; موضوع الغلاف القدس... مراحل التهويد والسيطرة | مجلة المجتمع

العنوان موضوع الغلاف القدس... مراحل التهويد والسيطرة

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1994

مشاهدات 74

نشر في العدد 1098

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 03-مايو-1994

  • اليهود يخططون لجعل القدس تشمل 30% من مساحة الضفة الغربية

    لم تكن القدس في يوم من الأيام منقطعة عن التاريخ، بل كانت المدينة المقدسة عبر القرون، ومنذ الفتح العمري أصبحت العاصمة المقدسة الثالثة في ديار الإسلام وظلت محافظة على طابعها الشرقي وهويتها الإسلامية، حتى الهجمة الصليبية في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، حيث غدت المدينة مركزاً للصراع الحضاري ما بين الغرب الصليبي والشرق الإسلامي، حتى جاءت حطين وبطلها صلاح الدين بعد مئة عام من الغزو الصليبي، وحسم الصراع لصالح الهوية الإسلامية، وظلت المدينة المقدسة بعد ذلك تحت السيادة الإسلامية حتى هزيمة دولة الخلافة العثمانية عام 1918م أمام قوات الاستعمار الإنجليزي.

    وقد مرت المدينة المقدسة منذ سقوط دولة الخلافة العثمانية في بداية القرن الميلادي الحالي بأطوار متعددة شملت مرحلة «الانتداب الإنجليزي 1917 – 1948م» ومرحلة «تقسيم الأمر الواقع 1948 – 1967» ولا تزال تعيش مرحلة «الاحتلال الإسرائيلي الحالي التي ابتدأت منذ عام 1967م».

    مرحلة الانتداب (1917– 1948م)

    إثر خضوع المدينة لسيطرة القوات الإنجليزية قامت سلطات الانتداب الإنجليزي بحل المجلس البلدي وتعيين لجنة لإدارة البلدية مؤلفة من ستة أعضاء، اثنان من كل طائفة، ويرأس هذه اللجنة أحد الأعضاء المسلمين، ولكن سلطات الانتداب الإنجليزي كانت متواطئة مع اليهود؛ ففي الفترة ما بين 1917 - 1922م أنشأ اليهود عشرة أحياء يهودية حول المدينة، ونتيجة لهذه السياسة المنحازة فقد بلغ سكان اليهود في القدس عام 1946م حوالي مئة ألف نسمة، وفي أول تعيين لحدود بلدية القدس عام 1931م جعلت سلطات الانتداب القسم الأكبر من مساحة المدينة في الجهة الغربية حيث بلغ هذا القسم ستة أضعاف القسم الشرقي لكي تضم المدينة كافة الأحياء اليهودية غرباً، وقد شاركت حرب 1948م في تغيير البنية الديموغرافية للمدينة لصالح اليهود، إذ قام اليهود على إثرها بالاستيلاء على 39 قرية عربية وتهجير كامل سكانها.

    مرحلة تقسيم الأمر الواقع (1948 - 1967م)

    نتيجة لحرب 1948م قسمت المدينة إلى قسمين: غربي تحت الاحتلال الإسرائيلي، وشرقي تحت السيادة العربية. وضمن المحاولات الدولية لتسوية النزاع حول القدس طرح في عام 1948م مشروع تدويل القدس، ولكنه لم يكتب له النجاح بسبب الظروف المعقدة التي أحاطت به، وكان فشل مشروع التدويل بمثابة تثبيت لتقسيم المدينة، وخلال الأحداث التي رافقت تلك الفترة استولى اليهود على 12 حياً عربياً في القسم الغربي من المدينة منها: المصرارة، والشيخ بدر، ومأمن الله، والطالبية، والقطمون، والبقعة وغيرها من القرى العربية، وتشير الإحصاءات آنذاك إلى أن عدد المواطنين العرب الذين فقدوا أملاكهم في الفترة المذكورة وصل إلى أكثر من 20 ألف عربي، وفي أيلول عام 1967م كان 110 آلاف عربي من سكان القدس الشرقية من مواليد القسم الغربي قبل عام 1948م.

    أما القسم الشرقي من المدينة فقد واجه مشاكل معقدة، ففي عام 1949م لم يتبقَ في هذا القسم سوى 33 ألف مواطن عربي من أصل 60 ألف مواطن، حيث اضطر الباقون لمغادرة المدينة نتيجة لأعمال اليهود الإرهابية التي رافقت الحرب، وتوجه حوالي 30 ألفاً منهم للسكن في مخيمات اللاجئين في الضفتين الشرقية والغربية، وخلال الـ 19 عاماً التي سبقت احتلال عام 1967م، قامت السلطات الأردنية بتوسعة القسم الشرقي لمواجهة الزيادة السكانية حيث وصلت مساحته إلى 12 كم² فقط وشرعت السلطات الأردنية بإعداد هيكل تنظيمي للمدينة إلا أن حرب حزيران أوقفت تنفيذ المشروع.

    مرحلة احتلال اليهود عام 1967م «مرحلة التهويد»

    في حزيران عام 1967م وفور احتلال اليهود لما تبقى من مدينة القدس صدر قرار بتاريخ 27/6/1967م يقضي بضم القدس بموجب الأمر 2064– وفي اليوم التالي صدر النظام رقم (1) لعام 1967م أخضعت القدس بموجبه للنظم الإدارية الإسرائيلية، ومنذ ذلك الحين تسارعت عملية التهويد وقد اعتمدت ثلاثة محاور: تهويد المرافق العامة والخدمات، ومحاولة القضاء على التراث الإسلامي الذي يمثل هويتها، ومصادرة الأراضي العربية لتغيير البنية الديموغرافية للمدينة.

    وفي البدء انقسمت توجهات الحكومة نحو مستقبل القدس والتعامل معها وفق أيديولوجية وعسكرية؛ فاتجاه يدعو لضم أوسع مساحة ممكنة من الأراضي، وآخر ينادي بضم الأجزاء الهامة فقط وتجنب مناطق الكثافة العربية، بينما يدعو الاتجاه الثالث وهو عسكري المنحى لضم المناطق ذات القيمة الاستراتيجية فقط، وفي نهاية المطاف تبلور اتجاه يتسق مع التوجهات الثلاثة ويأخذها بعين الاعتبار مجتمعة.

    وتطبيقاً لهذا الاتجاه المتسق مع كافة الخيارات فقد استقرت المنطقة المضمومة على 72 ألف دونم منها 6 آلاف دونم مساحة البلدة العربية، وتبلورت الاستراتيجية الصهيونية نحو القدس لتشمل السيطرة الجغرافية على أكبر مساحة منها وعزل التجمع السكاني العربي داخلها وتطويق المدينة بأحزمة استيطانية يهودية تصمم لتخدم الأغراض المدنية والعسكرية، هذا وقد اعتمدت الخطط الاستيطانية نحو المدينة أربع نظريات:

    1.    تعتمد على التركيز على مركز المدينة كبؤرة أساسية وإحاطته بعنقود من الضواحي الاستيطانية.

    2.    إنشاء سلسلة من المدن الصغيرة على حواف الجبال تحيط بالمدينة على شكل سوار.

    3.    التركيز على مركز المدينة باعتباره المدينة الأم، بحيث تحاط المدينة بحلقة من الطرق الرئيسية تتم تغذيتها من ستة مداخل مختلفة، وتصمم هذه المداخل على شكل أذرع تنتهي بضاحية استيطانية كبيرة.

    4.    تنادي باعتبار المدينة بكاملها مع ضواحيها وحدة مركزة واحدة مرتبطة بواسطة ثلاثة ممرات رئيسية هي الممر الغربي والشمالي والجنوبي.

    ويستشف من خلال هذه النظريات الأربع مجتمعة بأنها خطوات تمهيدية لتحقيق مشروع القدس الكبرى، واشتملت الخطط الاستيطانية في مدينة القدس من حيث التنفيذ على مراحل أو أحزمة استيطانية ثلاثة: الأول أنشئ على مشارف المدينة الشمالية والجنوبية ويضم 9 أحياء يهودية مشيدة وكأنها قلاع إسمنتية صماء، أقيمت على أراضٍ مصادرة مساحتها أكثر من 70 ألف دونم، وتوفر في إطار هذا الحزام حوالي 21,709 وحدة سكنية، سكنها حوالي 100 ألف يهودي، وأما الحزام الثاني: فقد أعلن عنه باسم مشروع بنفنستي ويضم في ما أعلن عن إطاره 15 مستعمرة استيطانية، بينما الحزام الثالث نشر في صحيفة دفار عام 1971م وتقضي هذه المرحلة بضم 9 مدن و60 قرية عربية وما يقارب 30% من مساحة الضفة الغربية، وسيشمل هذا الحزام مستعمرات استيطانية، وعلى نفس النسق هناك محور يعمل في قلب المدينة ويتمثل ذلك في حركة الاستيطان الشرسة ضمن نطاق البلدة القديمة.

    القدس الكبرى

    تخطط الحكومة الإسرائيلية لتوسيع أمانة القدس لكي تشمل 30% من مساحة الضفة الغربية، فقد نشرت صحيفة هآرتس في كانون الثاني 1994م تقريراً جديداً أعدته لجنة الخبراء المشتركة من الحكومة الإسرائيلية وبلدية القدس، ويحدد هذا التقرير مساحة المدينة بمستوطنة «بيت إيل» قرب مدينة رام الله شمالاً وحتى مدينة الخليل جنوباً، ومن مستوطنة «متسبيه يريحوه» قرب أريحا شرقاً وحتى مستعمرة «بيت شيمش» داخل الخط الأخضر غرباً، وقد أوصى التقرير المذكور بتوسيع وتكثيف البناء في مستوطنة «معاليه أدوميم» باتجاه مدينة القدس وربطها بتواصل أرضي مع مستوطنة «بسغات زئيف» شمال غرب المدينة مع حي «راموت» الاستيطاني، بالإضافة إلى شق طريق رقم (45) من «موديعين» شمال غرب القدس وحتى منطقة عطروت– قلنديا– شمالاً، ويستدعي ذلك مصادرة واسعة للأراضي العربية الواقعة في إطار هذه التوسعة.

    وعلى نفس الصعيد أقرت وزارات الدفاع والداخلية والإسكان الإسرائيلية خطة تقضي بإقامة تجمع استيطاني كثيف ومتصل من شرقي المدينة بين مستوطنة «معاليه أدوميم» وحتى منطقة مستوطنات غوش عتصيون في الجنوب، وقد صادق المجلس الأعلى للتنظيم في إدارة المدينة على تلك الخطة في 16/1/1994م، وتصل المساحة التي سيقوم عليها المجمع الاستيطاني إلى حوالي 5 آلاف دونم، وتمتد بمحاذاة الطريق المؤدي إلى القدس على مشارف قرى الزعيم والطور والعيسوية وعناتا، وسيطلق عليه اسم «غوش أدوميم».

    وبعد توقيع اتفاقية غزة- أريحا أولاً نشرت مؤسسة الأرض والمياه الفلسطينية العاملة داخل فلسطين المحتلة دراسة ذكرت فيها أن سلطات الاحتلال تقوم بإزاحة تدريجية للخط الوهمي الأخضر جنوبي الضفة الغربية في منطقة كفار عتصيون، حيث صادرت سلطات الاحتلال مئات الدونمات من أراضي قرية الولجة لشق الطريق رقم (60) الذي يصل كفار عتصيون بالقدس، كما صادرت 250 دونماً من أراضي قرية بتير و3 آلاف دونم من قرية نحالين بالإضافة إلى الدونمات التي صودرت من قرى الجبعة وحوسان وصوريف ووادي فوكين.

    وإمعاناً في سياسة تهويد المدينة، فقد أعد مسؤول الأمن في المجلس البلدي «ميشلوم عميت» في بداية العام الحالي خطة تقضي بإقامة 9 مراكز للشرطة في القدس الشرقية، وقد تم تخصيص 7 مبانٍ لهذا الغرض صودرت من أصحابها، وقد قدرت كلفة المشروع بحوالي 170 مليون دولار، ولعل أضخم المشاريع التي كشف عنها النقاب في مطلع العام الجاري، وتشكل حلقة هامة في مسلسل التهويد مشروع إنشاء خط حديدي يربط بين تل أبيب والقدس، بحيث يختصر المسافة بينهما إلى الثلث، ومن المتوقع أن تنفذه شركة «ترانزماك» الإنجليزية بعرض قيمته (477) مليون دولار، ويشمل المشروع إقامة 17 جسراً و4 جسور ونفقين وستكون طاقته الاستيعابية 26 ألف مسافر يومياً، وقد نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في شهر آب الماضي خارطة للقدس الشرقية مرفقة بإحصائية لعدد سكان الأحياء العربية واليهودية فيها، يتضح من خلالها تفوق عدد السكان اليهود على عدد سكانها العرب، إذ بلغ عدد السكان العرب 150,600 نسمة بينما بلغ عدد اليهود 152,600 نسمة.

    وبعد فوز الليكودي «أولمرت» برئاسة بلدية القدس، أصدرت «شعبة مراقبة البناء» التابعة للبلدية بلاغاً بأن السكان العرب قد أقاموا 438 مبنى خلال العامين 91 / 92م بدون تراخيص، لذلك من المتوقع أن تقوم سلطات البلدية بإزالتها.

    وتشير التقارير الصهيونية إلى أن مساحة منطقة القدس ستصل إلى 30% من مساحة الضفة الغربية، وهي تضم حوالي 180,000 وحدة سكنية تشكل 40 مستعمرة وحياً سكنياً يهودياً، ويخطط الخبراء الصهاينة الديموغرافيون لكي يصل عدد سكانها عام 2000 إلى حوالي المليون نسمة، وبحيث تكون نسبة اليهود منهم 75%، واستكمالاً لمخطط التهويد فقد أصدرت محكمة العدل العليا الإسرائيلية في أيلول الماضي قراراً يقضي باعتبار ساحة المسجد الأقصى أرضاً إسرائيلية ووضعها تحت وصاية منظمة أمناء جبل الهيكل الصهيونية، وأوصت بإيقاف عمليات الترميم التي تجري حالياً لمسجد قبة الصخرة.

    وبعد؛ فهذه نتف يسيرة من سيرة المدينة المقدسة الحالية في مسلسل الضياع المرير، فهي كما تشير كافة التقارير الإخبارية تفلت من أيدينا كل عام، بل تلتهم كل يوم وحتى كل ساعة. وأمام هذا الصمت الرهيب من قبل العالمين العربي والإسلامي وتأجيل بحث مصيرها في المفاوضات الجارية حالياً بين المنظمة وإسرائيل؛ فهل تكون مدينة الإسراء في نهاية المطاف غرناطة أخرى؟

     

الرابط المختصر :