العنوان موضوع الغلاف: الإيدز.. المجتمعات المسلمة أقل الشعوب معاناة من أخطاره
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1996
مشاهدات 90
نشر في العدد 1211
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 06-أغسطس-1996
* المجلس القومي الأمريكي للإيدز: انتشار الوباء في الولايات المتحدة لا يقل خطورة عن الهزات الأرضية والفيضانات التي تجتاح البلاد.
قد لا يكون وباء الإيدز قضية تشغل المسلمين شغلًا مباشرًا عن قضايا أكثر أهمية منه، بعكس ما يحصل في مناطق أخرى من العالم، والتي ترى فيه كارثة قومية، لكن معالجتنا للمشكلة ليست نابعة من اعتبارها خطرًا يهدد الأمن الصحي والاجتماعي لمجتمعاتنا المسلمة، فوفقًا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية تعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ذات الغالبية السكانية المسلمة أقل المناطق معاناة من هذا المرض، وهو ما سنتبينه لاحقًا.
لكننا جزء حيوي على خارطة العالم وفي قلبه، منفتحين على كل الحضارات والثقافات، وعلى تماس مباشر بفضل وسائل الاتصال الحديثة، وتشعب علاقاتنا السياسية والتجارية والاقتصادية والثقافية والسياحية مع بعض المجتمعات التي تعاني من هذا الوباء معاناة كارثية، وهي فرصة أيضًا لتخشع قلوب المؤمنين لذكر الله وما نَزَل من الحق الذي عصمنا من زلزال الإيدز، وقبله الهربس، وغيرهما من الأمراض والأوبئة الجنسية، أو بالتعبير القرآني «أمراض الفاحشة».
تنبع خطورة مرض الإيدز من عدد من الأسباب التي حددها تقرير معهد بانوس عام ۱۹۹۲م بأربعة أمور :
الأول: ينتقل فيروس نقص المناعة البشرية HIV «إتش أي في» عن طريق الاتصال الجنسي بشكل رئيسي، وعلى الرغم من أن الفيروس بدأ انتشاره بين مجتمعات الشواذ جنسيًا، إلا أن أكثر من ثلاثة أرباع حاملي الفيروس أكتسبوه من خلال العلاقات الجنسية الغيرية «بين الرجل والمرأة»، ومن الوسائل الأخرى لانتقال الفيروس عمليات نقل الدم الملوث بالفيروس، واستخدام مدمني المخدرات للحقن الملوثة، وانتقاله من الأم الحامل إلى جنينها، وتشير التقديرات إلى أن حوالي ثلث الأطفال الذين يولدون لأمهات يحملن الفيروس سيحملونه أيضًا.
الثاني: أن فيروس الإيدز ذو قدرة غريبة على النمو والانتشار، وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن يصل عدد حاملي الفيروس في العالم في نهاية هذا القرن إلى ما بين ٣٠ و ٤٠ مليون شخص من مختلف الفئات السنية والجنسية.
الثالث: لفيروس «إتش أي في» فترة حضانة طويلة ما بين الإصابة به وظهور أعراض مرض الإيدز، وهي تتراوح ما بين خمس وعشر سنوات، ويعتمد طول هذه المدة على الموقع الجغرافي، والخدمات الصحية المقدمة، وعدد من العوامل الأخرى، لذلك فإن الوفيات التي تسجل من مرض الإيدز يكون أصحابها قد حملوا الفيروس قبل وفاتهم بعشر سنوات تقريبًا، كما أن الإصابات اليوم من غير المحتمل أن تتطور إلى الإيدز قبل نهاية هذا القرن.
الرابع: لأن فيروس الإيدز ينتقل أساسًا بواسطة الاتصال الجنسي، فإن الإيدز يقتل أكثر ما يقتل من الفئات العمرية التي تتراوح بين العشرين والخمسين، وهي الفئات المنتجة في المجتمع، وتشير الأرقام إلى أن شباب العالم الذين يبلغ معدل أعمارهم عند أول اتصال جنسي حوالي ١٥ أو ١٦ عامًا، وفي بعض البلاد ۱۲ عامًا معرضون بشكل خاص للإصابة بالفيروس، هذه هي الفئة من الناس التي ستحمل الوباء وتنشره في المستقبل، إن فقدان هذه الفئة المنتجة من المجتمع سيؤثر على العصب الاقتصادي لكثير من البلاد.
وتنشر منظمة الصحة العالمية صورة قائمة لما سيؤول عليه الحال في نهاية هذا القرن التي لا يفصلنا عنها سوى أربعة أعوام فقط، فقد قدرت المنظمة الدولية وجود حوالي ۱۷ مليون شخص بالغ يحملون فيروس الإيدز حتى نهاية عام ١٩٩٤م، وغالبية هذه الإصابات «٦٦%» سجلت في جنوب الصحراء الإفريقية «۱۱.۲ مليون»، يليها منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا «3 ملايين»، وفي حوالي ٥٠ بلدًا في العالم وصل معدل انتشار الفيروس إلى أقل من ٥ لكل ١٠ آلاف نسمة من البالغين، بينما في 15 بلدًا آخر كلها في جنوب الصحراء الإفريقية أو الصحراء الكبرى ارتفع معدل انتشاره إلى ٥٠٠ لكل ١٠ آلاف شخص بالغ.
وتشير تقديرات المنظمة الدولية إلى أن أقل معدل انتشار سجل في آسيا الوسطى وشرق آسيا وهما منطقتان ذاتا غالبية مسلمة، بينما أعلى معدل في وسط إفريقيا وجنوبها «منظمة الصحة العالمية- البرنامج العالمي حول الإيدز- شبكة الإنترنت».
تقديرات أخرى صدرت عن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أنه في نهاية هذا القرن ستظهر 90% من الإصابات في دول العالم الثالث، وكما قلنا فإن عمق المأساة والكارثة يظهر في جنوب الصحراء الإفريقية، أو ما يعرف بدول وسط إفريقيا، وفي بعض المدن الإفريقية أصاب فيروس الإيدز ما بين ربع إلى ثلث السكان البالغين بين ١٥ إلى ٤٩ عامًا، أما عن الأرقام المتعلقة بشمال إفريقيا والشرق الأوسط فهي غير واضحة، إلا أن منظمة الصحة العالمية تعتقد بحدوث حوالي ٧٥ ألف حامل للفيروس فيها.
ولعل أخطر ما يحمله المستقبل هو انتشار الوباء في شرق وجنوب شرق آسيا، حيث بدأت كل من تايلاند والهند تعاني من وطأته وتفشيه بشكل مخيف، وتعتبر تايلاند السياحة من مصادر دخلها الرئيسية، كما أن دخول البلد من الدعارة الرخيصة جزء من دخلها السياحي، وتقدر المصادر الدولية وجود أكثر من مليون إصابة حاملة للفيروس، أو مريضة بالإيدز في تايلاند وحدها، ولأن منطقة شرق وجنوب شرق آسيا تحتوي وحدها على حوالي نصف سكان المعمورة، فبالإمكان تصور الخطر الزاحف عليها، ولهذا يعتقد الكثيرون أن قارة آسيا ستتفوق على إفريقيا من حيث عدد الإصابات، وترصد منظمة الصحة العالمية تزايد الإصابة بفيروس الإيدز في تلك المنطقة بما في ذلك أجزاء من الصين بين مدمني المخدرات الذين يستخدمون الحقن.
أما في أوروبا الشرقية والوسطى فالإيدز يتقدم باطراد مستمر منذ انهيار حائط برلين، ولتدارك هذا الخطر اجتمعت دول المنطقة الأعضاء في منظمة الصحة العالمية في إبريل «نيسان» عام ۱۹۹۳م، وتوصلت إلى ما يعرف بمبادرة «ريجا» للعمل على وقف انتشار الفيروس في دول أوروبا الشرقية والوسطى، وترجع المبادرة انتشار الإيدز في دول المنطقة إلى حركة الهجرة والانتقال بعد فتح الحدود مع الغرب، وتنامي تجارة المخدرات وتعاطيها، ورواج تجارة الجنس من أجل الحصول على العملات الصعبة، وتقدر منظمة الصحة العالمية وجود أكثر من ٥٠ ألف إصابة في المنطقة، ولا توجد إحصائية بعدد حاملي الفيروس، لكنه بالطبع أعلى بكثير من عدد الإصابات «كمبرلي هاملتون: وباء الإيدز هم من هموم السياسة الخارجية، واشنطن كوارترلي- شتاء ١٩٩٤م».
أما في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي فالوضع أكثر خطورة، حيث تقدر إحصاءات صدرت عن المنظمة الدولية أواخر عام ١٩٩٣م «لم تتوفر إحصاءات حديثة» وجود أكثر من مليون حامل لفيروس الإيدز، إضافة إلى ٢٤٠ ألف إصابة بالمرض.
وفي البرازيل وحدها- وهي الأعلى بالنسبة لعدد السكان- سجل في نهاية عام ۱۹۹۲م حوالي ۳۱ ألف إصابة، ولم يعرف عدد حاملي الفيروس فيها.
وفي أستراليا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الغربية تقدر المنظمة الدولية وجود أكثر من مليون ونصف حامل للفيروس من البالغين مع أكثر من ٤٠٠ ألف إصابة بالإيدز.
وفي الولايات المتحدة وحدها يوجد أكثر من مليون حامل للفيروس.
ومن الملاحظ عدم امتلاك منظمة الصحة العالمية لأرقام دقيقة وحديثة حول حجم الإصابات بالمرض أو عدد حاملي الفيروس، حيث لا تبدي كثير من الدول الأعضاء تعاونًا يذكر في هذا المجال، مما يضطر المنظمة الدولية للبحث عن بيانات ومصادر أخرى غير رسمية، والواقع أن انتشار المرض بهذه السرعة في كثير من الدول قد يكون له نتائج مهلكة على الأمن الاجتماعي والصحي فيها، فيما لو نشرت البيانات والأرقام الكاملة الصحيحة بشكل رسمي، بل قد يكون له انعكاسات خطيرة على الأوضاع السياسية فيها، ماذا سيكون الحال لو نشرت إحصاءات رسمية حول الأعداد الحقيقية للمصابين بالمرض وحاملي الفيروس بين جنود عدد من دول إفريقيا الوسطى التي تقدر بعض المصادر عددهم بحوالي ٥٠٪ من العدد الإجمالي للجنود؟!
وتبدي الباحثة الأمريكية كمبرلي هاملتون- مساعدة مدير برنامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي- تشاؤمًا واضحًا من الحال الذي سيؤثر على اقتصاد دول العالم الثالث الذي يعاني أصلًا من التدهور، فإضافة إلى ما يواجهه من تحديات ومشاكل، يقفز فيروس الإيدز إلى مقدمة الأخطار التي تهدد الأمن الاقتصادي لكثير من دول العالم الثالث، فهذه الدول لا تمتلك الإمكانات الاقتصادية الكافية لمحاصرة الوباء، أو حتى الإنفاق على حملات التوعية الوقائية منه، مما يجعل الفقر من عوامل تفاقم المرض.
ويحذر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية «UNDP» من احتمال تأثير الوباء- في حال عدم السيطرة عليه- على البرامج التنموية لكثير من الدول، ويضيف بأنه لا يوجد قطاع من القطاعات الاقتصادية بمعزل عن آثار الإيدز، كما أن جميع فئات المجتمع ستتأثر، فتكاليف الوقاية من الإيدز وخدمات العلاج تعتبر باهظة جدًا قياسًا بغيرها من الأمراض، وستزداد بصورة خيالية مع مرور الزمن وتفاقم الوباء، ففي دراسة أعدها البنك الدولي حول تكاليف مكافحة المرض والوقاية منه- ضربت الدراسة تنزانيا مثلًا- حين قدرت أنها ستحتاج إلى حوالي ۳۸ مليون دولار عام ۲۰۲۰ لتدريب وتعيين كادر تثقيفي في حملة الوقاية من الإيدز، إذا ما استمر معدل انتشار المرض على ما هو عليه الآن.
وبالنسبة للجهود التي تبذلها الدول للسيطرة على المرض، فإن البرامج الأمريكية لمكافحة الإيدز والوقاية منه، تعتبر أكثر البرامج تطورًا وسخاءً من حيث الميزانيات التي تصرف في هذا المجال، والولايات المتحدة «مليون حامل للفيروس و8.691 مصابًا بالإيدز حتى عام ١٩٩٤ م» تستشعر خطر الوباء، وخصوصًا مع تزايد معدلات الهجرة إليها، وانتشار الشذوذ الجنسي، وتفشي ظاهرة الإدمان على المخدرات، ويكشف كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون «أمريكا والفرصة التاريخية»، حجم هذه المشكلة بقوله: إن معدل استهلاك الولايات المتحدة من المخدرات يساوي تقريبًا معدل استهلاك دول العالم مجتمعة!!» وأشارت إحدى الدراسات المتخصصة إلى أن هذا الاستهلاك يعادل في قيمته أكثر من ٤٠ مليار دولار، فعوامل تفشي الوباء في الولايات المتحدة متوفرة، وتزداد يومًا بعد يوم.
وقد اعتبرت مجموعة العمل المتفرغة من المجلس القومي الأمريكي للإيدز أن انتشار الوباء في الولايات المتحدة لا يقل خطورة وأثرًا عن الهزات الأرضية، أو الفيضانات التي تجتاح الولايات المتحدة من وقت لآخر، كما تركز المجموعة في تقريرها على ضرورة نشر التوعية «الروحية» بين أفراد المجتمع للوقاية من المرض، ولمعرفة كيفية التعامل مع مرضى الإيدز أو حاملي الفيروس.
قد نلتقي مع مجموعة العمل بخصوص تطوير التوعية الأخلاقية والروحية ونشرها، وعلى الرغم من أننا في المجتمعات الإسلامية لا نعاني- بفضل الله- من أمراض الفاحشة هذه، إلا أننا نشارك المجتمع الدولي في التأكيد على أهمية الوازع الأخلاقي والديني للوقاية من المرض، إن مراعاة المسلمين عمومًا للوازع الديني، وعدم اقترابهم من الفاحشة، فضلًا عن عدم إتيانها هو ما عصمهم من هذا الوباء، وهذه شهادة أثبتتها أرقام منظمة الصحة العالمية، فمجتمع المسلمين لا يعرف الفاحشة، ولا الشذوذ الجنسي، ولا تعاطي المخدرات، وهي المسببات الرئيسية لوباء الإيدز.