جميع الأسلحة والمواد البيولوجية خلال تسعة أشهر من بدء سريانالتنفيذ في ٢٦ مارس ١٩٧٥م، ووفقًا للميثاق كان يجب تدمير وإتلاف جميع الأسلحة والمواد البيولوجية خلال تسعة أشهر من بدء سريان مفعول المعاهدة، وتجتمع الدول الموقعة على هذا الميثاق كل خمس سنوات لمناقشة المسائل المتعلقة بالأسلحة البيولوجية كما تشكلت مجموعات عمل لدراسة إمكانية وضع ضوابط للتحقق من التزام الدول الموقعة بالنصوص الواردة في الميثاق، الولايات المتحدة وعدت على لسان رئيسها السابق جورج بوش في شهر مايو ۱۹۹۱م بأن تقوم من جانب واحد بتدمير أسلحتها الكيماوية وهي دعوة واجهت معارضة شديدة من مراكز القوى الأمريكية بزعم أن الدول الأخرى وخصوصًا الاتحاد السوفييتي «في ذلك الوقت» مازال يمتلك منشآت لإنتاج أسلحة بيولوجية في مدينة سفير دلوفيسك في منطقة الأوروال والتي تسريت منها جرثومة الإنثراكس عام ۱۹۷۹م، كما أن الإدارة الأمريكية شككت في التزام روسيا التي ورثت الاتحاد السوفييتي بوقف برامجها الخاصة بإنتاج وتطوير الأسلحة البيولوجية، كما تؤكد الإدارة الأمريكية على أن دولًا أخرى كالهند والعراق وإيران وباكستان تقوم بإنتاج أسلحة بيولوجية ومن المشاكل التي يمكن أن تعيق التوصل إلى معاهدة دولية حقيقية لحظر السلاح الكيماوي أن بعض المواد الكيماوية السامة والقاتلة التي تستخدم في تصنيع الأسلحة الكيماوية تستخدم في مجالات سلمية في إنتاج الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية وفي بعض الاستعمالات السلمية الأخرى واعترفت الإدارة الأمريكية بأن أحد مقترحاتها بالسماح لفرق دولية بتفتيش أي مكان في العالم للتحقق من التزام الدول الموقعة على معاهدات حظر السلاح الكيماوي لم يكن قرارًا واقعيًا.
وحتى شهر يناير الماضي أصدر ٧٤ دولة إعلانات حول حيازتها أو إنتاجها لأسلحة كيماوية منها ثماني دول الصين، فرنسا، بريطانيا، روسيا، اليابان الهند، الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تعترف فيها بأنها تمتلك أو كانت تمتلك منشآت لإنتاج أسلحة كيماوية، كما اعترف أربع دول الهند والولايات المتحدة وروسيا ودولة رابعة غير محددة بحيازتها لمخزون من الأسلحة الكيماوية وهناك سبع دول أقرت بأنها لم تعد تحتفظ بأسلحة كيماوية على أراضيها وهي بلجيكا والصين وفرنسا وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وبريطانيا.
آثار بيئية خطرة
تعتقد مصادر الأبحاث الأمريكية أن الولايات المتحدة تمتلك حوالي ٣٠ ألف طن من الأسلحة الكيماوية، بينما تمتلك روسيا حوالي ٤٠ ألف طن منها، وتشمل تلك المواد القاتلة كميات كبيرة من غاز الأعصاب وغاز الخردل وهي كميات سيتم التخلص منها وفق التزامات الدول المعلنة خلال مدة أقصاها عام ٢٠٠٧م، أما العراق فإن المخابرات الألمانية تعتقد بأنه مازال يحتفظ بما لا يقل عن أربعة أطنان من الغاز السام «في أكس» أما إسرائيل فلا توجد أي مصادر يمكن أن تكشف عن مخزونها من هذه الأسلحة، ويمكن أن ندرك الخطر الذي يتهدد البشرية من هذه الأسلحة إذا ما علمنا أن بضعة ملليجرامات من غاز «في أكس» على سبيل المثال كافية لقتل إنسان وتلجأ الدول المختلفة إلى التخلص من تلك الأسلحة والمواد الكيماوية بحرقها وهي الطريقة الأسهل على الرغم من الأضرار التي تسببها على حياة الإنسان والبيئة، وقد تسبب تخزين أو حرق المواد الكيماوية قرب المناطق السكنية بوفاة العديد من المواطنين الروس أو إصابتهم بأمراض خطيرة، واضطرت روسيا إلى وقف حرق المواد الكيماوية السامة بسبب الاحتجاجات الشعبية وتبحث حاليًا عن وسائل أكثر أمنًا للتخلص من تلك المواد، أما الولايات المتحدة التي تواجه هي الأخرى حملات إعلامية من منظمات البيئة المحلية بسبب تواجد الحارقات المستخدمة في تدمير الأسلحة الكيماوية قرب المناطق السكنية فإنها ماضية في بناء هذه الحارقات حيث لم تجد حتى الآن وسيلة أقل ضررًا منها على صحة مواطنيها، وقد سجل في جزيرة جونستون الأمريكية قرب هاواي عام ١٩٩٦م تسرب غاز الأعصاب وحدوث انفجارات في إحدى حارقات المواد الكيماوية التي أقيمت في الجزيرة عام ١٩٩١ م بكلفة بليون دولار.
العالم اتفق على تدمير تلك الأسلحة في غضون السنوات القليلة القادمة، فهل سترتاح البشرية منها مع بداية القرن القادم؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل