; المقاومة اللبنانية.. هل تحمل إسرائيل على الانسحاب؟ | مجلة المجتمع

العنوان المقاومة اللبنانية.. هل تحمل إسرائيل على الانسحاب؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1984

مشاهدات 64

نشر في العدد 652

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 03-يناير-1984

* الجماهير تهتف في وجه الغزاة: خيبر خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود.

* جمال حبال ومحمود زهرة ومحمد علي الشريف.. شهداء في سجل الخالدين إن شاء الله.

* وعد الله بهزيمة اليهود ينتظر العزائم المؤمنة المؤهلة لتحقيق النصر.

الجنوب اللبناني يغلي، والمقاومة لقوات العدوان الإسرائيلي تتصعد وتزداد كلما زاد العدو الإسرائيلي قمعه وإرهابه.

وإسرائيل كانت قد بدأت منذ شهر بتفكيك معسكراتها ومراكز تجمع قواتها حول صيدا، وبات الناس يحبسون أنفسهم ترقبًا لانسحاب إسرائيلي جزئي مفاجئ كالذي حدث في الجبل أول شهر سبتمبر «أيلول» الماضي، مما قد يتسبب بانفجار الموقف بين القوى الإسلامية والفلسطينية من جهة، وبين قوات حزب الكتائب «المارونية» التي تمركزت في المنطقة الجنوبية في ظل العدوان الإسرائيلي في العام الماضي. لكن إسرائيل أجلت انسحابها، وقيل بأن أبرز أهداف رحلة الرئيس أمين الجميل إلى واشنطن التي تحققت هي تأجيل انسحاب القوات الإسرائيلية من صيدا بانتظار أن تكون قوات السلطة اللبنانية قادرة على بسط سيطرتها في مناطق الانسحاب، فلماذا انسحبت إسرائيل من الجبل ولم تنتظر استكمال قدرة السلطة على تغطيته؟ ولماذا أجلت انسحابها من الجنوب؟

سببان يحملان إسرائيل على الانسحاب الجزئي

من المعروف أن إسرائيل لم يكن في حسابها أن تواجه بهذا القدر من المقاومة في لبنان، فقد كان أصدقاؤها في «الجبهة اللبنانية» يوحون إليها بأن الطريق إلى لبنان سيكون ممهدًا، وأن إسرائيل تستطيع الاعتماد عليهم في المناطق المحتلة، لكن الذي حصل هو أن المقاومة كانت تتطور وتزداد يومًا بعد يوم، وكانت تتكاثر وتنتشر كالفطر في جميع المناطق التي تحتلها إسرائيل، وكانت الخسارة البشرية مخيفة بالنسبة للقوات الإسرائيلية؛ فالدوريات كانت طعمًا للقنابل الموقوتة واليدوية التي توجه إليها من خلف كل شجرة أو جدار أو حجر. كانت الدعوى التي تروجها إسرائيل هي أن «المخربين» -وتقصد بهم الفدائيين الفلسطينيين- هم الذين يشنون على قواتها هذه الهجمات، لكن المناطق المستهدفة ليس فيها فلسطينيون، ومعنى هذا أن خلايا المقاومة الوطنية قد انتشرت في كل الأوساط وفي كل المناطق، لذا فقد وجدت إسرائيل أن الحل الوحيد هو بانسحابها من الطريق الساحلي جنوب مطار بيروت حتى نهر الأولي قرب صيدا، بما في ذلك مناطق الجبل في بحمدون وعالية والشوف وإقليم الخروب، وكان ذلك يوم 4- 5 سبتمبر الماضي.

السبب الثاني الذي حمل إسرائيل على الانسحاب هو تردي الوضع الاقتصادي في إسرائيل نتيجة مصاريف انتشار الجيش الإسرائيلي في مناطق واسعة من لبنان، وهذا ما حمل وزير المالية في إسرائيل على أن يعلن برنامجًا تقشفيًّا لتقليص النفقات يعتمد وقف بناء المستوطنات الإسرائيلية الجديدة في الضفة الغربية وغزة، إضافة إلى توفير نفقات الاحتلال الإسرائيلي للبنان، مما قد يتسبب بسقوط حكومة شامير في الكنيست نتيجة تخليها عن سياسة الاستيطان.

الانسحاب من الجبل كان خطوة محسوبة

عندما انسحبت إسرائيل من مناطق الجبل وجنوبي بيروت تركت قوتين رئيسيتين تتصارعان، وكانت تربطها بكلا القوتين روابط متينة؛ فالموارنة في الجبل كانت عناصرهم المسلحة قد تسربت خلف الدبابات الإسرائيلية الغازية، وأقامت لها ثكنات ومراكز مراقبة في مناطق درزية أو إسلامية في ظل الوجود الإسرائيلي. أما الدروز فقد كانوا قد أقاموا روابط متينة كذلك مع إسرائيل من خلال الضباط الدروز في الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى أن نواب الدروز ومشايخهم في إسرائيل كانوا يشكلون ضباط اتصال دائمين بين الجيش الغازي والطائفة الدرزية في الشوف، وعلى هذا فعندما انهارت القوات اللبنانية «المارونية» أمام قوات الدروز التي تلقت دعمًا واسعًا عبر الخطوط السورية في البقاع، كان الدروز على تفاهم مع القوات الإسرائيلية التي كانت تتخطى جسر نهر الأولي إلى القرى الدرزية في دوريات مؤلـله تتعامل بثقة مع مسئولي «الحزب التقدمي الاشتراكي» في القرى الدرزية لإنهاء أي تراشق مدفعي ينشب بينهم وبين مراكز القوات اللبنانية في القرى المارونية، وبات الضابط الإسرائيلي هو الحكم الذي ينهي أي خلاف بين الفريقين، والمهم لدى إسرائيل هو أن لا تجد دورياتها في المناطق الدرزية التي تجوسها مخربين «فدائيين» أو غرباء، وهذا ما يضمنه لها مسئولو الحزب في المناطق الدرزية.

هذا في الشوف... فكيف هي الحال في الجنوب؟

أما في الجنوب فالوضع مختلف؛ ذلك أن إسرائيل لا تستطيع الاعتماد على قوة محلية تخلفها، فقوات سعد حداد هزيلة تضم بعض المرتزقة الذين سرعان ما يتخلون عن عمالتهم إذا ما انسحب الجيش الإسرائيلي، أما المجموعات الصغيرة العملية التي أنشأتها إسرائيل سواء في المناطق اللبنانية الإسلامية «الشيعية أو السنية» أو في المخيمات الفلسطينية، فإنها لن تتماسك أمام اتساع نشاط مقاومة قوات الاحتلال، رغم أن مدافعه مسلطة ودباباته تذرع الشوارع، فكيف لو انسحب وتركها لتواجه مصيرها المحتوم؟!

إذن لم يكن أمام إسرائيل إلا أن تنتظر نضوج الخطة الأمنية التي تعمل القيادات اللبنانية بالتعاون مع سوريا والعربية السعودية على إقرارها من أجل أن تضع حدًّا للصراع القائم، وعندها يكون الجيش اللبناني مؤهلًا لتسلم زمام الأمور في المناطق الجنوبية التي تزمع إسرائيل الانسحاب منها.

وانسجامًا مع هذا الموقف فقد مارست إسرائيل ضغطًا مباشرًا على الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من أجل الإفراج عن محاصري بلدة دير القمر في الشوف، بما في ذلك ثلاثة آلاف من مقاتلي حزب الكتائب الذين حوصروا فيها بعد معركة الشوف خلال شهر سبتمبر الماضي. ولقد دخلت القوات الإسرائيلية إلى الشوف من جديد واحتلت مواقع ثابتة على الطرق الرئيسية كي تحمي انسحاب المحاصرين من دير القمر، من مدنيين وعسكريين، حيث سلك المدنيون طريق جزين- صيدا- بيروت، بمواكبة الصليب الأحمر، بينما تم سحب العسكريين بواسطة شاحنات إسرائيلية سلكت طريق دير القمر- جزين- صيدا؛ حيث تم نقلهم عن طريق البحر في بواخر مستأجرة إلى مرفأ جونية مع أسلحتهم.

تصاعد عمليات المقاومة في صيدا والجنوب 

في هذا الوقت تصاعدت عمليات المقاومة في الجنوب، وفي مدينة صيدا وما حولها بصورة خاصة، على الرغم من إقفال الجسور المؤدية إلى المدينة، ومنع السيارات من الوصول إليها، وحملات التفتيش والمداهمة، ومجموعات العملاء الذين تبثهم إسرائيل في كل مكان. لقد سجلت خمس وأربعون عملية ضد قوات الاحتلال خلال شهر نوفمبر «تشرين الثاني» الماضي، كما أفادت مصادر جيش الدفاع الإسرائيلي، ونفذت خمس عشرة عملية خلال الأيام الثمانية الماضية، فاستقدمت إسرائيل قوات إضافية من المظليين إلى صيدا، لكن هذه القوات واجهتها عملية جريئة عند منتصف الليل، فقد أطلقت عليها زخات من الرصاص من إحدى الشرفات وألقيت عليها عدة قنابل يدوية، كانت الدورية الإسرائيلية مكونة من ملالتين وناقلتي جنود، وقد سقط أربعة قتلى من الدورية بينهم ضابط، وجرح أربعة جنود جرى نقلهم من ساحة المعركة بواسطة طائرات مروحية.

شهداء ثلاثة في سجل الخالدين

تابعت القوات الإسرائيلية تعقب المجاهدين، فأضاءت المنطقة والبساتين المحيطة بالقنابل الفسفورية وطوقتها بقوات كبيرة، ومشطتها بنيران غزيرة من رشاشات الدبابات، وقبيل فجر الثلاثاء 27/ 12/ 1983م التحمت القوات الغازية بخلية من الإخوة المجاهدين حيث جرى تبادل القذائف ورصاص الرشاشات، وسقط نتيجة المعركة كل من الإخوة:

* جمال حبال: «25 سنة» مدرس ثانوي، سبق أن اعتقله الجيش اللبناني في بيروت بتهمة التخطيط لعمليات عسكرية ضد القوات الإسرائيلية.

* محمود زهرة: «19 سنة» مهني، وقد جرى اعتقاله على يد السلطات الإسرائيلية، وبعد الإفراج عنه اعتقلته السلطات اللبنانية بنفس التهمة السابقة.

* محمد علي الشريف: «23 سنة» يملك محلًّا تجاريًّا نسفته القوات الغازية بعد استشهاد صاحبه.

وبعد أن تبينت هوية الشهداء الثلاثة بدأت القوات الغازية حملة مداهمات لمنازل الشباب المسلم في صيدا، وجرى اعتقال عدد من العلماء كانوا يقودون حملات المواجهة ضد الاحتلال الإسرائيلي من خلال خطب الجمعة في مساجدهم والتنديد بالاحتلال والمتعاونين معه، فقد اعتقل الشيخ محرم عارفي إمام مسجد البطاح وجرى نقله مكبلًا معصوب العينين، كذلك إمام مسجد عين الحلوة الشيخ محمد السعودي، والشيخ غازي حنينة إمام مسجد المجذوب.

استيقظت المدينة بعد الليلة الملتهبة، ورغم انتشار جنود الاحتلال في الشوارع فقد رفعت لافتات تندد بالاحتلال وتطالب بالإفراج عن المعتقلين، وتداعى علماء صيدا إلى اجتماع في دار الأوقاف برئاسة مفتي صيدا الشيخ محمد سليم جلال الدين.. أصدر المفتي بعده بيانًا جاء فيه: «حيال التطورات الخطيرة وإجراءات الاحتلال التعسفية التي طالت شباب صيدا المؤمنين وأحد الرموز الدينية في المدينة الشيخ محرم عارفي، قرر المجتمعون مواجهة هذه الإجراءات...»، وصدر بيان تال عن العلماء والفعاليات السياسية في المدينة دعا إلى الإضراب يوم الخميس حدادًا على الشهداء واستنكارًا لاعتقال العملاء.

في هذا الوقت كانت السلطات الإسرائيلية قد أجبرت أحد متعهدي دفن الموتى على دفن الإخوان الثلاثة تحت إشرافها دون الصلاة عليهم، ولهذا فبعد تنفيذ الإضراب الشامل في صيدا وتوقف حركة السير يوم الخميس، دعا مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد المسلمين في كل مساجد لبنان إلى الاعتصام في المساجد بعد صلاة يوم الجمعة حتى العصر، وأداء صلاة الغائب على أرواح الشهداء الأبرار. وأصدرت الجماعة الإسلامية في صيدا بيانًا نعت فيه الشهداء الثلاثة جاء فيه: «إن الشهداء الثلاثة صدقوا ما عاهدوا الله عليه عندما رفضوا الاستلام لقوات اليهود فتصدوا لها في أشجع مواجهة شهدتها أرض الجنوب الأبي الساعة الثانية من فجر الثلاثاء في 27 الجاري، حتى ارتفعت أرواحهم الطاهرة إلى جوار ربها مع الأنبياء والشهداء والصديقين، بعد أن أوقعوا بقوات العدو أفدح الخسائر».

استمرار المواجهة في كل الميادين

وعلى الرغم من وحشية العدو الإسرائيلي في تصديه للناس، فقد جرى اعتصام جماهيري يومي الخميس والجمعة في مسجد الزعتري عند مدخل صيدا، واعتصمت النساء في مسجد الصديق، وكانت الجماهير تتحدى قوات الاحتلال بالتكبير وبهتاف يتردد: «خيبر خيبر يا يهود... جيش محمد سوف يعود».

وقد اقتحمت القوات الغازية جامع البطاح وأخرجت حوالي ثلاثمائة شاب منه، واعتقلت بعضهم، بينهما اكتفت بتطويق جامع الزعتري.

وعلى صعيد العمليات العسكرية فقد ازدادت عنفًا وضراوة، سواء في منطقة صيدا أو قرب مخيم الرشيدية أو في النبطية. ولم يعد سرًّا أن العمليات التي تشنها ما يطلق عليها «المقاومة الوطنية اللبنانية» هي في تسعين بالمائة منها أو أكثر من إنجاز القوى الإسلامية في الجنوب، سواء منها ما كان في صيدا أو في جبل عامل في أقصي الجنوب.

وأخيرًا... هل تنسحب إسرائيل من الجنوب؟!

بعد استشهاد الإخوة الثلاثة، لم يعد من الممكن تمويه هوية المواجهة مع العدو اليهودي، فقبل هذه العملية لم تمسك إسرائيل بأي دليل يقودها إلى منفذي العمليات البطولية ضد قواتها على الرغم من تنفيذ عشرات العمليات الناجحة، وقد فجر استشهاد الإخوة الثلاثة واعتقال العلماء والشباب المسلم مشاعر الجماهير المؤمنة في الجنوب بشكل يصعب احتواؤه. ولقد اهتم وزير الدفاع الإسرائيلي موشي أرينز للأمر فزار بعض المواقع التي تعرضت للهجوم بعد إجراءات أمنية مشددة، وعاد ليقدم تقريرًا حول المخاطر التي تتعرض لها القوات الإسرائيلية فيما لو استمرت في لبنان. ولن يكون أمام قوات الغزو والعدوان إلا أن تنسحب، لكن إلى أين؟! إن المواجهة مع «إسرائيل» أمر محتوم، ووعد الله بالنصر، ووعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه المشهور... كل ذلك واقع بإذن الله، لكنه ينتظر العزائم المؤمنة المؤهلة لتحقق النصر... وعسى أن يكون ذلك قريبًا بإذن الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل