العنوان موضوع الغلاف: "المؤتمر الدَّوْليّ للسكان والتنمية"
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994
مشاهدات 64
نشر في العدد 1112
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 16-أغسطس-1994
· مؤامرة
غربية على سكان العالم الإسلامي.
وسط زخم إعلامي هائل، ومظاهرة دعائية عالمية، يعقد في القاهرة في
المدة من 5 إلى 13 من سبتمبر القادم "المؤتمر الدولي للسكان والتنمية"،
تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة، وبمشاركة أكثر من عشرين ألفاً من أعضاء الوفود
يمثلون 191 دولة من أعضاء المنظمة الدولية، وبحضور مسؤولين كبار على المستوى
الدولي من بينهم نائب الرئيس الأمريكي ورؤساء وزارات ووزراء وسفراء وخبراء متخصصين
يتابعهم أكثر من (ثلاثة) آلاف صحفي وإذاعي حجزوا أكثر من 500 ساعة إرسال عبر
الأقمار الصناعية للتغطية الإعلامية لأعمال المؤتمر، وقد استعدت القاهرة أمنياً وسياسياً
وإعلامياً ودعائياً لتبعات المؤتمر الذي يعتبره البعض اختباراً حقيقياً للحالة
الأمنية في مصر. وهو ما يدفع جميع أجهزة الدولة لإعلان حالة الطوارئ القصوى لرسم
أفضل صورة للأوضاع وإعادة التدفق السياحي لإنعاش الاقتصاد والخروج من حالة الأزمة
التي يمر بها.
والسؤال الآن ما الهدف من عقد هذا المؤتمر في هذه المرحلة بالذات؟ وما
المبادئ التي يسعى لتنفيذها ومدى تعارضها مع تعاليم الإسلام وما ردود الفعل
الرسمية والشعبية حول المؤتمر وقضاياه؟
يعتقد كثير من المفكرين، ومن المراقبين أن المؤتمر يأتي ضمن خطة
التحرك الغربية لفرض معالم النظام العالمي الجديد الذي تسيطر فيه الحضارة الغربية
على مقدرات شعوب العالم، وضمان تنفيذ رؤيتها للمشكلات العالمية ومن بينها المشكلة
السكانية، فالوثائق تشير إلى أن هناك بلداناً أوروبية مهددة بالفناء التام خلال
أقل من نصف قرن إذا استمرت معدلات النمو السكاني فيها تتناقص كما هو الحال الآن.
وتشير أوراق "المؤتمر الدولي للسكان والتنمية" بوضوح إلى اختلال التوزيع
الديموغرافي للسكان في العالم وكمثال فإن معدلات الخصوبة خلال المدة (1985-1990)
تراوحت بين 5.8 أطفال لكل امرأة في رواندا كرقم تقديري، و1.3 طفل لكل امرأة في
إيطاليا، وخلال نفس المدة (1985-1990م) كان 44% من سكان العالم يعيشون في 114
بلداً تجاوزت معدلات النمو فيها 2% سنوياً، وتشمل هذه تقريباً جميع البلدان في
إفريقيا التي يبلغ متوسط فترة تضاعف سكانها حوالي 24 سنة. وثلثي بلدان آسيا، وثلث
بلدان أمريكا اللاتينية ومن جهة أخرى - كما تقول خطة أعمال المؤتمر ص 32 - قلت
معدلات النمو عن 1% سنوياً في 66 بلداً يمثل 23% من سكان العالم معظمها في أوروبا.
وسيستغرق سكان أوروبا ما يزيد على 380 سنة لمضاعفة عددهم بالمعدلات الحالية. ولهذه
المستويات والفوارق المتفاوتة آثار على الحجم النهائي والتوزيع الإقليمي لسكان
العالم، وبصورة أكثر تحديداً تقول الأرقام: إنه في المدة من 1995م وحتى 2015 يتوقع
أن يتزايد سكان المناطق الأكثر نمواً (أي الأوروبية وأمريكا) بما يقارب 120 مليون
نسمة، بينما سيتزايد سكان المناطق الأقل نمواً بما قدره 1727 مليون نسمة أي أكثر
من 14 ضعفاً.
· الدعوة
إلى حرية الإجهاض والتحلل الجنسي وحمل المراهقات ومنع النسل تلقى استياء عاماً في
بلد الأزهر الشريف.
شيخوخة المجتمع الغربي
مشكلة أخرى تؤرق المجتمع الغربي، ففي غضون بضعة عقود قادمة - كما تشير
تقديرات المعاهد الغربية المتخصصة – سوف يصبح المجتمع الغربي كالآتي: 20 دون سن
العمل، و35 - 40 من المنتجين، ومن 40 - 45 ممن تجاوزوا سن الإنتاج، بينما لا تزال
نسبة القادرين على العمل والإنتاج تتزايد في البلدان النامية ولا سيما الإسلامية،
وهذه النسبة الآن في حدود من 50 إلى 60، ولذلك تهدف الدول الغربية إلى الحد من
الزيادة السكانية في البلدان النامية لتحقيق بعض التوازن.
تجاهل الخلل
وتتعمد الدول الغربية عند طرح المشكلة السكانية تجاهل الخلل في توزيع
الثروة في العالم الذي نتج من سيطرة الاستعمار الغربي على الدول النامية، وهذا
الخلل أدى إلى أن 80 مليون نسمة في المجتمع الغربي يمثلون 1.5% من سكان الأرض هم
فئة الأثرياء بين مواطني البلدان الغنية يسيطرون على 31% من دخل العالم بمجموعه
ومتوسط دخل الفرد الواحد منهم 81.500 دولار سنوياً، و228 مليون نسمة يشكلون 4.3%
من سكان العالم يسيطرون على 79% من إجمالي الدخل العالمي، أما 3.2 مليار نسمة أي
60% من سكان العالم هم سكان البلاد الأفقر يملكون 5% فقط من الدخل بمتوسط 350
دولار سنوياً، والدعوة لتنظيم النسل والحد من الإنجاب في الدول النامية تهدف إلى
استمرار بقاء الأوضاع على ما هي عليه وبقاء المجتمع الغربي مستأثراً بخيرات الأرض
بينما بقية الشعوب تعاني من عدم حصولها على الضروريات.
هذه هي الصورة التي ينعقد في ظلالها "المؤتمر الدولي للسكان
والتنمية"، فما هي المبادئ التي يسعى لإقرارها وإلزام الدول العربية
والإسلامية قبل غيرها بتنفيذها؟ الوثيقة التي أعلنتها أمانة المؤتمر في القاهرة
تتناول في 120 صفحة وستة عشر فصلاً قضايا عدة تمس المبادئ الإسلامية مثل: الحديث
عن حرية الإجهاض، وحمل المراهقات وضرورة العناية الكاملة به والحديث الدائم
والمتكرر بإلحاح غريب عن الثقافة الجنسية وضرورة تدريسها وتعميمها، والصحة الجنسية
والتناسلية والعلاقة الجنسية دون تحديد إطار الزواج أو الأسرة كإطار وحيد لها، ثم
الحديث عن أهمية إشاعة وسائل تنظيم الأسرة وتوفيرها في كل مكان وبأزهد الأثمان، ثم
الحديث المذعور عن عادة الختان، وأنها عملية بشعة ينبغي منعها منعاً باتاً،
بالإضافة إلى الحديث عن مساواة المرأة بالرجل والحصول على حقها كاملاً في العمل،
والهدف بالطبع أن ظروف المرأة العاملة تقتضي تقليل أو منع الإنجاب، وهو عكس ما
يحدث في الغرب من الدعوة لعودة المرأة إلى البيت بعد تزايد المشكلات الأسرية وتحلل
المجتمع وتفكك الروابط مع أن الأرقام المعلنة تؤكد أن المرأة في الغرب موجودة
بنسبة 80% في شبكات الدعارة والإباحية والجنس وبنسبة 50 - 60% في المصانع
والمكاتب، وبنسبة أقل من 10% في القطاعات التوجيهية والإدارية والقيادية بما يكشف
بوضوح حقيقة تواجد المرأة في سوق العمل الغربي، فهل يراد للمرأة المسلمة مثل ذلك؟!
"شيخ الأزهر
يشكل لجنة من العلماء لبحث توصيات المؤتمر بعد اتضاح أهداف الدول الغربية بإلزام
دول العالم الإسلامي بالالتزام بالتوصيات والقرارات"
مشاعر الاستياء
هذه القضايا المطروحة على جدول أعمال المؤتمر أثارت مشاعر الاستياء
بين أبناء الشعب المصري بصفة خاصة والشعوب العربية والإسلامية بصفة عامة على
المستويات الرسمية والمؤسسية والشعبية، وأصبح التساؤل المطروح الذي لا يخلو من
المرارة لماذا اختيرت مصر بلد الأزهر الشريف، والمؤسسات الإسلامية والصحوة
الإسلامية، مكاناً لانعقاد هذا المؤتمر المشبوه؟
هل الهدف هو المزيد من الضغط النفسي على المؤسسات الإسلامية بمصر وعلى
رأسها الأزهر الشريف بما له من تأثير على الشعوب الإسلامية، أي أن تكون الطعنة في
القلب؟! وهل يمكن للرسميين في مصر أن يوافقوا على مثل تلك التوصيات التي تتعارض مع
الدين والمبادئ، تحت دعوى أن المؤتمر ترعاه الأمم المتحدة، وأن مصر هي فقط مكان
إقامته ولا تملك التأثير أو تعديل التوصيات وهل يمكن أن تتقبل الوفود العربية
والإسلامية المشاركة في أعماله مثل تلك الموضوعات أم تتخذ موقفاً موحداً يتفق مع
إرادة شعوبها وتعاليم دينها؟
وزير السكان الدكتور "ماهر مهران" الذي أنشئت له الوزارة
قبل عام بعد أن رشحت مصر لاستضافة المؤتمر، اضطر للتصريح بأن مصر لا يمكن أن تقبل
ما يتعارض مع الدين في توصيات المؤتمر. وزار فضيلة شيخ الأزهر الذي أمر بتشكيل
لجنة من كبار علماء مجمع البحوث الإسلامية، ولجنة الفتوى لمراجعة توصيات المؤتمر
من الناحية الشرعية، وما زالت اللجنة لم تصدر توصياتها إلى الآن إلا أن عدداً
كبيراً من العلماء والدعاة عبروا عن رفضهم واستنكارهم لمناقشة الموضوعات التي
تتعارض مع الدين واستنكرت معظم الأحزاب وقيادات الإخوان المسلمين والنقابات المهنية
ونواب مجلس الشعب انعقاد هذا المؤتمر على أرض مصر، وهو ما استدعى من أمانة المؤتمر
والمسؤولين المصريين أن يركزوا على البعد السياحي والدعائي والترويجي لمصر
وللمنتجات المصرية كوسيلة لامتصاص السخط والغضب الشعبي المتزايد تجاه انعقاد
المؤتمر في القاهرة، وفي حين يقول بعض المسؤولين - لتهدئة مشاعر الناس -: بأن
توصيات المؤتمر ليست ملزمة، في حين أن وثيقة المؤتمر الأساسية تؤكد على ضرورة
تنفيذ ما جاء بها من توصيات وإلزام الحكومات والدول بذلك، بل وتقديم تقرير دوري عن
مدى الالتزام بالتوصيات واعتبار الدول التي تتكاسل أو تقصر في ذلك دولاً غير
متعاونة، وهذا بالطبع له انعكاس سياسي واقتصادي واضح، وتؤكد وثيقة المؤتمر أن
المشاركين فيه ملتزمون بما يراه باعتبارهم أعضاء في الجمعيات العامة للأمم المتحدة
التي ترعى المؤتمر، ولا خيار لدولة أن ترفض الإجماع الدولي (عفواً) الإجماع الغربي!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل