; تنامي وعي المهاجرين العرب بهويتهم في ظل تحديات جمة | مجلة المجتمع

العنوان تنامي وعي المهاجرين العرب بهويتهم في ظل تحديات جمة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1995

مشاهدات 59

نشر في العدد 1160

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 01-أغسطس-1995

  • الجيل الأول  للمهاجرين من ذوي  الثقافة المحدودة عاشوا حالة التمزق الحضاري
  • في ظل غياب الرعاية الأبوية داخل الأسرة تحول الشارع إلى المرجع الأساسي في التربية المنحرفة

ما هي مقومات وعوامل البقاء أو الذوبان لدى المهاجرين العرب في فرنسا؟

ترتبط الإجابة عن هذا السؤال بمسألتين: مدى وعي هؤلاء بهويتهم وخصوصيات شخصيتهم من ناحية، والقدرة على رفع التحديات التي تواجههم في إطار ثقافي وحضاري مختلف من ناحية أخرى.

فالهجرة العربية إلى فرنسا قديمة قدم العلاقات الفرنسية - العربية، وقد مرت بتطورات عديدة على مختلف المراحل التاريخية المعروفة، وقد تركت الحقبة الاستعمارية بصمات عميقة ما زالت آثارها إلى اليوم.

ومن بين هذه الآثار اضطرار العديد من العرب إلى الهجرة إلى فرنسا بحثًا عن مورد رزق، وتتدرج هذه الهجرة الاقتصادية من منطقة شمال إفريقيا بالخصوص نحو الدولة المستعمرة سابقًا في إطار ما يعرف «باتباع المغلوب للغالب»، ذلك أن فشل خطط التنمية في الدول المستقلة الحديثة تزامن مع سعي البلدان الصناعية الأوروبية ومن بينها فرنسا من أجل استقدام عدد كبير من اليد العاملة لدفع النهضة الاقتصادية الغربية. 

ويفسر هذا الإطار التاريخي لتواجد الجالية العربية المكثفة في فرنسا الانعكاسات الحالية لتفاعل هذا الكيان مع المجتمع الفرنسي. 

ذلك أن تركيبة الجيل الأول تعتمد أساسًا على عرب من ذوي الثقافة المحدودة في الغالب عاشوا حالة التمزق بين الواقع الثقافي الذي تركوه والإطار الجديد الذي عايشوه، وأدى هذا التمزق إلى حالة من عدم الاستقرار النفسي الذي تجسد في مظهرين:

المظهر الأول: نزعة عدد من المهاجرين المحافظين إلى الانكماش على ذواتهم وممارسة الشعائر التعبدية - كشكل من أشكال التمسك بالأصالة والهوية، لكن هذه الممارسة بقيت محصورة في إطار ضيق، كل مجموعة بشرية إقليمية على حدة مع التفكير الدائم في العودة إلى الوطن الأم، واعتبار الإقامة في فرنسا مؤقتة.

وأما المظهر الثاني: فيتمثل في انسياق نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين وراء الملذات وقشور الحضارة الغربية، فكانت المقاهي ونوادي القمار والخمارات ودور الغناء مرتعًا لشهواتهم، وكانت بعض أحياء العاصمة باريس مثل منطقة بارباس شاهدة على الانحرافات في السلوك والعقيدة خلال عقدين أساسًا في الستينيات والسبعينيات.

بيد أن التحاق عائلات المهاجرين بأربابها في المهجر وهو ما يسمى بـ«التجمع العائلي» اضطر العديد من المهاجرين إلى التفكير عمليًا في الاستقرار بهذا البلد بعد أن قطع أبناؤهم أشواطًا في دراستهم.

وتزامن هذا التوجه مع بروز صحوة إسلامية في صفوف أبناء الجيل الثاني والثالث بالخصوص في الوقت الذي وجدت فيه مظاهر انحراف لدى عدد من الشباب المنتمين إلى أصول عربية.

وتعكس هذه الازدواجية في السلوك طبيعة التربية التي تلقاها كلا الصنفين، حيث تبين أن المهاجرين الذين ذابوا في نمط الحياة الغربية «في الجانب السلبي منها بالخصوص» أهملوا تربية أبنائهم فكانت البيئتان الثانية والثالثة «أي المدرسة والمجتمع» هما اللتان كيفتا سلوك هذا الجيل الصاعد من الشباب والأطفال، وفي ظل غياب الرعاية الأبوية داخل الأسرة أصبح الشارع هو المرجع الأساسي في التربية المنحرفة.

وفي هذا الإطار، تندرج القضايا اليومية التي تعيشها ضواحي المدن الكبرى في فرنسا «باريس - ليون – مارسيليا»، من أعمال عنف ومخدرات وعمليات اغتصاب وجرائم وسرقات تورط فيها عدد من الشباب الذين يحملون أسماء عربية يقطنون أحياء «ساخنة» ويقبعون في السجون الفرنسية، وتوظف بعض وسائل الإعلام في جهة الأحزاب والهيئات العنصرية من ناحية أخرى.. الانحراف لدى نسبة من الشباب المهاجر فتعمم هذا السلوك علي الجالية العربية المقيمة في فرنسا لتخرج بنتيجة واحدة عدم قابلية هذا الكيان للاندماج في المجتمع، الشيء الذي يفسر تنامي أطروحات الجبهة الوطنية التي يتزعمها لوبان، ومن أهمها «فرنسا للفرنسيين» ولا شك أن ممارسات البعض تجني ثمارها الجميع. 

في المقابل، فإن العائلات المحافظة سعت بكل جهدها إلى تجنب أبنائها السقوط في الانحراف الأخلاقي والعقائدي، وقد نجح عدد الأولياء في توجيه تربية أبنائهم فتيانًا وإناثًا على الطريقة الإسلامية، فنشأ هؤلاء في جو أخلاقي نظيف وتلقوا إلى جانب التعليم الفرنسي دروسًا في القرآن واللغة العربية والتاريخ العربي والإسلامي في المدارس الخاصة المحدودة، ومن بينهم توجد عدد من الفتيات المحجبات اللاتي تعرضن لضغوط خارجية وأحيانًا داخلية على المستوى العائلي.

إشكال تربوي

وتطرح المشكلة الأخيرة نوعية التربية والأسلوب المعتمد من طرف الأولياء غير المتعلمين، حيث تأكد من خلال العديد من الحالات المُعاشة أن الجهل أو محدودية ثقافة المهاجرين من الجيل الأول تسببتا في نتائج عكسية سليمة.

ذلك أن خوف هذا الصنف من الأولياء على أبنائهم والانزلاق في تيار التغريب دفعهم إلى التشدد في معاملة بناتهم وأولادهم باعتماد أساليب تقليدية غير مرنة في التربية ظنًا منهم بأن كل تسيب وانفتاح يعنيان انفلات أبنائهم من أيديهم، وفي نفس الوقت تصدى عدد منهم إلى مظاهر الصحوة إلى حد منع فتياتهم من ارتداء الحجاب على سبيل المثال بحجة أن هذا اللباس حديث عهد وليس من العادات والتقاليد، والمشكل أن العادة والتقليد أصبحتا المرجع في تدين العائلات المحافظة غير الواعية وغير المثقفة، وهي ظاهرة منتشرة في البلدان العربية والإسلامية، وباعتبار أن الجيل الأول من المهاجرين العرب ينتمي في عمومه إلى هذا الصنف، فقد نقل معه رواسب فترة الانحطاط إلى ديار الهجرة وحاول تلقين نفس العقلية إلى الجيل الصاعد باسم الحفاظ على الدين. 

بيد أن الاختلاف في النشأة والتكوين ولد صراعًا بين الأجيال داخل الجالية العربية المقيمة في فرنسا، وبرزت ظاهرة بعض الفنيات من العائلة إثر أزمة حادة مع أوليائهن، والأسباب تعود أساسًا إلى عدم قدرة هؤلاء على فهم نفسية أبنائهم وعقليتهم، وإيجاد صيغة توازن بين الترغيب والترهيب وبين مقتضيات البيئة وأوامر الدين.

ضعف العقلية المؤسساتية

ولم تقتصر آثار الجهل السلبية على موضوع التربية بل تجاوزته إلى كل القضايا التي تهم الجالية، فقد تسبب نقص الوعي في تعطيل عدة مشاريع تخدم التواجد العربي الإسلامي في المهجر، وعلى رأس هذه المشاريع المساهمة في الاحتفاظ بالهوية وعدم الذوبان، وتكوين مدارس خاصة، ويعزى النقص الكبير في هذا المجال إلى عدم استعداد الأولياء للإنفاق في مثل هذه المشاريع أو بالأحرى الإنفاق بشيء زهيد لا يفي بالحاجة، في حين يوجد تجار وأغنياء يفكرون في تنمية رؤوس أموالهم ويبخلون في تشجيع الخدمات التي ترجع بالمصلحة العامة على الجالية، ويفسر مثل هذا الموقف السلبي بضعف الوعي بأهمية العمل المؤسساتي وطغيان العقلية الفردية على العقلية الجماعية، وينطبق هذا الأمر على كل الميادين من المدرسة إلى تنظيم الجالية في إطار هيئة ممثلة ومنتخبة. 

وليس ما يمنع من الناحية القانونية ترتيب الأوضاع الداخلية للجالية، والعائق الرئيسي يتمحور حول العقلية القائمة لدى المهاجرين والمتأثرة بالخصوصيات الإقليمية والجهوية التي ينتمون إليها، ولم يتجسد الشعور بمقومات الشخصية العربية والإسلامية بعد في شكل كيان موحد ومنظم ومتفاعل مع المجتمع الفرنسي، فبقي التواجد العربي في المهجر الفرنسي مهمشًا إلى اليوم في الوقت الذي بدأت فيه محاولات جادة من طرف النخبة المثقفة للخروج من هذا الوضع السلبي عبر التفكير في الاندماج الإيجابي في المجتمع «أي الجمع بين الحفاظ على مقومات الشخصية والهوية والانفتاح على الآخر».

وزن التصور السلبي عن العرب والمسلمين

ولعل تواصل النخبة بالأوساط العامة من المهاجرين مؤشر لإرهاصات الوعي الثقافي الحضاري لدى الجالية العربية والإسلامية في فرنسا وفي الغرب عمومًا. فقد بدأت الجمعيات والمنظمات تتزايد، وهذا دليل على الاستفادة من الأطر القانونية المسموح بها لترشيد عمل أبناء الجالية وسلوكهم، وهي خطوات في بداية الطريق الصحيح، كما بدأت تدب العقلية المؤسساتية في الضمير الجمعي للكيان العربي في المهجر، ومن شأن هذه العقلية أن تضمن مصالح الجالية دون إلحاق أي ضرر بمصالح المجتمع الفرنسي الذي ما زال متخوفًا من هذا التواجد غير القابل للاندماج، حسب القصور السائد، بمعنى مسايرة العقلية الغربية إلى حد الذوبان. 

ويمثل هذا التصور التحدي الكبير - بعد ضعف الوعي الذاتي لدي أبناء الجالية - أمام التواجد الفاعل والمتفاعل الجسم العربي في النسيج الاجتماعي، والأسباب معروفة منها ما هو تاريخي، ومنها ما هو سياسي وثقافي، ومنها ما هو أيديولوجي وعقائدي، وتعكس الصورة التي تقدمها معظم وسائل الإعلام عن الإنسان العربي وعن المرأة بالخصوص هذا التصور لدى الرأى العام الفرنسي، وكما رأينا فقد ساهمت سلوكيات منحرفة لأقلية من أبناء الجالية في تكريس الصورة السلبية عن التواجد العربي الإسلامي في المهجر، كما ساهمت الأزمة الاقتصادية في البحث عن كبش فداء لتحميله مسئولية الأزمة وكان العرب منذ 1973م الطرف المستهدف.

تشريب الثقافة والنمط الغربيين

إلى جانب التصور، فإن الجالية العربية الإسلامية في فرنسا تعترضها صعوبات جمة، بسبب خصوصية السياسة المهجرية الفرنسية القائمة على السعي إلى تشريب الثقافة الغربية ونمط الحياة الغربية إلى الأجانب وأبنائهم المقيمين على الأرض الفرنسية.

وتبدأ هذه السياسة من أصغر العمر، وعلى سبيل المثال، فإن رياض الأطفال لها نظام خاص مطبق على الجميع، ويصعب توفير أكل حلال خاص بأطفال العرب والمسلمين الذين لا يتناولون اللحم غير المذبوح على الطريقة الإسلامية على عكس ما هو معمول به مثلًا في كندا، حيث يسمح للأولياء بتوفير وجبات الغذاء وتناولها في المطاعم التابعة لرياض الأطفال والمدارس، دون الإشارة إلى الجانب الثقافي والحضاري في تكوين الطفل عبر تلقينه عادات غربية مسيحية، وشرح هذه العادات بتفاصيلها وحيثياتها إلى أطفال أجانب ينتمون إلى أصول عربية وأسرهم لها انتماءات دينية وثقافية مختلفة، وتتواصل هذه السياسة مع مختلف الفصول الدراسية، ويتشرب الأطفال والشباب العرب والمسلمون نمط العلاقات المفتوحة والمختلطة دون حدود وضوابط بين الذكور والإناث فيستأنس الطفل أو الشباب أو الفتاة بهذا النوع من العلاقة، ويصعب على الأولياء بعد ذلك تقديم ثقافة وتوجيه يقومان على مقاييس أخلاقية دينية أو غيرها، خاصة وقد تجرع الأبناء عبر دفعات وبشكل منتظم معاني الحرية الجنسية وغير الأخلاقية.

ثم إنه في المعاهد الثانوية، تتسرب مثل هذه المعاني من خلال برامج التعليم والبيئة التي يعايشها الطلبة والطالبات، وإذا صادف أن حاول بعضهم عدم الخضوع إلى هذه الصياغة والعقلية والسلوكية قوبلوا بالتصدي بل بالطرد أحيانًا كما حدث لعدة فتيات محجبات في المعاهد الثانوية.

وقد تحول هذا الإشكال إلى هاجس يومي للعديد من الأولياء والطلبة خاصة لدى الفتيات اللاتي تردن الاحتفاظ بهويتهن والتمسك بالحجاب باعتباره أمرًا إلهيًا وليس تعبيرًا سياسيًا.

المطلوب الإقناع بالحجة

ويبدو أن مراجعة السياسة المهجرية في بعض جوانبها المتعلقة باحترام الخصوصيات الثقافية للجالية العربية والإسلامية يحتاج إلى جهد كبير من المنظمات والهيئات القائمة لشرح الموقف للمسئولين ومحاولة إقناعهم بالتي هي أحسن بعدم وجود تناقض بين القيام بواجبات المواطنة واحترام القوانين من جهة، والحفاظ على المقومات الدينية والثقافية للشخصية والهوية العربية والإسلامية من جهة أخرى، وأن التعامل الواقعي مع هذا المعطى يساهم في نزع فتيل التوترات، وأن القبول بمبدأ الاختلاف في الرأى والتصور ونمط الحياة بعد فرصة للإثراء الثقافي والحضاري.

ومن خلال ما تقدم يتبين أن عوامل تذويب الكيان العربي - الإسلامي في النسيج الاجتماعي الفرنسي قائمة، وتتجسد بشكل قوي في المجال التعليمي، لكن عودة الوعي لدى أبناء الجالية يساعد على مقاومة هذا الذوبان والاحتفاظ بالوجود والهوية، بل السعي إلى التفاعل الإيجابي مع المجتمع وسط تحديات ذاتية وموضوعية كبيرة.

الرابط المختصر :