العنوان بعد هزيمة الصرب أمام الكروات: سيناريوهات المواجهة المسلمة مع الصرب
الكاتب د. حسين نصر
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1995
مشاهدات 54
نشر في العدد 1162
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 15-أغسطس-1995
٢٠٠ ألف صربي يتجهون للبوسنة بعد طردهم من كرواتيا.. هل يطالبون بأراض جديدة؟!
•التهديد الروسي بالتدخل.. كلام سكارى أم تحذير حقيقي؟!
•الموقف الأمريكي.. من تأييد الهجوم الكرواتي.. إلى أين؟!
لم يكن أكثر المراقبين تفاؤلًا يتوقعون الهزيمة الساحقة التي مني بها الصرب في كرواتيا.. والتي أسفرت حتى الآن عن طرد ۲۰۰ ألف صربي من الأراضي الكرواتية واستسلام جنود الصرب المرتزقة، وخروجهم منكسي الرؤوس بعد تسليم أسلحتهم للكروات. وإذا كان التقدم الكرواتي قد تم بالتنسيق مع جيش البوسنة المسلم، الذي تحرك شمالًا لحماية جيب بيهاتش، وقطع على الصرب طريق الهرب نحو البوسنة، إلا أن تطورات الأحداث على هذا النحو، تدعو للتساؤل حول أثر كل ذلك على القضية
المحورية.. قضية البوسنة.
لقد جاء النصر الكرواتي في أعقاب قرار الكونجرس الأمريكي برفع حظر السلاح عن حكومة البوسنة المسلمة، فما تأثير ذلك النصر على وضع وتسليح الجيش البوسني، إن السيناريوهات المتوقعة لذلك لا تخرج عن احتمالين:
الأول: أن تستغل حكومة البوسنة والحكومات الإسلامية في جميع أنحاء العالم هذه الفرصة النادرة التي انشغل فيها العالم والعدو الصربي في الاجتياح الكرواتي ويتم تزويد جيش البوسنة باحتياجاته من الأسلحة الثقيلة كالدبابات والعربات المدرعة والطائرات والمدفعية، ووسائل الدفاع الجوي ويساعد على نجاح هذا البديل الوفاق السياسي والعسكري الحالي بين حكومتي البوسنة وكرواتيا وموافقة الأخيرة على تمرير صفقات الأسلحة الواردة للبوسنة عبر حدودها، ويتطلب إنجاح هذا البديل سرعة فائقة في عمليات شحن ونقل الأسلحة للبوسنة، لأن الوفاق البوسني - الكرواتي قد لا يدوم، خاصة عندما يفطن المسلمون إلى أن كرواتيا صدرت -بنصرها العسكري- إليهم مشكلة أكثر من ۲۰۰ ألف صربي تحركهم جميعًا أطماع إزالة الدولة المسلمة من خريطة البلقان.
أما الاحتمال الثاني العكسي، فيقوم على أنه في ظل احتمالات قوية لتدخل أوروبي دبلوماسي قوي، سيجلس الصرب والكروات على مائدة المفاوضات لتحاشي اتساع نطاق الحرب، خاصة بعد أن حركت يوغسلافيا جيشها لدعم الصرب في كرواتيا، وهدد الزعيم الروسي «المخمور» باستخدام القوة ضد الكروات، وإذا ما توصل الطرفان لاتفاق فإنه سيتم الضغط على حكومة البوسنة للتسليم بخطة سلام ستكون ظالمة بالقطع للمسلمين، وفي هذه الحالة ستعلن الإدارة الأمريكية أن قرار الكونجرس برفع حظر السلاح عن البوسنة لم يعد ذا جدوى، وسيتم إلغاؤه لتضييع الفرصة على جيش البوسنة في تحقيق أي نصر واستعادة أراضيه المغتصبة.
أين يذهب الصرب؟
إن تحرير الكروات لأراضيهم التي كان الصرب قد استولوا عليها في عام ١٩٩١م، والتي تقدر بثلث أراضي كرواتيا، رغم أنه صادف هوى في نفوسنا كمسلمين.. وعبر بعضنا عن فرحته الغامرة بانكسار الصرب وشربهم من نفس الكأس المريرة التي أذاقوا منها المسلمين خلال خمسة أعوام.. واعتبرها البعض انتقام إلهي لمئات الآلاف من المشردين والشهداء والسيدات اللاتي اغتصبن على يد تتار القرن العشرين هذا التحرير يجب ألا ينسينا أثاره السلبية المتوقعة، نعم.. لقد انكسر الصرب في كرواتيا.. ولكنهم مازالوا يحتلون قوة غاشمة أكثر من ٧٠ من أراضي البوسنة وما زالوا يحتجزون عشرات الآلاف من أسرى المسلمين في معسكرات اعتقال نازية. ومازالوا يتفوقون عسكريًا على الجيش البوسني.
ومازالت صربيا «يوغسلافيا» من ورائهم... وما زالت روسيا تفرض حمايتها عليهم، ثم إن الأخطر من ذلك أن تدفق الصرب من كرواتيا على البوسنة سيعقد المسألة أكثر فأكثر وسيخل بالتركيب السكاني الذي يتخذ منه المجتمع الدولي -حتى الآن- أساسًا في جميع خططه الفاشلة لتقسيم البوسنة بين المسلمين والصرب.
فرار من كرواتيا للبوسنة
إن الصرب الذين فروا أمام اجتياح الجيش الكرواتي لم يتجهوا إلى صربيا، بل إلى البوسنة. وإذا كانوا قبل الفرار يحتلون ثلث أراضي كرواتيا.. فإنهم يحتاجون إلى مساحة مماثلة من أراضي البوسنة، وبالتالي قد يسعون إلى احتلال الـ ٣٠% الباقية من أراضي البوسنة في حوزة الحكومة المسلمة قد يكون هذا إغراقًا في التشاؤم، ولكن تاريخ الصراع الصربي - المسلم غير المتوازن في البلقان يجعلنا نقدم أسوأ الاحتمالات.. ولا يعطينا أي مساحة للتفاؤل.
إن أهم الدروس التي يجب أن يعيها المسلمون جيدًا، سواء مسلمي البوسنة أو مسلمي الشرق هو أن القوة.. والقوة وحدها هي الوسيلة الوحيدة لاسترداد الأراضي المسلوبة في البوسنة، لقد استغلت كرواتيا انهماك الصرب المتوحشين في البوسنة، وقامت ببناء جيش قوي تمكن في ثلاثة أيام من استرداد أكثر من ٨٠ % من الأراضي الكرواتية، وطرد الصرب منها، ولم تعبأ كرواتيا بأي نداءات أوروبية وتهديدات روسية صريحة، وتواصل تحرير أراضيها، متجاهلة تمامًا الصنم الذي يطلق عليه «الأمم المتحدة» وسكرتيرها العام بطرس بطرس غالي، الذي كما وصفته الصحافة الأمريكية سكت دهرًا ونطق كفرًا، بإدانته غير المبررة لتحرك كرواتيا
لتحرير أراضيها.
لقد كشف الهجوم الكرواتي حجم التواطؤ الأوروبي الروسي في قضية البلقان، فقد تسارعت بيانات الإدانة الأوروبية تطالب كرواتيا بالتوقف. وخرج الرئيس الروسي المخمور بعد شهر من الاختفاء ليقول: «إذا استمر تقدم الكروات فإن روسيا ستستخدم القوة لدعم الصرب»، ومن قبله قال الزعيم الفاشي الروسي فلاديمير زيرونفسكي، رئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي الروسي «لو كان في روسيا رئيس قوي.. لكان الجيش الروسي الآن في البلقان، حتى لا يتجرأ أحد على إيذاء الصرب».
أما الموقف الأمريكي، فرغم أنه يبدو مشجعًا، إلا أنه قد لا يستمر طويلًا، أو قد لا يصمد طويلًا أمام الضغوط الروسية، فأمريكا -بمنطق القوة- تعتقد أن إلحاق أي هزيمة بالصرب، كما حدث في الأيام الأخيرة سوف تدفعهم إلى العودة إلى التفاوض، ووزير الخارجية الأمريكي وارين كريستوفر يؤكد علم أمريكا المسبق بالهجوم الكرواتي، ويبرر موافقتها عليه تبريرًا أخلاقيًا بأن الصرب كانوا هم البادئون بالهجوم، وكلينتون نفسه يقول في مقابلة تليفزيونية السبت (٨/٥) إن النصر الكرواتي قد يجبر الصرب على التخلي عن الخيار العسكري في البوسنة.. ووزير الخارجية الكرواتي ماتي جرافك يقول: «إن أمريكا بموجب اتفاق التعاون العسكري الموقع مع كرواتيا في نوفمبر الماضي وافقت مسبقًا وأعطتنا الضوء الأخضر للهجوم على الصرب».
رغم كل هذا الدعم الأمريكي للكروات.. فإن سيناريو الأحداث قد يأخذ منحنى آخر بعد التهديد الروسي بحماية الصرب، وبعد أن تحرك جيش يوغسلافيا باتجاه كرواتيا والاحتمال الأقرب أن تتراجع الإدارة الأمريكية عن تأييدها «الأخلاقي» للكروات وتطالبهم بالوقوف عند حد ما حرره من أراض، ويؤكد هذا الاحتمال مسارعة كلينتون عقب صدور التهديد الروسي للاجتماع بكبار مستشاريه للشئون الخارجية صباح الإثنين ٨/٧ لإعادة تقييم الأوضاع في البلقان، وهي اجتماعات تسبق غالبًا التراجع الرئاسي عن موقف ما.
إن صرب البوسنة وهم يرتبون أوراقهم ويخططون لاستعادة الأراضي الكرواتية مرة أخرى، لا تغيب عن بالهم أراضي البوسنة التي يحتلونها، ومازالوا يدعمون وجودهم فيها وعلى المسلمين في المقابل، وهم يعبرون عن فرحتهم بهزيمة الصرب ألا يغيب عنهم حقائق الموقف، ويعدوا له عدته، قد تأخذ المواجهة الصربية - الكرواتية أيامًا أو أسابيع، أو حتى شهور، ولكنها حتمًا ستنتهي.. لأن الفرقاء فيها مسيحيون، ولكل منهما أنصار ومؤيديون يخشون اتساع نطاق المواجهة، بعدها.. سيعود الصرب إلى الجبهة البوسنية أكثر توحشًا وهمجية.. وسيعود العالم إلى التزام الصمت مادام أن الضحايا سيكونون من المسلمين.
إن المواجهة الصربية - الكرواتية قد تكون الفرصة الأخيرة لدعم الجيش البوسني، ليكون جاهزًا للمواجهة المحتومة مع تتار أوروبا... وحلفاؤهم في روسيا وإنجلترا وفرنسا!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل