; مستقبل أفغانستان وحقيقة تنظيم «الطالبان» | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل أفغانستان وحقيقة تنظيم «الطالبان»

الكاتب رأفت يحيى العزب

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995

مشاهدات 72

نشر في العدد 1139

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 21-فبراير-1995

·       تنظيم «الطالبان» يلحق هزيمة عسكرية ونفسية كبيرة بقوات حكمتيار

دخلت القضية الأفغانية منعطفًا عسكريًا وسياسيًا هامًا مساء يوم الثلاثاء الماضي بعد أن نجحت قوات «طالبان» في السيطرة على أهم معاقل حكمتيار بمنطقة شرسياب المتاخمة للعاصمة كابول، وإجباره على التقهقر إلى منطقة سروبي البعيدة نسبيا عن العاصمة مخلفا وراءه عتادًا عسكريًا هائلا يضم دبابات وطائرات مروحية وراجمات صواريخ وكميات كبيرة من الذخائر، الأمر الذي وضع قوات حكمتيار المنسحبة في حيرة بالغة وصفها المتحدث باسم الحزب قريب الرحمن سعيد بقوله: «إن الموقف مؤسف للغاية.. لقد خلفنا كل شيء وراءنا».

هذا التطور الدرامي الذي لم تعهده أفغانستان منذ 30 شهرا قضاها «المجاهدون» في السلطة طرح علامات استفهام كبيرة حول قوة هذا التنظيم وطبيعته والدوافع التي تحركه وتوقيت هذا التحرك ودلالات الانتصارات التي حققها وانعكاساتها على مستقبل كابول؟!

فمنذ نشأة هذا التنظيم في صيف العام الماضي انحصر نشاطهم بالقرب من ولاية قندهار المتاخمة للحدود الباكستانية، وتركز على مواجهة صور الفساد الأخلاقي الذي شهدته مدن الولاية، ولم يتجاوز تسليحهم في ذلك الوقت سوى بعض الأسلحة الخفيفة وعدد قليل من المقاتلين، أغلبهم من المدارس الدينية المنتشرة على الحدود الأفغانية الباكستانية، غير أنه مع مطلع هذا العام الجديد طرأ تطور نوعي وكمي كبير على ظاهرة «طالبان»، فارتفع عددهم إلى أكثر من 10000 مقاتل حسب تقديرات كثير من المراقبين، وتميز أداؤهم العسكري بكفاءة قتالية عالية فاقت كل التوقعات، خاصة وأن هؤلاء الطلاب وإن كانوا قد تدربوا على أسلوب حرب العصابات، إلا أنهم لم يمارسوا أي لون من ألوان الحرب النظامية خلال 14 عاما الماضية إذا كانوا قد شاركوا بالفعل في الجهاد الأفغاني، وأصبح بحوزتهم فجأة أكثر من 200 دبابة و26 طائرة مقاتلة خلال فترة وجيزة، وقد مكنهم ذلك من اكتساح 9 ولايات في غضون 3 أو 4 أسابيع على الأكثر، وكما هو واضح فإن معظم الولايات 9 تقع فيما يعرف بمجال نفوذ حكمتيار الحيوي، كما انحصر نشاط هذا التنظيم الطلابي في الولايات الجنوبية البشتونية المتاخمة للحدود الباكستانية دون أي تحرك مماثل في الشمال الأفغاني، وهو ما يثير الشكوك حول دعم خارجي من ناحية وتنسيق مشترك بين أحمد شاه مسعود والتنظيم من ناحية أخرى، وهو ما أشار إليه أحد مسؤولي الحكومة الأفغانية المقربين من الرئيس رباني في لقاء خاص مع «المجتمع»، واعتبره تكتيكًا من جانب الحكومة لبسط سيطرتها على البلاد في مواجهة خصومها التقليديين، وأكد هذا المصدر أن الحكومة ممثلة في الرئيس رباني ورجله القوي مسعود قد زودت الطلاب بالمال والسلاح خلال الفترة الماضية، وليس غريبًا أن تحدث مثل هذه المناورات من قائد مثل أحمد شاه مسعود الذي عرف عنه ذلك منذ بداية الغزو السوفيتي لأفغانستان، ومرورا بدخول العاصمة كابول عام 1992 وسحقه لقوات دوستم فى قلعة حصار المتاخمة لكابول في أواخر العام الماضي.

ومع كل ذلك فإن قادة التنظيم الطلابي، وهم من المولوية الذين لا يتجاوز تفكيرهم في كثير من الأحيان المسائل الفقهية والشرعية التقليدية على عادتهم في جنوب ووسط آسيا، فإن هؤلاء القادة، حددوا أهدافهم من وراء هذا التحرك بقولهم: «نريد التخلص من القوى الفاسدة التي تحول دون إقرار السلام والأمن والحكم الإسلامي في البلاد».

وأشاروا تحديدا إلى كل من رباني وحكمتيار، واعتبروا أن منع المرأة من العمل وإلزامها الحجاب وبعض المسائل الفرعية الأخرى هو أساس نظام الحكم القادم.

توقيت الهجوم الأخير

يأتي توقيت الهجوم الأخير الذي بدأ مع مطلع هذا العام مرتبطا ببعض التطورات الهامة أبرزها ما يلي:

حالة اليأس والإحباط التي وصل إليها غالبية الشعب الأفغاني في إمكانية تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار وإعادة السلام لأفغانستان على يد القوى الأفغانية الجديدة، ممثلة أساسا في حكمتيار ورباني بعد دخول البلاد مرحلة جديدة من الحرب الأهلية قتل فيها أكثر من 30000 أفغاني وأصيب عشرات آلاف آخرين، ودمر ما تبقى من البنية الأساسية للبلاد، وبرز المزيد من الجيوب العسكرية في أنحاء مختلفة من البلاد، الأمر الذي جعل فرص الالتقاء أمرا غير وارد على الإطلاق، مما دفع الكثير من الشعب الأفغاني للتساؤل عن دواعي القتال السابق مع نظام نجيب الله الشيوعي، وعن الشعارات التي ظلت ترددها بعض القوى حول إقامة نظام إسلامي في البلاد.

هذه الصورة القائمة البائسة دعت رجل الشارع الأفغاني، سواء كان مشردا في الخيام على حدود باكستان وأفغانستان أم في مدينة كابول المحاصرة، إلى النظر إلى تنظيم «طالبان» على أنه عقاب للقيادات الأفغانية الحالية التي حالت دون تحقيق آمالهم في العودة إلى بلادهم والعيش في سلام.

كما يأتي هذا التطور مرتبطا بتحركات واسعة للأمم المتحدة لفرض خطتها لما يسمى بالسلام في أفغانستان ونجاحها الملحوظ في إقناع بعض الأطراف الأفغانية بمشروعها للتسوية والذي يضم في غالبيته عناصر من الأنظمة السابقة وأقلية من القوى الأفغانية الحالية ضمن إدارة انتقالية في كابول، ومن غير المستبعد على المستوى الشعبي أن يحظى هذا التحرك بالمزيد من الدعم لدى الكثير من الأفغان بعد الحالة التي وصلت إليها أفغانستان اليوم على يد القوى الأفغانية الجديدة، وبالتالي فإن المناخ مهيأ لإنجاح خطة الأمم المتحدة التي ربما تعود بالبلاد إذا تحققت إلى ما قبل النظام الشيوعي عام 1978م، مع التسليم بالدمار الاقتصادي والبنيوي الذي ستكون معالجته مرتبطة بشروط وقيود تمليها الأمم المتحدة وغيرها من القوى الخارجية مع أي نظام يصل للسلطة في كابول.

أبعاد العمليات العسكرية الأخيرة

لعل أهم بُعد لهذه العمليات هو الهزيمة العسكرية والمعنوية الكبيرة التي لحقت بقوات حكمتيار والتي ستخلف آثارا سلبية بعيدة على حجم وتماسك قواته وقيادات حزبه، إذ من المستبعد أن تنفصل بعض القيادات عن الحزب وتشكل تكتلا عسكريا وسياسيا جديدا، أو تنضم إلى الأحزاب الموجودة حاليا على الساحة خاصة وأن بعض القيادات البارزة في الحزب الإسلامي سبق لها أن انشقت على حكمتيار وآثرت اتخاذ موقف المحايد الذي يدعو للم شمل مختلف القوى الأفغانية ضمن مجموعة «أحمد شاه أحمد زي، وسيد نور الله عمار وغيرهم»، وبطبيعة الحال فإن تحالف الحكومة ممثلا في رباني وسياف خصوصا سوف يستثمر هذه الحالة لاستقطاب ما أمكن من قوى الحزب الإسلامي لصالحها.

كما أن قوات الحزب الإسلامي التي منيت بهزائم عسكرية متوالية في عدد من الولايات مخلفة وراءها عتادا عسكريا ضخما سوف يؤثر بقوة على أدائها العسكري في المستقبل المنظور، الأمر الذي ربما يدفعها للتخلي عن مواقفها المتشددة واتخاذها مواقف أكثر مرونة، خاصة وأن قوات الحزب أصبحت محصورة في منطقة سروبي جنوب كابل، ويمكن تطويقها من الشمال والجنوب بواسطة قوات الحكومة وتنظيم «طالبان»، إذا كان هناك تنسيق عسكري فعلي فيما بينهم.

وسوف يسهم هذا التطور العسكري في تعزيز قدرات الجمعية الإسلامية وحلفائها التي لم تخسر رصاصة واحدة في هذه المعركة إلى الآن، بل على العكس استولت على جزء من المناطق التي انسحب منها حكمتيار دون تكلفة عسكرية تذكر، وسيمنحها هذا الوضع القدرة على المزيد من بسط نفوذها داخل وحول العاصمة كابول في حالة التسليم بأن هناك تنسيقا عسكريا مستمرا بين الحكومة وتنظيم «طالبان»، فضلا عن أن نجاح القوات الحكومية فى استعادة ولاية قندوز في وقت متزامن مع هزيمة حكمتيار في شرسياب سيرفع من معنويات قوات الحكومة ويؤهلها لأن تلعب الدور الرئيسي في أية تسوية عسكرية أو سياسية مستقبلية.

إن نجاح تنظيم «طالبان» العسكري أعاد تشكيل الهياكل العسكرية والجغرافية العرقية في أفغانستان، فقد أصبح تنظيم «طالبان» البديل القوي للحزب الإسلامي في صراع القوى الأفغانية سواء عسكريًّا نظرا لما حققه في الميدان باستيلائه على 9 ولايات في جنوب البلاد أو جغرافيًّا بوجوده في نفس مناطق نفوذ حكمتيار، أو عرقيًّا في الجنوب الأفغاني الذي يشكل غالبيته العظمي البشتون الذين ينتمى إليهم حكمتيار عرقيًّا، وهو ما يعني في المدى المنظور تهميش الدور الذي يلعبه حكمتيار كزعيم بشتوني منذ أكثر من 20 عاما عندما بدأ عمله العسكري من داخل الأراضي الباكستانية عام 1975.

كما أن نجاح قوات الحكومة الأفغانية بقيادة رباني ومسعود في استعادة ولاية قندوز الشمالية التي استولى عليها دوستم لعدة أيام سوف يبسط نفوذ الجمعية في الشمال ويقلص من التمدد العسكري الذي سعى دوستم لإحداثه في الشريط الشمالي الأفغاني، خاصة بعد هزيمة حليفه حكمتيار في الجنوب في نفس الوقت.

المستقبل

مع الإقرار بالمكاسب غير المباشرة التي جنتها حكومة رباني من وراء الانتصارات التي حققها تنظيم «طالبان»، الأمر الذي سيمنحه مزيدا من الصلاحيات لبسط نفوذه على كابول، وهو ما يعني وفقا لطبيعة الحكم فرض سيطرته على الأقاليم مع التسليم بهذه الحقيقة التاريخية، إلا أن هناك تساؤلات عديدة ربما تقلل من ذلك منها:

هل سيقبل تنظيم «طالبان» الذي تعاظمت قوته بصورة غير طبيعية بالمرتبة الثانية بعد الحكومة حتى لو كان هناك اتفاق مبرم بين الطرفين، خاصة أن انتصارات التنظيم الطلابي فاقت كل التوقعات الأمر الذي ربما يغريه بإعادة النظر في علاقته بالحكومة؟

وهل سيقبل تنظيم «طالبان» وهو يشكل القوى البشتونية في جنوب البلاد بوجود حكومة من الطاجيك في كابول وهو ما يتعارض مع التقاليد التاريخية المتعارف عليها في أفغانستان منذ أكثر من 200 عام، إذ ظلت السلطة دائمًا في يد البشتون، وهل إذا قبل التنظيم بهذا التحول فهل سيترك بقية القوى البشتونية الأخرى في أفغانستان؟

وهل ستترك الأمم المتحدة والقوى الأخرى الأمور تسير في إطارها الطبيعي أم أن الأمم المتحدة ستحاول الاستفادة من هذه التطورات لإنجاح مشروعها للسلام خاصة أنها لم تدعُ في البداية لوقف القتال وأشادت بدور تنظيم «طالبان» في إمكانية إقرار الأمن والسلام في أفغانستان؟

وهل ستنجح باكستان في الوصول لآسيا الوسطى عبر تنظيم طالبان من خلال الأراضي الأفغانية خاصة أن هناك تقارير عديدة تشير إلى تورط باكستان في دعم تنظيم «طالبان» لتسهيل مهمة باكستان في الوصول لآسيا الوسطى؟

وهل ستقبل إيران بهذه التطورات التي اعتبرتها جزءًا من تدخل خارجي في الشؤون الأفغانية لفرض نظام معين بالقوة؟

وهل ستتخذ الجماعة الإسلامية بقيادة قاضي حسين أحمد موقف المتفرج ولا تسرع لدعم حكمتيار حليفها التقليدي في أفغانستان إذا كان صحيحا ما تردد حول قيام جمعية «علماء الإسلام» بقيادة مولانا فضل الرحمن بتجهيز وتوفير المقاتلين للتنظيم الطلابي؟

وهل ستتجاهل أوزبكستان تراجع دور عبدالرشيد دوستم حليفها التقليدي في أفغانستان وتتخلى عن دعمه عسكريًا وسياسيًا؟

وإذا كان صحيحًا ما ذكره حكمتيار حول وجود مؤامرة دولية وراء تنظيم «طالبان» فهل سينجح هذا التنظيم في تطبيق شعاراته التي رفعها أم أن الأمر مقصور على مرحلة الإجهاز على الخصمين الغريمين «رباني وحكمتيار»؟

كل التساؤلات يجب أن توضع في إطار رسم صورة مستقبل أفغانستان في ظل التطورات الأخيرة التي رغم أنها لم تنته بعد إلا أنها أنهت على إحدى القوى التي كانت رئيسية في أفغانستان وهي قوة حكمتيار. 

الرابط المختصر :