العنوان موضوع الغلاف - المجتمع تكشف أسرار الفوضى في أذربيجان والشيشان
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1994
مشاهدات 77
نشر في العدد 1120
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 11-أكتوبر-1994
• الأسباب الحقيقية لاغتيال نائب رئيس البرلمان ورئيس استخبارات
رئاسة الجمهورية.
• روسيا
تخشى من عودة الإمبراطورية العثمانية من جديد إذا تحالف الأتراك مع مسلمي آسيا
الوسطى.
• يصل
حجم احتياطي المخزون النفطي في أذربيجان إلى 7.4 مليار برميل.
أثبتت تطورات الأحداث الدامية في كل من أذربيجان والشيشان -بما لا يدع
مجالًا للشك- أن روسيا وراء إشعال فتيل الحرب الأهلية فيها بهدف إخضاع الأولى
لسياستها مع بقائها دولة مستقلة من الناحية الشكلية، وكبح جماح الروح الاستقلالية
في الثانية التي أعلنت عن استقلالها من طرف واحد عام 1991م.
وبالطبع لا يمكن إنكار العاملين الاقتصادي والاستراتيجي كأهم سببين
للمخططات الروسية؛ حيث إن حجم احتياطي البترول الأذربيجاني يقدر ما بين 4.4- 7.4
مليار برميل، والحجم الكلي لمشروع استخراج ومد أنابيب النفط الأذربيجاني يصل إلى
23 مليار دولار، بينما كانت روسيا تحصل على 98% من بترول الشيشان، ولا تنسى موسكو
بالطبع أنها كانت تسيطر على تلك الثروة قبل انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال
أذربيجان والتي تمثل أيضًا مع الشيشان قلب القوقاز الاستراتيجي، وبالسيطرة عليه
يتم وضع حد للطموح التركي، حيث تعمل أنقرة على إقامة ما يسمى بالعالم التركي من
الأدرياتيكي إلى سور الصين العظيم، ويتم الترويج له في إطار مشروع "العثمانية
الجديدة"، والذي يعتمد على القوميات من الأصول التركية لإعادة إحياء الخلافة
العثمانية في ثوب جديد، وهو الأمر الذي يخيف روسيا ولا يجعلها القوة الوحيدة في آسيا،
وبالتالي كان على موسكو إعادة أذربيجان إلى الحظيرة الروسية بكافة الأساليب خاصة
وأنها الدولة الوحيدة التي رفضت التوقيع على معاهدة "كومنولث الدول
المستقلة" الذي يضم كافة دول الاتحاد السوفيتي السابق ليظل بشكل دائم تحت
سيطرة موسكو.
الحرب الأهلية سلاح موسكو
والسلاح الذي تستخدمه موسكو لتأديب معارضيها والخارجين على إرادتها هو
الحرب الأهلية مثلما حدث في جورجيا ضد الرئيس جيمسيا خورديا المنتخب ديمقراطيًّا
عام 1991م، فلم يهنأ بالسلطة طويلًا حيث دعمت روسيا تمردًا هناك انتهى إلى دخول
البلاد دوامة الحرب الأهلية مما جعل الجورجيين يستجيرون بإدوارد شيفر نادزة وزير
الخارجية السوفيتي السابق -وهو من أصل جورجي- ليتولى رئاسة البلاد، وهو ما دعمته
موسكو بشكل غير مباشر؛ فهو من رجال الدولة السابقين إلا أنها عندما وجدته يسير
بنهج استقلالي دعمت الروح الاستقلالية للأباظة في جمهورية أبخازيا ذات الحكم
الذاتي رغم أنهم من المسلمين حتى نجح الأباظة في تحرير أبخازيا من القوات الجورجية
وحققوا نصرًا على جورجيا دفع شيفر نادزة للرضوخ لمطالب موسكو ووقع معها معاهدة
الدفاع المشترك وانخرط في كومنولث الدول المستقلة، ووافق على دخول قوة سلام روسية
قوامها 3.000 جندي لمنطقة النزاع، وعلى إقامة قواعد عسكرية روسية.
سيناريو أذربيجان
وهو نفس السيناريو الذي يتم حاليًا في أذربيجان مع فارق بسيط في
التفاصيل فعندما تولى أبو الفيض التشي بيه السلطة في أذربيجان في يونيو 1991م، وهو
معروف بعدائه الشديد لموسكو حيث كان قد اعتقل عام 1975م بتهمة معاداة الشيوعية،
كما نجح في تشكيل الجبهة الشعبية في 16 يوليو 1989م، ومن خلالها وصل إلى السلطة في
أول انتخابات حرة بعد استقلال أذربيجان 1992م، ووقف بشدة أمام محاولات موسكو
لإجبار بلاده على الخضوع لها من خلال كومنولث الدول المستقلة، كما أنه وافق على
المحاضر الأولية لاتفاقيات البترول والتي لم تأت لصالح موسكو، والتي تحركت مباشرة
قبل فوات الأوان حيث حركت عميلها صورت حسينوف "رئيس الوزراء الحالي"
لقيادة التمرد في مدينة جنجة يوم 4 يونيو "حزيران" 1993م، ذلك التمرد
الذي كانت لدى تركيا معلومات حوله -على حد قول جنيز شندر المعلق في جريدة
"الصباح"- ولم تبلغه لرجلها التشي بيه، بل ولم تتخذ موقفًا باسم تركيا
تحت زعم عدم التدخل في الشؤون الداخلية رغم أن تمرد صورت حسينوف كان من فعل القوات
الموالية لروسيا ورحيم غازييف وزير الدفاع السابق "هرب خلال الشهر الماضي من
السجن" له علاقة بالموضوع وكان وراء حسينوف.
ومع اتساع نطاق التمرد العسكري هرب التشي بيه إلى نخشيفان -جمهورية
ذات حكم ذاتي تابعة لأذربيجان تقع في أرمينيا- وذلك يوم 18/ 6/ 1993م، وكان قد
استجار بحيدر علييف رئيس برلمان نخشيفان آنذاك وعضو المكتب السياسي السابق للحزب
الشيوعي السوفيتي، وذلك بهدف قطع الطريق على صورت حسينوف، وبالفعل تولى حيدر علييف
رئاسة البرلمان في 20/ 6/ 1993م، ونجح في القيام بانقلاب برلماني يوم 25/ 6/ 1993م
حيث حول إلى نفسه صلاحيات رئيس الجمهورية بأصوات 33 نائبًا ضد 3 نواب من عدد 41
نائبًا، وتم فيما بعد تقاسم السلطة حيث أصبح علييف رئيسًا للجمهورية وحسينوف
رئيسًا للوزراء ولتهدئة مخاوف موسكو أعلن علييف إلغاء كافة الاتفاقيات الخاصة
بالبترول وذلك يوم 23 يونيو "حزيران" 1993م، وقال في رده على تركيا التي
استفسرت منه عن سبب ذلك بأن الاتفاقيات الأولية تمت في 11 يونيو
"حزيران" 1993م، بينما أقيلت حكومة التشي بيه في 9 يونيو
"حزيران" 1993م، وما تم التوقيع عليه عبارة عن أعمال تحضيرية، وكان سيتم
التوقيع عليها رسميًّا في 30 يونيو "حزيران" 1993م.
ورد التشي بيه على تصريحات علييف قائلًا بأن الاتفاقيات ما زالت سارية
المفعول وأن هذه الاتفاقيات لعبت دورًا كبيرًا في استبعاده والتآمر عليه.
وبالتالي فإن موقف حيدر علييف من اتفاقيات البترول كان العنصر المطمئن
لها مما جعلها تقنع صورت حسينوف للتعاون معه والحكم من خلال وجهه السياسي المعروف
وتجربته التي لا يمكنها أن تدفعه للابتعاد كثيرًا عن موسكو الذي كان رجلها وتربى
في كنفها، إلا أن نفس الاتفاقيات كانت وراء حياكة المؤامرات ضده، وهو ما يمكن رصده
من خلال تواريخ الأحداث.
سيناريو الأحداث الأخيرة:
في 20 سبتمبر 1994م تم توقيع اتفاقية البترول والتي سميت باسم اتفاقية
العصر، وجاءت مخالفة لتوقعات روسيا.
- في
21 سبتمبر -أي في اليوم التالي- تم فرار رحمن غازييف وزير الدفاع السابق
المسؤول عن الهزيمة أمام الأرمن الذين تستخدمهم موسكو بشكل دائم لإحراج حكام
أذربيجان شعبيًّا، فقبل تولي التشي بيه السلطة كانت نسبة الأراضي
الأذربيجانية المحتلة حوالي 5% ارتفعت إلى 10% قبل التمرد لتصل إلى 18% بعده،
و30% حاليًا بهدف تحميل علييف مسؤولية الهزيمة وضرورة إقالته لإنقاذ البلاد
من الاحتلال. وكذلك فرار علي أكرم همتوف الذي حاول إقامة دولة مستقلة في
منطقة تاليس أثناء الحرب، بالإضافة إلى باشييف المسؤول عن تسليم لاتشين
للأرمن، حيث تم تهريبهم بمساعدة الـ: كي جي بي، لاستخدامهم ثانية ضد علييف
خاصة بعد أن فشلت خطة دفع الشعب للثورة عليه بسبب الهزيمة أمام الأرمن، والتي
كان قد تسبب هؤلاء فيها، وكان يتم محاكمتهم حاليًا لذلك.
- في
22 سبتمبر 1994م، اعتبر وزير البترول الروسي أن اتفاقية البترول سارية
المفعول، إلا أن كوزيرييف وزير الخارجية الروسي قال بعكس ذلك.
- وفي
26 سبتمبر 1994م التقى علييف بالرئيس كلينتون في واشنطن وطلب منه العون
الأمريكي لمواجهة التعنت الروسي، إلا أن كلينتون لم يعط له إجابة مطمئنة
وواضحة، وكل ما هنالك عبارة عن حبة تخدير دبلوماسية بأنه سيناقش كافة الأمور
المتعلقة بالموضوع مع الرئيس يلتسين بعد يومين.
- وفي
28 سبتمبر 1994م، اجتمع كلينتون بنظيره الروسي واتفقا على إطلاق يد موسكو في
القوقاز وقيامها بنشر قوات في قرة باغ باسم قوات السلام، على أن يتم ذلك
بقرار سيتم ضمان إصداره من مجلس الأمن ليأخذ بعدًا جماليًّا فقط، كما اعتبرت
واشنطن موسكو صاحبة حق في اتفاقيات البترول. ووصف جوهر دوداييف رئيس جمهورية
الشيشان نتائج لقاء كلينتون- يلتسين بأنه "يالطا" جديدة تم خلالها
تقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا من جديد رغم انهيار القطبية
الثنائية وبروز ما يعرف باسم النظام العالمي الجديد.
- في
منتصف ليلة 29 سبتمبر تم اغتيال أهم رجلين يثق فيهما حيدر علييف وهما: عفي
الدين جليلوف نائب رئيس البرلمان الأذربيجاني والذراع اليمين للرئيس.. وشمس
رحيموف رئيس استخبارات رئاسة الجمهورية والذراع اليسرى لعلييف، حيث أثبتت
التحقيقات الأولية وجود الأصابع الروسية في الحادث.
وأسباب اختيار الرجلين للاغتيال كثيرة أهمها أن عفي الدين جليلوف أحد
الصقور الرافضة لإدخال أذربيجان ثانية تحت الهيمنة الروسية، وهو من نخشيفان أيضًا،
وكان لعلييف أثناء توليه رئاسة برلمان نخشيفان، وفي الوقت نفسه له علاقات جيدة مع
الرئيس السابق التشي بيه والجبهة الشعبية، ويعتبر من وجهة النظر السياسية رجل يمثل
الوحدة الوطنية والإجماع الشعبي، وهو يمكن أن يكون المنقذ لأذربيجان في حالة
الإطاحة بحيدر علييف أو اغتياله، خاصة وأن صفحته غير ملوثة، علاوة على نجاحه في
إقناع النواب بالتصويت على اتفاقيات البترول، وبالتالي كان يجب اغتياله لإخافة
النواب قبل التصويت لتظل الاتفاقيات معلقة لحين معرفة ما سيتم عمله.
أما شمس رحيموف فهو أحد رجال الاستخبارات الجيدين وتلميذ علييف النجيب
عندما كان حيدر علييف رئيسًا لـ كي جي بي في أذربيجان، وله خبرة واسعة ومحل ثقة
الرئيس، ونجح في كشف عدة محاولات لاغتيال علييف، وكذلك للانقلاب عليه، حيث كان
عقبة كبرى أمام تنفيذ المؤامرات الروسية، علاوة على توصله إلى معلومات هامة عن
انقلاب عسكري كان يخطط له أثناء وجود علييف في موسكو، وبالتالي فإن فقدان علييف
لسلاحه التشريعي "جليلوف"، والأمني "رحيموف"، قد يجعله يتراجع
قليلًا أو يخضع لمطالب موسكو رغم أنه أعلن في إسطنبول الأسبوع الماضي بأنه لن يتراجع
عن موقفه.
وفي يوم 1/ 10/ 1994 -أي في بداية الشهر الجاري- تم تهريب 10 أشخاص من
سجن بايل ينتظرون أحكامًا بالإعدام، وذلك بمساعدة الـ: كي جي بي.
وفي يوم 2 أكتوبر تشرين أول الجاري قامت مجموعة من المتمردين المرتبطة
بروشان جوادوف مساعد وزير الداخلية الأذربيجانية ورئيس الوحدات الخاصة والمعروف
باتصالاته بموسكو بمهاجمة مبنى المدعي العام الجمهوري ووزارة الداخلية، وأخذت
المدعي العام رهينة وبعض العاملين فيها، إلا أن القوات المؤيدة لعلييف نجحت في
السيطرة على مداخل ومخارج المدينة، وإطلاق سراح الرهائن فيما يعتبر ضربة موجهة
لعملاء موسكو، حيث تم إطلاق سراح المدعي العام علي عمروف، وطالب المتمردون
المعروفون باسم "OMON"
بإقالة وزير الداخلية جميل أوسويوف ورئيس مجلس الشعب رسول جولييف.
وعمومًا فإن سيناريو الاغتيال وتهريب العملاء من السجون الأذربيجانية
يستهدف إحداث فوضى أمنية في أذربيجان تكون مبررًا لتدخل العسكر وبالتأكيد سيقود
أحد عملاء موسكو الانقلاب العسكري المخطط له إذا لم يترك علييف العجوز "72
سنة" السلطة.
سلاح علييف
وسيناريو المواجهة الذي يفكر فيه ويعمل على استخدامه علييف هو التقارب
مع تركيا بشكل أكبر، ودعم الشيشان ضد روسيا، خاصة وأن أنبوب النفط الذي تعلم روسيا
بعده من أذربيجان عبر أراضيها سيكون من خلال بوابة الشيشان، وهو ما تم تدارسه في
إسطنبول في بداية الشهر الحالي، خاصة وأن مصالح أنقرة وباكو تتقابلان في تلك
النقطة؛ حيث تريد أنقرة مرور الأنبوب من الأراضي التركية، وهو ما تريده باكو أيضًا
حتى لا يكون بترولها تحت السيطرة الروسية.
غير أن رهان علييف ليس في محله هذه المرة، وهو الرجل السياسي الواقعي؛
حيث إن أنقرة لم تحرك ساكنًا من قبل عندما تمرد حسينوف على رجلها التشي بيه والذي
كان الأكثر قربًا من علييف رغم زيارة الأخير لتركيا 3 مرات خلال العام الحالي، إلا
أن قيامه بزيارة مقبرة أمين رسول زادة الزعيم الأذربيجاني الذي واجه الروس، وذلك
أثناء زيارته لتركيا في فبراير 1994م، أعطى رسالة لموسكو مفادها أنه سيواجهها حتى
لو استشهد مثلما فعل أمين رسول زادة، وتطمين لأنقرة بأنه مع إحياء القومية التركية
في أذربيجان، وخطواته الحالية تؤكد بأنه سيسير في هذا الطريق حتى النهاية، فهو كما
قال عندما تحدثت الأنباء عن انقلاب عسكري واحتمالات هروبه: "أنا لست التشي
بيه ولا مطاليبوف". وكان الاثنان قد هربا بسبب التمرد ضدهما.
التصعيد في الشيشان
وموسكو تعرف جيدًا احتمالات لعبة علييف، وبالتالي فإنها تصعد من
الأعمال العسكرية في الشيشان ضد الرئيس الشرعي دوداييف حيث قامت الطائرات العسكرية
الروسية يوم 30 سبتمبر 1994م بقصف مطار جروزني العاصمة الشيشانية وذلك وسط تجميع
قوات المعارضة لشن هجوم على العاصمة وإجبار الرئيس دوداييف على الرحيل، وتستخدم في
ذلك أيضًا نفس السيناريو الذي استخدم في جورجيا والمشار إليه آنفًا، والذي يتم
تنفيذه حاليًا في أذربيجان حيث تعتمد على تحريك المعارضين وإدخال البلاد في دوامة
الحرب الأهلية مما يحتم معه البحث عن منقذ، وبالطبع يكون له خبرة سياسية، وهو ما
يحدث حاليًا حيث عاد إلى الشيشان رسلان حسبولاتوف رئيس البرلمان الروسي السابق
الذي قاد معارضة ضد يلتسين، مما دفع الأخير إلى اقتحام البرلمان بالقوة وسقوط مئات
القتلى وتم سجن حسبولاتوف والعديد من المعارضين ليلتسين، إلا أن دوام الحال من المحال،
فعدو الأمس أصبح صديق اليوم -على حد قول جوهر دوداييف، وذلك تعليقًا على تقارب
يلتسين- حسبولاتوف، وأضاف دوداييف بأن يلتسين يدعم حسبولاتوف بالمال والسلاح
لإخضاع مسلمي القوقاز للسيطرة الروسية ثانية.
وقال دوداييف بأن أمريكا تآمرت على بلاده والقوقاز مع موسكو؛ حيث عقدت
واشنطن وموسكو "يالطا" جديدة.
المعلومات المتوفرة لـ "المجتمع" حتى صباح 5 أكتوبر الجاري
تشير إلى تمركز قوات موفلن سلامون عدو دوداييف اللدود على بعد 10 كيلومترات من
مركز جروزني، كما أن حسبولاتوف نجح بدعم روسي في تنظيم صفوف قواته التي تلقت هزيمة
كبرى على أيدي قوات دوداييف منذ شهر، حيث تلقى أسلحة متقدمة من روسيا مثله مثل عمر
أفتورخانوف رئيس مجلس الدولة المعارض الذي شكلته روسيا بديلًا للحكم الشرعي، وتخطط
موسكو بتجميع قوات المعارضة في جيش واحد والاشتراك معه في القتال المباشر عبر
القوات الجوية والبرية لتكون قوات شعب الشيشان قناعًا لها لضمان عدم دعم الشعب
لدوداييف أو مقاومتها، بعد فشل قوات المعارضة في الانتصار على القوات الحكومية،
وهو الأمر الذي يسبب إحراجًا لموسكو في القوقاز.
في نفس الوقت صرح سولت مراد عباسوف -مستشار دوداييف- أن مجموعات خاصة
من مؤيدي الرئيس الشيشاني تنتظر أوامره لشن عمليات في جميع المدن الروسية في حالة
تدخل روسيا بشكل مباشر في القتال بين القوات الحكومية والمعارضة، والتي اتضحت بشكل
واضح في الغارات على مطار جروزني يوم 30 سبتمبر وقتل فيها 8 مدنيين.
عمومًا فإن كافة المؤشرات تشير إلى أن موسكو قررت حسم الموقف عسكريًّا
ضد الرئيس حيدر علييف في باكو وجوهر دوداييف في جروزني، وإن كانت ستعتمد على القوى
المؤيدة لها في الجيش الأذربيجاني الذي يبلغ تعداده 30 ألف جندي، حيث سيتم دعمها
بالأسلحة الحديثة لمواجهة القوى المؤيدة لعلييف إذا ما أبدت مقاومة في حالة تدخلها
لإحداث التغيير المطلوب بناء على الأوامر الروسية، أما في الشيشان فإن روسيا وضعت
خطة غزوها بمساعدة المعارضة، وأنه سيتم خلال الفترة المتبقية من العام الحالي حسم
الموقف خاصة بعدما أعطى كلينتون ليلتسين الضوء الأخضر للتحرك في القوقاز بالشكل
الذي تريده موسكو.
يأتي ذلك في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس علييف حالة الطوارئ في باكو
يوم 3 أكتوبر "تشرين أول" لمدة 60 يومًا حيث سيتم التدقيق في هويات كافة
المواطنين بالعاصمة الأذربيجانية وعدم السماح لأحد بدخولها بدون التأكد من هويته،
وذلك وسط معلومات عن قيام الـ: كي جي بي بتسريب آلاف من العناصر العميلة لدخول
العاصمة تمهيدًا لإسقاط نظام حيدر علييف الذي قرر محاصرة العاصمة بالدبابات
والمدرعات لحمايتها من أي غزو تقوم به أي قوة متمردة قد تخرج من الجيش بهدف إسقاط
النظام، بينما يقوم رئيس الوزراء صورت حسينوف بحشد المدرعات حول قصره لحماية نفسه
فقط.
وتحاول الـ: كي جي بي بالتعاون مع قوة "OMON" وهي قوة شرطة خاصة 8 آلاف جندي، تم تأسيسها في عهد أول رئيس
لأذربيجان بعد الاستقلال إياز مطلبوف في القيام بالانقلاب من الداخل، وتأتي عملية
احتجاز علي عمروف المدعي العام الجمهوري والمطالبة بإقالة رسول جولييف رئيس مجلس
الشعب وجميل أوسويوف كإشارة إلى تنامي قوى المعارضة داخل نظام الحكم الأذربيجاني.
وعمومًا فإن التصورات التي تحدث حاليًا في أذربيجان وتنامي القوى
المعارضة لعلييف وتلك التي تحدث أيضًا في الشيشان وسط صمت عالمي وتقاعس إسلامي
تشير بما لا يدع مجالًا للشك اتفاق الشرق والغرب على الشعوب الإسلامية، والتي
أثبتت تجربة البوسنة والهرسك والأحداث في طاجيكستان وأذربيجان والشيشان أنه يجب
عليها أن تبحث عن وسائل للدفاع عن نفسها وهويتها بعد تقاعس حكوماتها ودولها في
الدفاع عنها.