; تونس... هل هي ثورة الخبز؟ | مجلة المجتمع

العنوان تونس... هل هي ثورة الخبز؟

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1984

مشاهدات 55

نشر في العدد 653

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 10-يناير-1984

تطبيق مبدأ الشورى واعتماده منهجًا للحياة السياسية هو الضمان الوحيد لتحقيق الاستقرار في تونس وغيرها.

الاحتمالات المطروحة لتفسير ما جرى على الساحة التونسية:

الاحتمال الأول: عدم تناسب قرار التعددية الحزبية مع أماني الشعب التونسي بإطلاق الحريات السياسية الكاملة.

الاحتمال الثاني: المواقف الليبية من المسألة التونسية وتعارضها مع ملامح الانفراج السياسي في تونس.

الاحتمال الثالث: الدور الأمريكي والخوف من انتشار الاتجاه الإسلامي في منطقة المغرب العربي.

     ماذا يجري في تونس؟ السؤال التقليدي الذي يوجهه المواطن العربي لنفسه، ولمن حوله عقب ما أذيع من بيانات رسمية حول أحداث جرت في الأسبوع الماضي، هذا السؤال الذي يسأله المواطن العربي والذي يكرره دائمًا عقب أي حدث وعلى أي أرض عربية، هذا التساؤل يعبر عن حقيقتين، أولاهما أن هذه الأمة شاء الناس، أم أبوا هي أمة واحدة، وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ولذلك نرى أن ما يجري من أحداث في أي إقليم تثير فورًا اهتمام الأمة بأسرها أينما وجد أبناؤها، والحقيقة الثانية تكمن في أن هذا التساؤل الذي يطرحه هذا المواطن على نفسه أو على من حوله- يعبر عن مدى الهوة التي تفصل بين الشعوب ومعظم قادتها، فدائمًا تبقى الأمة آخر من يعلم. 

     هاتان الحقيقتان برزتا بشكل واضح جلي خلال الأحداث التونسية الأخيرة على مدى خمسة أيام، ومدن بكاملها تتفجر فيها الاضطرابات والمظاهرات الشعبية، وتعيش حالة من الفوضى والعنف الذي أدى إلى وقوع العشرات ما بين قتيل، وجريح، ولا يعرف العدد الحقيقي لهؤلاء الضحايا الذين تراوح عددهم -حسب تضارب الأنباء- ما بين خمسة قتلى إلى ستين قتيلًا، لقد مرت هذه الأيام الخمسة ولم يعلم أحد من أبناء هذه الأمة بما جرى ويجري على الساحة التونسية، إلى أن أعلنت السلطات الرسمية في تونس، وكشفت النقاب عن هذه الاضطرابات تحت وطأة استمرارية هذه الأحداث وانتشارها على مدى الأرض التونسية، وحسب عادة الأنظمة في مثل هذه الأحداث فقد اتهم بيان رسمي من دعاهم بالعاطلين عن العمل والمتعطلين والمناوئين، إلى آخر هذه المصطلحات التي تدرج في مثل هذه البيانات- اتهم هؤلاء جميعًا بأنهم يقفون وراء هذه الأحداث.

     وفي اليوم التالي لصدور البيان الرسمي لوزارة الداخلية يتهم السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية -في تصريح إعلامي رسمي- المشاركين في هذه الاضطرابات بأنهم عصابات من الحرامية واللصوص تستهدف السطو، والنهب، وأعمال العنف، وأن إعلان حالة الطوارئ ومنع التجول في البلاد كان موجهًا لمحاصرة هؤلاء الصعاليك والمتسكعين، ولا ينسى المزالي أن يشير إلى أن أحداث الشغب هذه تستهدف الإطاحة بنظام الحكم، وقد جاءت التصريحات الرسمية وتصريحات السيد مزالي لتذكرنا بالحوادث المشابهة التي جرت في القاهرة عام ۱۹۷۷م، والتي وصفها السادات بانتفاضة الحرامية؛ حيث خرج وقتها عشرات الآلاف من أبناء القاهرة إلى الشوارع لإعلان احتجاجهم على الارتفاع الفاحش لأسعار السلع الأساسية، والتي أثقلت كاهل الشعب المصري الفقير.

     فهل يمكننا أن نقول مع تشابه الأحداث المصرية والتونسية إن ما يجري في تونس هو ثورة من أجل الخبز؟

     للوصول إلى إجابة سليمة لمثل هذا السؤال لا يكفي الاعتماد على ظواهر الأحداث، بل لا بد من طرح جميع الاحتمالات والجوانب الأخرى المحيطة بالحدث من حيث التأثر والتأثير:

◘الاحتمال الأول:

     يقول السفير التونسي في فرنسا السيد الهادي المبروك إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب رفع الدعم الحكومي عنها لا يمكن أن يكون السبب الوحيد وراء هذه المظاهرات والاضطرابات؛ أي أن هناك أسبابًا لم يفصح عنها السفير التونسي، ولكن أشارت إليها البيانات الحكومية حين اتهمت العناصر المناوئة لنظام الحكم بالوقوف وراء الأحداث، ونحن وإن كنا لا نريد أن نتعرض لاتجاه الحكومة التونسية باتهامها للمعارضة من حيث مصداقيته أو عدمه، إلا أننا نرى أن هذا الاتهام ينعكس على ما حاولت الحكومة ذاتها تأكيده سابقًا من أنها فتحت الباب للديمقراطية للدخول إلى الساحة السياسية في تونس من أوسع الأبواب بإعلانها السماح للأحزاب المعارضة بالعمل السياسي الرسمي، وجاءت هذه الأحداث بعد مرور ما يقرب من شهر ونصف فقط على إعلان التعددية الحزبية؛ لتؤكد أن الهالة الضخمة من الدعاية والمديح -والتي رافقت، وأحاطت بالإعلان الحكومي عن التعددية- كانت تخفي وراءها قرارًا ضعيفًا ومبتورًا، ولا يمت للتعددية الحزبية الحقيقية بصلة مباشرة، وكانت مجلة المجتمع في حينها قد أشارت إلى أن قرار السماح لبعض الأحزاب السياسية بالعمل السياسي العلني لم يكن قرارًا تاريخيًا، كما ذكرت أجهزة الإعلام الرسمية؛ لأنه أغفل أهم الاتجاهات السائدة شعبية، ومنعها من ممارسة حق العمل السياسي العلني، إن ما جرى على الساحة التونسية يؤكد على أن الأحزاب التي حازت على موافقة النظام بالسماح لها بالعمل السياسي لا تملك في الحقيقة أية قواعد شعبية تمكنها من التأثير في السياسة العامة للدولة؛ لذلك كان غيابها عن الشارع التونسي غيابًا ملموسًا، أكد على أن قرار التعددية الحزبية لم يخرج إلى حيز الوجود بالشكل الذي يحقق أماني الشعب التونسي الخاصة بإطلاق الحريات السياسية الكاملة، لذلك كان هناك نوع من خيبة الأمل أو الشعور بالإحباط، أصابت الشعب التونسي، حيث أدى ذلك كله إلى اتساع الهوة الفاصلة بين الشعب وقيادته، ومن هنا فإن القرارات التي تصدرها الحكومة لا بد أن تقابل بالسلبية الكاملة، أو تتطور هذه السلبية لتتحول إلى ممارسات عنيفة ضد قرارات السلطة، وهذا ما أثبتته اضطرابات يناير ۷۸، ويناير ۸۰، وأبريل ونوفمبر ٨٢ إلخ.

     ما ذكرناه آنفًا كان أحد الاحتمالات التي يمكن طرحها لتفسير ما جرى على الساحة التونسية.

◘الاحتمال الثاني:

     فهو الاحتمال المتعلق بالمواقف الليبية من المسألة التونسية، حيث يعتبر النظام الليبي من أكثر الأنظمة بعدًا عن مبدأ ممارسة الحرية السياسية في منطقة المغرب الغربي؛ لذلك كانت عين النظام الليبي موجهة باستمرار إلى الساحة التونسية خلال السنوات الأخيرة، حين بدأت بعض ملامح الانفراج السياسي تظهر على المسرح السياسي التونسي مما آثار حفيظة أركان النظام الليبي، فكانت حوادث مدينة قفصة في يناير ٨٠، تعبيرًا عن الشعور العدائي الموجه من ليبيا نحو تونس؛ حيث اتهم النظام الليبي في حينه رسميًا بتدبير حوادث قفصة التي ذهب ضحيتها ما يقرب من (٥٠) قتيلًا، ومن المعلوم أن عدة معسكرات أقامتها ليبيا في أراضيها لتدريب بعض العناصر التونسية الموالية للنظام الليبي على السلاح؛ تمهيدًا للتسلل إلى الأراضي التونسية، كما حدث عام ٨٠، في مدينة قفصة، وكما نقلت وكالة أنباء كونا في حينها، لذلك كان إصبع الاتهام الأول فيما يجري على الساحة التونسية موجهًا بطريقة غير مباشرة إلى النظام الليبي، وقد وضح ذلك في حديث السفير التونسي في باريس؛ حيث قال إنه عندما تقع حوادث في جنوب تونس، فإن المرء يميل للبحث عن وجود إيعاز أجنبي، ويعني بذلك النظام الليبي المتاخم للحدود التونسية عند المنطقة الجنوبية، وفي محاولة سريعة من جانب النظام الليبي لدفع الاتهام، عنه قام القذافي بإجراء اتصال هاتفي مع الحبيب بورقيبة للاطمئنان على الأوضاع التونسية، وفي محاولة أخرى لدفع هذا الاتهام قام القذافي بإرسال وفد رسمي إلى تونس للتعبير عن قلقه وتمنياته بانتهاء الأزمة، ولكن هل يمكن للسلطة التونسية التي تواجه تدخلات النظام الليبي أن تقنع بمحاولات النظام الليبي إبعاد الاتهام عنه؟ هذا ما سوف تثبته الأيام القادمة حين تظهر الحقائق التي دفعت بالأحداث للظهور على الساحة التونسية.

◘الاحتمال الثالث:

     ويطرح من خلال سؤال وجهه بعض المراقبين عن السبب الذي دفع الحكومة التونسية إلى إلغاء الدعم على المواد الغذائية الأساسية، فكانت الإجابة المحدودة بأن هذه الإجراءات تحت نتيجة للضغوط المستمرة من جانب صندوق النقد الدولي للتوسع في تطبيق الأسعار الفعلية للعودة بها إلى حقيقتها، فهل هناك من يقف وراء المطالب الملحة للصندوق الدولي، وضغوطه المستمرة على الحكومة التونسية لإقرار هذه الزيادات المرتفعة، مع علمه بأن هذا الارتفاع سيؤدي حتمًا إلى ما أدت إليه من اضطراب وعنف؟

     يقول بعض المراقبين إن العديد من المنظمات والهيئات الدولية واقعة تحت سيطرة المخابرات المركزية الأمريكية؛ حيث تستغل نشاطات هذه المنظمات في العديد من دول العالم لتحقيق أهدافها ومخططاتها في هذه الدول، وصندوق النقد الدولي هو أحد هذه المنظمات الدولية، توجه نشاطاتها فيما يخدم مخططات السياسة الأمريكية.

     ومن الملاحظ أن هناك اهتمامًا غير عادي بالأوضاع التونسية، بدأت ملامحه منذ عدة سنوات نتيجة لظهور عاملين كان لهما تأثيرهما المباشر على الساحة التونسية، هذان العاملان هما: 

-خلافة بورقيبة، أو بمعنى أصح تونس ما بعد بورقيبة.

-انتشار الاتجاه الإسلامي على الساحة التونسية. 

     فمن خلال هذين العاملين يمكننا أن نفهم سر اهتمام المخابرات المركزية بالأوضاع التونسية، فمع بلوغ الرئيس بورقيبة بداية العقد التاسع من عمره أثيرت في تونس مسألة خلافته، بعد أن أمضى في الحكم ما يقرب من ثلاثين عامًا، استأثر خلالها بالحكم لنفسه فقط، وطبع بصماته على كافة الأصعدة السياسية منها والاجتماعية، والاقتصادية، ولكن تقدمه في العمر كان يؤثر على نوعية نشاطه وقدراته في تسيير أمور البلاد، ومن هنا بدأت مسألة خلافته تطرح نفسها على الساحة التونسية، ولكن من هو البديل أو الخليفة الذي يمكنه أن يحافظ على استمرارية الاتجاهات البورقيبية؟ هذا السؤال هو الذي أثار اهتمام الدوائر الأمريكية من حيث إن معظم الزعامات التونسية المرشحة لخلافة بورقيبة -من مزالي إلى بورقيبة الابن إلى الحبيب عاشور إلى...- غير مؤهلة لملء الفراغ الذي سيخلفه موت بورقيبة أو عجزه النهائي عن القيام بأعباء الحكم، ومن هنا كان الاتجاه نحو الانفراج السياسي، الذي بدأت انطلاقته الأولى في السماح لثلاثة أحزاب بالعمل السياسي العلني بمثابة ناقوس الخطر الذي لفت انتباه الدوائر الأمريكية إلى حقيقة أساسية لا يمكن تجاهلها، وهي أن الاتجاه نحو تعميم التعددية الحزبية في تونس، والسير نحو تطبيق مبدأ الشورى واعتماده منهجًا للحياة السياسية في تونس سيؤدي حتمًا إلى سيطرة الاتجاه الإسلامي على مقاليد الأمور؛ نظرًا للانتشار الواسع لهذا الاتجاه بين أفراد الشعب التونسي الذي سيدفع بمرشحيه الإسلاميين إلى المجلس التشريعي، ومن ثم إلى قمة السلطة التنفيذية، وبالتالي فإن هذا الوضع الجديد الذي يمكن أن يقوم في تونس سيؤثر حتمًا على كافة دول المغرب العربي؛ حيث توجد العديد من الجماعات الإسلامية، لذلك كله كان لا بد من التحرك السريع نحو إجهاض المسيرة التونسية لتطبيق التعددية الحزبية، أو بمعنى أصح تطبيق الشورى واعتمادها نهجًا للمرحلة القادمة. 

     ومن هنا يمكن تفسير الأحداث الجارية على الساحة التونسية بأنها من تحريض وتدبير المخابرات المركزية الأمريكية لإثارة الفوضى في البلاد؛ تمهيدًا لإعلان الأحكام العرفية، ومن ثم بسط السيطرة العسكرية على البلاد لدفعها نحو الاستيلاء على مقاليد الأمور، وإدخال البلاد في دوامة من الانقلابات العسكرية التي يتم عن طريقها قطع جميع الطرق نحو ممارسة الديمقراطية التي ستؤدي إلى سيطرة الاتجاه الإسلامي على السلطة. 

      ما ذكرناه أنفًا كان من ضمن احتمالات عديدة يمكن طرحها لتفسير ما يجري على الساحة التونسية.

     ولكن دائمًا تبقى هناك الإرادة القوية للأمة لنسف كل الاحتمالات، ومن هنا كان لا بد وانطلاقًا من رغبتنا الصادقة في خروج تونس من هذه المحنة كما تحب هي لنفسها، ونحب نحن لها، نقول لا بد من أن نلفت نظر قمة السلطة في تونس إلى أن السير قدمًا نحو تطبيق مبدأ الشورى واعتمادها نهجًا للحياة السياسية في تونس وشمول التعددية الحزبية كل الاتجاهات السياسية المتواجدة على المسرح السياسي هو الضمان الأول والأخير لتحقيق الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي في البلاد.

فهل تتحقق هذه الأمنية؟ هذا ما نرجوه.

الرابط المختصر :