العنوان مؤامرة تقسيم البوسنة بين الكروات والصرب
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1995
مشاهدات 66
نشر في العدد 1162
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 15-أغسطس-1995
•رئيس كرواتيا يرسم خريطة جديدة للبوسنة بخط يده يبرز فيها أطماعه على حساب المسلمين.
تطورات كبيرة حدثت على الساحة في يوغسلافيا السابقة حولت الرأي العام العالمي من الوضع في سراييفو والبوسنة والهرسك إلى الهجمات الكرواتية على مواقع الصرب في المناطق الكرواتية المحتلة والانتصارات التي حققها الكروات والتطهير العرقي ضد الصرب.
في خضم هذه التطورات، برزت ملامح مؤامرة لتقسيم البوسنة بين الكروات والصرب، وعن مخطط سري بين الرئيسين «توجمان» و «ميلوسفيتش، كما أوردته بعض الصحف الغربية، فقد كان الإهتمام متمحورًا حول تمركز قوات الرد السريع في العاصمة سراييفو وضواحيها وحددت مهمتها بـه الدفاع عن القوات التابعة للأمم المتحدة.
وفي نفس الإطار كانت وسائل الإعلام العالمية تتناقل أخبار سقوط أو قرب سقوط الجيوب الإسلامية توزلا وجور أجدي، والخطر المحدق بسراييفو، وتصاعدت لهجة التحذير والوعيد من العواصم الغربية ضد الصرب الذين وصفهم المسئولون الغربيون بكل أصناف الوحشية.
وفي هذه الأثناء دخلت معطيات جديدة في الصراع الدائر في يوغسلافيا السابقة حيث تحولت الأنظار إلى كرواتيا، وبسرعة ملفتة للنظر استطاعت القوات الكرواتية استرجاع المناطق التي احتلتها القوات الصربية منذ أربع سنوات، وخرج الرئيس الكرواتي توجمان من صمته وتحول إلى بطل حرر شعبه من الصرب المحتلين.
اتفاق سري
لكن المراقبين تسألوا عن سر هذا الانتصار السريع، وتحدثوا عن اتفاق مسبق بين الرئيسين «توجمان» و«ميلوسفيتش» يقضي بفرض الأول سيطرته على منطقة كرايينا، في حين يطالب الثاني بحقوق على آخر منطقة في كرواتيا بأيدي الانفصاليين الصرب أي سلافانيا الشرقية المجاورة لصربيا.
أما في إطار البوسنة، فإن اتفاقًا سريًا قد تحدثت عنه صحيفة «تايمز» البريطانية بين الطرفين يقضي بتقسيم المناطق التابعة للمسلمين في البوسنة والهرسك بين الكروات والصرب.
فقد نشرت «تايمز» يوم الإثنين ٨/٧ خريطة بخط يد «توجمان» تقول إنه رسمها على بطاقة
الدعوة لمأدبة العشاء المقامة بلندن يوم ٥/٦ بمناسبة الاحتفالات بانتهاء الحرب العالمية الثانية وبطلب من الرجل السياسي الليبرالي الديمقراطي بادي أشدوان الذي كان جالسًا إلى جانب «توجمان».
وحسب هذه الخريطة، فإن صربيا تستحوذ على مدينتي توزلا وجور أجدي وتحتفظ بسلافانيا الشرقية، أما كرواتيا فإنها تفرض سيطرتها على كرايينا والموقع الصربي بانجا - لوكا شمال غربي البوسنة، وتضم سراييفو داخل الفيدرالية الكرواتية التي ستشمل كل المناطق غربي بانجا - لوكا بما فيها بيهاتش.
وتذكر «تايمز» أن «توجمان» اعترف أثناء محادثاته مع السياسي البريطاني أن لديه اتفاقًا ضمنيًا مع ميلوسفيتش حتى وإن لم يوجد بينهما اتفاقًا عمليًا بينهما، وأضافت الصحيفة أنه يفضل التعامل مع الرئيس الصربي، ولا يكن تقديرًا كبيرًا للرئيس عزت بيجوفيتش، الذي وصفه بـ«الجزائري والأصولي»، في حين وصف ميلوسوفيتش الرئيس الصربي بأنه أكثر ذكاء ويفي بوعده وهو في الأخير واحد منا.
وفي حديثه مع «أشدوان»، عرج الرئيس الصربي على عزمه استرجاع كرايينا، وذلك قبل ثلاثة أشهر من تحقيق ذلك عمليًا، وحسب «تايمز» فإنه لم يكن ينوي القيام بالهجوم قبل شهر نوفمبر القادم، موعد انتهاء مهمة الأمم المتحدة في كرواتيا- واعتبر أن مثل هذا الهجوم يتطلب ثمانية أيام ولا تتجاوز الخسائر البشرية خلاله الألف رجل وتقول صحيفة لوموند الفرنسية التي نقلت الخريطة ومحتوى مخطط «توجمان» عن صحيفة «تايمز» بأن نشر هذه الخريطة يؤكد الإشاعات السائدة خلال الأيام الأخيرة حول وجود اتفاق سري بين الرئيسين، وأضافت لو تأكدت صحة هذه الخريطة فإنها ستفسر اعتدال رد فعل الرئيس الصربي بعد الهجوم الكرواتي ضد كرايينا يوم الجمعة ٨/٤.
تخوف بوسني من نوايا الكروات
من جهة أخرى، أشارت صحيفة لوموند إلى حذر السلطات في سراييفو من حلفائهم الكروات، وقالت في هذا الصدد: إن البوسنيين يلقون شكوكًا حول النوايا الحقيقية لحلفائهم، وحتى وإن لم يصرحوا بذلك علنًا فإن المسئولين البوسنيين متخوفون من ذلك، ويعتبرون أن الكروات لا يدخلون في صراعات لمساعدة البوسنة على استرجاع أراضيها، بل إنهم يخشون أطماعًا محتملة لدى الرئيس الكرواتي «توجمان» للتوسع جنوب البوسنة.
وكان وزير خارجية البوسنة قد صرح بخصوص الهجمات الكرواتية أن البوسنة تساند العمل الشرعي لكرواتيا من أجل الدفاع عن سيادتها وأراضيها.
لكن يبقى الخطر القائم من جهة الصرب بعد لجوء حوالي ۲۰۰ ألف منهم إلى البوسنة هربًا من الحرب في المناطق الكرواتية، وقد صرح الوزير البوسني المكلف بالعلاقات مع الأمم المتحدة حسن مرادوفيتش بأن هذا الأمر قد يمثل كارثة للبوسنة بالنظر إلى تغيير ميزان القوى، خاصة بعد إضافة ٥٠ ألف جندي صربي قادمين من كرايينا.
ولعل هذه المسألة أخطر تحد يطرح على البوسنيين في الوقت الذي بدأت تلوح فيه مؤشرات البداية تحول لفائدتهم بعد الهجمات التي قامت بها القوات البوسنية على المواقع الصربية، وفتح ثغرات هامة في الطوق الذي يخنق سراييفو، ومن ناحية أخرى تحت مرأى ومسمع قوات الأمم المتحدة التي تراقب التطورات بحذر شديد من احتمال تحقيق انتصار لمسلمي البوسنة بالرغم من شدة الحصار المضروب عليهم.
الدبلوماسية الشيطانية
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى موقف إدوارد لوتواك -باحث بمعهد الدراسات الاستراتيحية والدولية بواشنطن- في تحليله للموقف الغربي من الحرب في يوغسلافيا السابقة.
فيرى «لوتواك» بأن التدخل الغربي للتحكم في مسار هذه الحرب هو الذي قاد إلى تطور المعارك، وعلل موقفه بأن الحرب الأولى بين الكروات والصرب في يناير ۱۹۹۲م، كانت على
وشك إقامة توازن جديد يقود إلى سلام معقول لو لم يقع إيقاف الحرب من طرف الأمم المتحدة، وتعويضها بمعالجة جديدة على نمط معالجات حروب ما بعد الحرب العالمية الثانية عبر الدخول في مسار التفاوض والدبلوماسية السابقة لأوانها مع دويلات حديثة العهد استغلت هذا الإطار للمزيد من المطالبة، وقد وصف القوى الأجنبية الكبرى المتدخلة بالأطباء الشياطين الذين يواصلون تعذيب شعوب يوغسلافيا السابقة بمعالجات غير ناجعة، وقد ربط « لوتواك» بين هذه السياسة واندلاع الحرب مرة ثانية بين الكروات والصرب.
الموقف الغربي
وبخصوص الموقف الغربي من هذه الحرب، فقد تردد في الأوساط الإعلامية وجود اختلافات كبرى بين مختلف القوى في الموقف من الكروات أصحاب المبادرة في هذه المرة، وقد قيل الكثير عن مساندة واشنطن للهجمات الكرواتية ضد الصرب، وتنديد البلدان الأوروبية بالتطهير العرقي على الطريقة الكرواتية.
لكن المتأمل في هذه المواقف يجد أنها تصب في نفس الإطار، وقد توصلت صحيفة لاكروا الفرنسية إلى هذه النتيجة، ففي افتتاحية بعنوان منطق الحرب ذكرت بأنه يجب الاعتراف بأن قليلًا من الغربيين الذين لم يفرحوا بنجاح عملية العاصفة للجيش الكرواتي.. وأضافت: لقد نددت وزارات خارجية الدول الغربية بالعملية الكرواتية تنديدًا جد ضعيف، فبعد العديد من الانتصارات الصربية، فإن العملية الأخيرة للكروات تعيد الأمور نوعًا ما إلى نصابها، على المستويين التاريخي والجغرافي.
فمن الجهة الأوروبية، نددت فرنسا بالعملية العسكرية الكرواتية، كما أن وزارة خارجية فرنسا تعبر عن أسفها لعدم استخدام كل الوسائل خاصة من الطرف الكرواتي من أجل عقد اتفاق يتم التفاوض بشأنه.
وصرح دو شارات -وزير الخارجية الفرنسي- بأن الظرف الحالي لا يسمح بالقيام بصراع، وعبر عن تخوفه من مخاطر اتساع الصراع.
من ناحيتها كان موقف بريطانيا قوي اللهجة إلى حد التنديد بالتطهير العرقي على يد الكروات، وفسر أحد المراقبين على القناة الإخبارية الفرنسية بأن التنديد من طرف كل من فرنسا وبريطانيا على وجه الخصوص يندرج في رد الفعل على عدم تطور الأوضاع في يوغسلافيا السابقة حسبما تقتضيه مصالحهما، على عكس ألمانيا التي ساندت الهجوم مثل الولايات المتحدة، بالرغم من التحفظات على بعض النقاط ويبدو من خلال ما تقدم أن المواقف الغربية هذه جد مدروسة ومخطط لها حتى وإن كان هناك تظاهر بالاختلافات في وجهات النظر.
ميزان القوى ومشروع التقسيم
فالتحولات في ميزان القوى داخل منطقة الصراع تخدم في النهاية مشروع تقسيم البوسنة بين الكروات والصرب أي بين طرفين مسيحيين «كاثولوكي وأرثوذوكسي«.
وباعتبار أن مجموعة الاتصال المكلفة بملف هذا الصراع تضم أعضاء يتعاطفون مع أحد الطرفين، فإن نقاط التوتر ستنحصر في موضوع اللاجئين من الصرب وأسلوب التعامل معهم تجنبًا لحرب مباشرة بين صربيا وكرواتيا، لأن هذا الهدف هو أحد المفاتيح الأساسية في السياسة الغربية في هذه المنطقة.
أما فيما يتعلق بمسلمي البوسنة، فإن القوى الغربية تراهن على انقسامات داخل الصف في القيادة السياسية والفكرية للبوسنة، والخروج من أزمة الحرب في البوسنة والهرسك.
ولعل تدخل البابا جون بولس الثاني بهدف إيقاف الحرب وردع الصرب وتمكين المضطهدين من الدفاع عن أنفسهم بالتزامن مع قرار الكونجرس الأمريكي برفع حظر الأسلحة عن مسلمي البوسنة دليل على أن نزول هذه الأطراف الخارجية »غير الحكومية« بثقلها مرتبط بمحاولة تعويض نقص المصداقية للحكومات الغربية فيما يتعلق بمعالجة الملف البوسني والتي تريد تحقيق ثلاثة مطالب أساسية من هذه الحرب:
1- الحفاظ على مصالحها.
٢- عدم اتساع نطاق الحرب إلى كل منطقة البلقان.
3- تحجيم الثقل البوسني مقابل ترسيخ الوجود المسيحي.