العنوان موضوع الغلاف (العدد 1334)
الكاتب خالد شمت
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1999
مشاهدات 79
نشر في العدد 1334
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 12-يناير-1999
لأول مرة في تاريخ سويسرا انتخاب هيئة ممثلة للمسلمين
خصوصية سويسرية التركيبة السياسية حيادية.. والمجتمع متعدد الثقافات والديانات.. والشعب ليس لديه أي خلفية عدائية للإسلام
حادث الانتحار الجماعي بمعبد الشمس لفت انتباه السلطات بقوة إلى أهمية الدين
برن: د. محمد الغمقي
في التاسع والعشرين من شهر نوفمبر الماضي، تمكنت الجمعيات الإسلامية في سويسرا من انتخاب هيئة ممثلة للمسلمين «اتحاد للجمعيات الإسلامية» لدى السلطات الرسمية برئاسة إسماعيل أدمي وهو من أصل ألباني.
وتعتبر هذه البادرة خطوة مهمة في اتجاه إثبات وجود الحضور الإسلامي في أوروبا والغرب عمومًا، على طريق الانتخاب القاعدي بين أعضاء الجمعيات الإسلامية وهو أسلوب كفيل بنجاح مثل هذه التجربة.
وقد جاءت انتخابات الجمعيات الإسلامية تتويجًا لجهود كبيرة دامت أكثر من سنة قامت بها لجنة تحضيرية سعت إلى تجميع الصف وتقريب وجهات النظر في قضية تمثيل المسلمين.
وقد تمت مناقشة القانون الأساسي للاتحاد في اجتماع يوم ۱۱/۲۹ والذي حدد أعضاء المجلس الإداري بين تسعة إلى خمسة عشر عضوًا، كما تمت في هذه الجلسة المصادقة على تكوين مجلس إداري يضم تسعة أعضاء.
ومن هذا المنطلق، اعتبر الاجتماع المذكور، اللقاء الأول والتأسيسي للهيئة العمومية لاتحاد المنظمات الإسلامية في سويسرا، وتقرر إعطاء مهلة ستة أشهر لإتمام الترتيبات الإدارية واستكمال وضع الهيكل الإداري للاتحاد بما في ذلك المكتب التنفيذي المنبثق عن مجلس الإدارة، وكذلك مختلف اللجان المختصة، على أن يعقد في شهر مايو أو يونيو القادمين اجتماع عادي للهيئة العمومية بكامل أعضائها.
وتطرق النقاش إلى ملابسات إقصاء الأحباش والحركات الصوفية التركية من عضوية الاتحاد بالرجوع إلى القانون الأساسي للاتحاد الذي وضع نوعين من الإجراءات التحوطية لضمان سلامة الاتحاد من الداخل من التشويش والبلبلة على أساس مذهبي، وذلك بالتأكيد على ضرورة موافقة مجلس الإدارة والجمعية العمومية على عضوية أي جمعية جديدة، وكذلك لا يتم إقصاء أي جمعية إلا بموافقة ثلاثة أرباع أعضاء مجلس الإدارة.
ثم تم انتخاب رئيس الاتحاد لمدة سنتين وكانت الرئاسة من نصيب إسماعيل ادمي، وهو من مواليد تاتيفو بجمهورية مقدونيا ومقيم في سويسرا منذ 8 سنوات ويعمل مهندسًا ومتزوج وله ولدان ويتولى الأمانة العامة للجمعية الإسلامية الألبانية في بادن «سويسرا». وقد صرح لمجلة المجتمع بعد انتخابه، بأن الأمر الذي دفعه للمشاركة وقبول هذه المسؤولية، هو حرصه على أن تصل الدولة السويسرية إلى الاعتراف بالدين الإسلامي مثل الديانات الأخرى، وحتى لا يبقى المسلمون مستثنين.
وحول التحديات قال إن أكبر المشكلات التي ستواجهه هي ما يتعلق بالاختلافات في الأفكار والمذاهب داخل الجالية المسلمة، ولكن شدد على أن التعامل مع هذه الإشكالات سيكون «بعدم الدخول في الفرعيات» والتركيز على كيفية العيش في هذا البلد -سويسرا- باعتبارهم مسلمين بما يرضي الله -سبحانه وتعالى-»
من ناحيته عبر الشيخ يحيى بإسلامه مدير المؤسسة الثقافية الإسلامية بجنيف وأحد أعضاء المجلس الإداري الممثلة للمسلمين في سويسرا في تصريح لمجلة المجتمع عن استبشاره بالنتيجة التي تم التوصل إليها بعد الجهود التي بذلتها اللجنة التحضيرية لمدة سنة.
وأوضح أن اللجنة استطاعت أن توجد بعض الأمور التي ليس حولها خلاف وتحفظ المصالح المشتركة للجالية مثل المقابر والمدارس، وأكد أهمية الاهتمام بالجيل الناشئ الذين تتضاعف أعدادهم، وأن يكون المسؤول عن الهيئة مستقبلًا بعد خمس سنوات من المسلمين من أصل سويسري.
كما حضر الاجتماع السيد إبراهيم صلاح «من أصل مصري» وهو مقيم في سويسرا منذ حوالي ٤٠ سنة وله علاقات جيدة من الجهات الرسمية التي تستشيره في القضايا المتعلقة بالدين الإسلامي، وبالجالية المسلمة في هذا البلد، وصرح المجتمع بأن التجربة التي تعيشها سويسرا محاولة لتنظيم المسلمين ولإيجاد تمثيل لهم محترم ومقبول لدى السلطات وعلى المستوى الأوروبي وأشار إلى الصعوبات المتعلقة بالاختلاف في القوميات بين المسلمين، وكذلك الاختلاف في القوانين بين حكومة محلية وحكومة أخرى داخل الفدرالية السويسرية فيما يتعلق بالتعامل مع المسلمين.
وأشار إلى أنه مع ارتفاع تعداد الجالية المسلمة في هذا البلد، تولدت قناعة لدى السلطات بأن المسلمين باقون ومستقرون، فكان الاتجاه نحو التعامل الإيجابي معهم، وفي هذا الإطار جرت مناقشات على أعلى مستوى في الدولة خرجت بقناعة بأن الأشخاص المتصدرين للعمل الإسلامي أناس ناضجون ومعتدلون في آرائهم، وأن المساجد هي أحسن ضمان لحماية المجتمع، وأن روادها من الأخيار ولا يعرضون الأمن الاجتماعي للدولة إلى خطر، ومن هنا برزت فكرة تنظيم المسلمين، وعبرت السلطات عن رغبتها في تشكيل هيئة ممثلة لهم ولم تحدث أي محاولات للتدخل من الجهات الرسمية في عملية الانتخاب.
د. محمد كرموص رئيس رابطة المسلمين في نيوشاتيل لـ المجتمع:
انتخابات الهيئة الجديدة خطوة تاريخية نحو اندماج المسلمين اندماج المسلمين في المجتمع
اعتبر د. محمد كرموص رئيس رابطة المسلمين في مدينة نيوشاتيل اختيار هيئة ممثلة للمسلمين في سويسرا حدثًا تاريخيًا وقال إنه يمثل خطوة تاريخية نحو الاندماج الإيجابي للمسلمين في المجتمع السويسري، والاعتراف الرسمي من قبل السلطات بالجالية المسلمة ككيان ومؤسسات وليس كدين فقط.
وقدم د. كرموص شرحًا في حواره مع المجتمع لطبيعة المجتمع السويسري وطريقة تعامل المسؤولين السويسريين مع الجاليات، ونظرتهم للإسلام، كما طرح رؤيته لأولويات العمل الإسلامي في المرحلة المقبلة خاصة بعد مولد الهيئة الجديدة.
ما تقييمكم لعملية انتخابات هيئة ممثلة للمسلمين برئاسة السيد إسماعيل آدمي؟
ما حصل هو حدث نوعي متميز والحمد لله أن وفقنا إلى تحقيق هذه الخطوة التاريخية -بعد محاولات عديدة فاشلة- لإيجاد جهة رسمية ممثلة للجالية، وهي مبادرة جماعية جاءت في وقتها، كما أنها خطوة إلى السعي نحو الاعتراف بالجالية كمؤسسات وكيان وليس فقط الاعتراف بالإسلام كدين، ولعل هذا يقدم خدمة كبيرة للجالية بالدفاع عن حقوقها من خلال هيئة رسمية.
ما خصوصيات الجالية المسلمة في سويسرا؟ وهل تتصورون أن الحل الذي تم التوصل إليه لتمثيل المسلمين في هذا البلد سيقضي على الخلافات الداخلية؟
الجالية تركيبتها معقدة، وأغلبها من الألبان أقدم وأكبر جالية، ثم الأتراك والبوسنيين، ثم العرب والصوماليين والأسيويين، وأخيرًا السويسريين وليس هناك تنسيق بين هذه المجموعات وأفضل خيار هو أن يكون هناك ممثل واحد، واختيار ألباني رئيسًا للهيئة الممثلة سيخدم الجالية أفضل من أن يكون الرئيس من أصل عربي، وهناك توجه نحو الاندماج بإيجابية أكثر في المجتمع، والجيل الثاني مازال عدده ضعيفًا، لكنه في تزايد ويحتاج إلى توجيه صحيح حتى يخرج منه المواطنون الصالحون البعيدون عن الانحرافات الأخلاقية المتنافية مع الإسلام.
يبدو أن السلطات السويسرية الفيدرالية تتعامل إيجابيًا مع الملف الإسلامي، بماذا تفسرون هذا التوجه؟ وهل هو نفس توجه سلطات المحافظات؟
أنا أقدر في المسؤولين السويسريين انفتاحهم، وحسن تعاملهم مع الجالية المسلمة وعدم تأثرهم المباشر ببعض الأحداث في أجزاء من العالم الإسلامي، ويقوم تعاملهم على الإنصاف والعدل والسعي في بعض الأحيان في خدمة الجالية وفتح الأبواب أمامها، ومن ناحيتنا تعمل من أجل الوصول إلى تفاهم أكبر وتعاون أفضل بين السلطات والجالية.
وأعتقد أن هذه خصوصية سويسرية، فالمسؤولون على مستوى عال من الوعي والشعب السويسري لم يكن شعبًا مستعمرًا أو مستعمرًا فهو نظيف الخلفية وليس له عـداء تـجـاه الإسلام والمسلمين، والتركيبة السياسية حيادية والمجتمع متعدد الثقافات والديانات واللغات، وهو بذلك مؤهل للتعايش مع المسلمين وبقية الأديان والثقافات في إطار القانون، فالشعب والسلطات كلاهما واثق من نفسه ولديه الإمكانات التي تجعله لا يخشى من الأقليات.
وعلى سبيل المثال، ففي المقاطعة التي أعيش فيها «نيوشاتيل»، هناك انفتاح كبير على المسلمين وتنسيق مع السلطات، ومنذ أكثر من سنتين تكونت «لجنة اندماج» يشترك فيها ممثلون عن الدولة وعن المسلمين وآخرين، ومهمة هذه اللجنة دراسة واقع المسلمين في هذه المحافظة أو المقاطعة وتحقيق بعض طلباتهم ووضع الخطوات الأساسية لاندماجهم.
فالمسألة بأيدينا نحن المسلمين، وإذا كنا كجالية في المستوى المطلوب فستجد الأبواب أمامنا مفتوحة، ونحن واثقون في الاندماج الإيجابي وعدم البقاء في حالة تقوقع، والحمد لله فإن نسبة العنصرية ضعيفة أو قليلة في سويسرا، وإن كانت منطقة سويسرا الفرنسية المسماة- Suisse Ro mande متأثرة نوعًا ما بالسياسة الفرنسية في التعامل مع الملف الإسلامي بمنظور علماني خاص وهذا ما يفسر بعض العراقيل في مدينة جنيف من طرف السلطات التي رفضت إعطاء مقبرة للمسلمين على عكس ما حصل في مناطق سويسرا الإيطالية والألمانية، وفي مدن برن وزوريخ وبازل، وحتى مشكلة الحجاب نجحنا في تطويقها عن طريق الاتصال بكل مديري المدارس لتوضيح الأمر لهم وقبول الفتيات بالحجاب.
بعد اختيار هذه الهيئة الممثلة للمسلمين ما توقعاتكم لطريقة تفاعل مختلف الأطراف مع المجتمع السويسري معها؟
أعتقد أن التفاعل سيكون في عمومه إيجابيًا سواء من السلطات أو من المجتمع المدني وعلى رأسه الجمعيات المسيحية أما على مستوى الجالية المسلمة نفسها، فإنها سترحب بهذه المبادرة عدا الأحباش وبعض الفرق الصومالية.
ما الأولويات التي يجب في تقديركم التركيز عليها في المرحلة القادمة بعد الانتهاء من تأسيس الهياكل الممثلة للمسلمين؟
من الأولويات وضع آليات اندماج الجالية حتى يصبح الاندماج حقيقة وذلك عبر تكثيف الاتصال بالسلطات والتفاهم معها حول العديد من القضايا، الأولوية الثانية تدريس الإسلام في المدارس والتركيز على موضوع المناهج، وهذا ما شرعنا في القيام به في محافظة نيوشاتيل، حيث بدأنا في مراجعة منهاج التدريس من أجل الوصول إلى تعليم رسمي للإسلام، مثل الديانتين اليهودية والنصرانية، وقد شعرت السلطات بأهمية هذه المسالة بعد أحداث الانتحار الجماعي، فيما يسمى بالمعبد الشمسي وبروز ظاهرة فقدان المرجعية، فتم الاتفاق على إعطاء الحد الأدنى من التعريف بالأديان السماوية في المدارس من أجل ترك المجال للشباب المتعلم لاختيار عن وعي ما يراه صالحًا وهذا يفترض أن يكون المدرسون محايدين والأولوية الأخرى تخص موضوع المقابر الخاصة بالمسلمين، وقد حصل تقدم في هذا الأمر، لكنه يحتاج إلى دعم.
موضوع الغلاف
فرنسا: تمثيل المسلمين يصطدم بصخرتي الخلافات الداخلية وتدخلات الإدارة
باريس: المجتمع
مقارنة بما حدث في سويسرا وبلجيكا من انتخاب لهيئة ممثلة للمسلمين في كل من البلدين تبدو فرنسا متأخرة في هذا المجال لأسباب عديدة منها ما يعود إلى المؤسسات الإسلامية وعدم قدرة بعضها على تجاوز الخلافات والقبول بمبدأ التعددية، ومنها ما يعود إلى السلطات التي كرست عدم حياها في كل المحاولات السابقة عن طريق تدخلها بشكل أو بآخر في توجيه مبادرات تمثيل المسلمين بما يخدم مصالحها أو على الأقل بما تتصور أنه يضمن لها مصالحها.
وتجدر ملاحظة أن الاختلافات الثقافية والجغرافية داخل الجالية المسلمة لا تقل اتساعًا وعمقًا عما هو الحال في بقية الأقطار الأوروبية أو في جلها بعبارة أخرى فإن تركيبة المسلمين في فرنسا تتقارب وتتشابه في ملامحها العامة على المستوى الأوروبي، والاختلاف الجوهري هو في حجم هذه الجالية التي تتراوح من ثلاثة إلى خمسة ملايين مسلم على حسب المصادر فالمصادر الرسمية تؤكد أن عدد المسلمين في فرنسا بلغ عام ۱۹۸۷م ۳,۰۱۰,۰۰۰يوزعون حسب الجنسيات كالتالي:
- جزائريون: ۹۰۰ آلف.
- مغاربة ٤٠٠ ألف.
- تونسيون: ۲۰۰ آلف.
- أتراك: ۲۰۰ ألف.
- أفارقة ١٠٠ ألف.
- إيرانيون ٦٠ ألف.
- فرنسيون من أصل مغاربي مليون.
- فرنسيون من أصل أوروبي: ۱۰۰ ألف.
- آخرون ٥٠ ألف
وارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 4 ملايين مسلم عام ١٩٩٥م، وقد يكون هذا العدد المهم سببًا في حد ذاته في تعطيل تنظيم المسلمين بعد تشتتهم في مساحة واسعة، لكن لم يمنع ذلك من تواجد فئات الجمعيات التي تحتضن نسبة من هذا العدد وتطور العمل المؤسساتي في فرنسا متمثلًا في بروز تكتلات من الجمعيات تحت رايات متعددة، ومن أبرز هذه التجمعات: اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، واتحاد الأتراك والأفارقة، ومسجد باريس والفيدرالية العامة لمسلمي فرنسا وجماعة الدعوة والتبليغ.. وتطور العمل في مرحلة ثالثة في اتجاه وجود جسور تواصل وعلاقة بين هذه التجمعات واتخذت هذه العلاقة طورًا شكل الفيدرالية، وطورًا آخر شكلًا تنسيقيًا، مع احتفاظ كل طرف بحرية الهيكلة والتوجه، ونجحت هذه الصيغة في إيجاد نوع من التقارب في وجهات النظر، وكذلك كانت وعاء لتبني مواقف مشتركة لصالح الجالية على الأقل في مسألة الإعلان عن بداية شهر رمضان المعظم وعن عيدي الفطر والأضحى.
وفي المقابل، لم تنجح مثل هذه المحاولات لتنظيم المسلمين في فرنسا في التحول إلى كيان ممثل لهم وكانت المحاولات تصطدم بصخرتي الخلافات الداخلية والتدخلات من الجهات الرسمية.
والمتأمل في المسألة الأولى يرى أن الاختلاف ثنائي الأبعاد مرتبط بالأشخاص والتوجهات.. فهناك عائق الحساسيات الشخصية بين هذا المسؤول عن هذه الجمعية أو المنظمة أو تلك، وخاصة بين بعض الوجوه المعروفة في أوساط الجالية المسلمة وخارجها، وهناك خصوصية لمسجد باريس في الخلافات فقد أسس عام ١٩٢٦م، وأخذ موقعًا متميزًا بحكم عامل الزمن بالإضافة إلى تعامل الجهات الرسمية مع هذه المؤسسة «المسجد» بسياسة معينة توحي بأنها الممثل الوحيد للمسلمين في هذا البلد، والجدير بالذكر أن المسؤولين عن هذه المؤسسة يتصرفون بهذه الصفة وهذا الأمر يمنع من التحاور على أساس الندية بين مختلف الأطراف المشاركة في المجالس ذات الطابع التنسيقي، بل إن هذه الخلفية تعد من المعوقات الأساسية أمام تمثيل حقيقي للمسلمين في فرنسا وخاصة أن مسجد باريس هو الطرف الوحيد الذي تتعامل معه إحدى الإذاعات العربية الكبرى في باريس ذات الصدى الواسع في أوساط الجالية العربية والمسلمة في فرنسا وخارجها إذاعة الشرق وتنقل هذه الإذاعة خطبة الجمعة أسبوعيًا من هذا المسجد دون سواه، وفي كل المناسبات والأحداث المهمة تتحاور مع المسؤولين عن هذه المؤسسة دون سواها وتنقل وجهات نظرهم على مدى واسع، وهذا التأثير الإعلامي الضخم ساهم في تكريس الصورة السابقة الذكر وهي أن مسجد باريس هو الممثل للمسلمين في فرنسا.
ولإبراز صفته التمثيلية، يسعى مسؤولو هذا المسجد إلى استقطاب عدد كبير من الجمعيات الإسلامية وهي جزائرية في معظمها، ذلك أن هذه المؤسسات عرفت بأنها قريبة في توجهاتها إلى الجهات الرسمية في الجزائر، وبالتالي تؤثر هذه المسألة على المسلمين في فرنسا مباشرة باعتبار حجم الجالية الجزائرية «الأولى من حيث الترتيب»
في المقابل فإن بقية الأطراف المكونة للنسيج المؤسساتي للعمل الإسلامي في فرنسا تسعى من ناحيتها إلى توسيع قاعدتها وتحسين صورتها لدى الجالية المسلمة وكسب مصداقية لدى الجهات الرسمية من أجل إحداث ميزان قوى يعدل من هيمنة مسجد باريس ويتجه نحو تعامل ندي بين كل المؤسسات دون اعتبارات تاريخية، وأهم نقطة يجتهد كل طرف لتوضيحها تتعلق بمسألة الانخراط في هموم الجالية وخدمتها وعدم الولاء لجهات خارجية والخطاب يركز على التفريق بين الولاء والتعاون خاصة فيما يتعلق بتلقي التبرعات من مصادر خارجية وهذا الموضوع محل جدل داخل أوساط الجالية ومتابعة من طرف الإدارة الفرنسية، فهذه الأخيرة تريد مراقبة مصادر تمويل الجمعيات والمنظمات الإسلامية معبرة عن تخوفها من ضغوط جهات سياسية خارجية عبر تمويل الأطراف إسلامية عاملة في الساحة الفرنسية.
ومع التطور الجاري داخل الجالية المسلمة وبروز توجه نحو الاستقرار ونشأة أجيال جديدة يرتبط مستقبلها بهذا البلد وتكريس فكرة توطين الإسلام في ديار الغرب أصبح موضوع تمثيل المسلمين في فرنسا مطروحًا بشدة وبمنظور جديد يقوم على أساس إيجاد تفاعل بين المواطنة والحفاظ على الهوية الدينية في إطار دولة علمانية، وتضغط الأجيال الصاعدة على مشرفي المؤسسات الإسلامية من أجل تجاوز الخلافات الشخصية وتكثيف الجهود فيما يخدم المصلحة العامة، وقضايا المسلمين الذين يعيشون كأقلية في هذا المجتمع كغيره من المجتمعات الغربية ومن ناحية أخرى، يشتد الضغط على الإدارة من أجل التزامها بالحياد الإيجابي بعدم تمييز طرف على آخر أو إقصاء أي طرف وبمساعدة المسلمين على تكوين هيئة تمثلهم دون التدخل في شؤونهم.
ويبدو أن مؤسسات المجتمع المدني المتخصصة ذات التوجه الإسلامي تقوم بدور فعال في هذا الاتجاه، فقد برزت في السنوات الأخيرة مؤسسات شبابية ونسائية وطلابية أحدثت ديناميكية وحركة وعي في أوساط الجالية وساهمت عبر أنشطتها في بلورة قناعات لدى المسؤولين في الإدارة وفي المؤسسات الإسلامية بضرورة الإسراع في حل مشكلة تمثيل المسلمين على قواعد صلبة مع إدراك أن الطريق مازالت طويلة وشاقة أمام تقبل العقلية الفرنسية لتواجد الإسلام والمسلمين كطرف يتمتع بكامل الحقوق داخل المجتمع مثل غيره من التعبيرات الدينية والأخذ بالاعتبار خصوصية العلمانية الفرنسية والرواسب التاريخية في علاقة فرنسا بالمسلمين والمؤشرات تدل على أن عامل الزمن يفعل فعله والأصداء الإيجابية من داخل القضاء الأوروبي في موضوع تمثيل المسلمين ستؤثر بحول الله على العقلية الفرنسية.
هولندا: من تعمير المساجد إلى مقاعد البرلمان
أمستردام: المجتمع
قلة عدد سكانها، ومعدل تناقصهم المستمر، إضافة إلى الموقع الجغرافي الذي تتميز به هولندا كدولة ساحلية اشتهر شعبها باللطف واعتدال الطباع، جعل المجتمع الهولندي من أكثر المجتمعات الأوروبية تسامحًا مع الأجانب وتقبلًا لهم وهو ما تمثل في إنشاء الحكومة لوزارة خاصة بالأجانب هي وزارة المدن الكبرى والأقليات، كما سمحت السلطات الهولندية للأجانب بالتصويت في الانتخابات المحلية حتى إن كانوا غير حاملين للجنسية الهولندية، ومن المرجح أن يوافق البرلمان الهولندي قريبًا على السماح لهم أيضًا بالتصويت في الانتخابات العامة «البرلمانية»، هذا الانفتاح على الأجانب انعكس إيجابيًا على الجالية الإسلامية وهي أكبر جالية أجنبية في هولندا، إذ تقدرها الإحصائيات الرسمية بحوالي ٦٠٠ ألف نسمة، وتقفز المصادر الإسلامية بالعدد إلى ۹۰۰ ألف نسمة معظمهم من الإندونيسيين والملاويين، لكن الشريحة الكبرى منهم هم المغاربة والأتراك.
ويتمتع المسلمون في هولندا بجملة من الحقوق والمزايا قلما تحظى بها جالية مسلمة في أي بلد أوروبي آخر، والمثال الحي على ذلك هو تمثيلهم المتنامي في المجالس الشعبية.. فبعد أن كانت الجالية الإسلامية ممثلة في البرلمان السابق بثلاثة نواب، أصبح لها خمسة نواب في البرلمان الحالي، ثلاثة منهم لديهم عاطفة إسلامية ملحوظة بعض الشيء، وفي المجالس المحلية الهولندية يقدر عدد المسلمين بأربعين عضوًا يمثلون نسبة 4% من أعضاء هذه المجالس، ومن بين هؤلاء الأعضاء عدد من النساء المسلمات المحجبات، وإذا كان الحجاب مدعاة للاستغراب عند بعض شرائح المجتمع الهولندي فهو لا يمثل أي مشكلة في دوائر العمل الحكومية والخاصة، وبصفة عامة فإن نسبة تمثيل المسلمين على المستوى السياسي المجال الهولندي تصل إلى ٣% أما في التعليمي فهناك ۲۹ مدرسة ابتدائية إسلامية موزعة على كل المدن الهولندية وجميع هذه المدارس ممولة من قبل الحكومة الهولندية، ويتلقى التلاميذ المسلمون في هذه المدارس مناهج هولندية إضافة إلى منهج الدين الإسلامي، واللغة العربية للتلاميذ العرب واللغة التركية للتلاميذ الأتراك، وقد وافقت وزارة التربية على إنشاء أول مدرسة ثانوية إسلامية في مدينة روتردام وتشير الإحـصائيات الرسمية إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة الطلاب المسلمين في الجامعات الهولندية وتفوقهم.
وفي المجال الإعلامي تعتبر وسائل الإعلام الهولندية صورة مكررة لمثيلاتها وشقيقاتها الأوروبيات من حيث تحيزها ضد الإسلام وتقديمها صورة نمطية سيئة ومتحيزة ضد العرب والمسلمين، ويرجع الخبراء الإعلاميين تكريس هذه الصورة لسبيين هما: وجود لوبي يهودي قوي مندمج في المجتمع الهولندي منذ ٥٠٠ عام، وارتفاع نسبة الجريمة بين الشباب المسلمين، لكن هذا التحيز الإعلامي ضد المسلمين يقابله في الجانب الآخر مزية إعلامية مهمة يتمتع بها المسلمون من خلال شبكة إذاعة وتلفاز المسلمين التي تمولها وزارة الثقافة الهولندية بميزانية سنوية تصل إلى مليوني ونصف المليون دولار، ويتم بث برامجها باللغات العربية والتركية والهولندية، وترأس هذه الشبكة السيدة فاطمة العتيق، وهي مغربية محجبة وتعمل أيضًا كمستشارة لوزير الداخلية الهولندي للشؤون الإسلامية والأقليات، إضافة لكونها عضوة في المجلس المحلي لمدينة أمستردام، وقد يبدو مما سبق أن أوضاع الجالية الإسلامية في هولندا نموذجية، وهذا صحيح بالنسبة للحقوق التي ينالها المسلمون بالمقارنة مع ما تناله الجاليات المسلمة في البلاد الأوروبية الأخرى، لكن الحقيقة هي أن هذه الجالية الإسلامية في هولندا تعاني من انقسام شديد يشتت جهودها ويضيع حقوقًا أكثر كان يمكن أن ينالها المسلمون في حالة اتحادهم مثل الدعم المالي من الحكومة الهولندية للمساجد التي يقدر عددها بأكثر من ٣٥٠ مسجدًا ويعاني معظمها من مشكلات مالية خطيرة بسبب رسوم الإيجار المرتفعة، كذلك فإن اتحاد الجالية في هيئة واحدة سيساعد في إقامة عدد من المقابر الإسلامية، وهو ما ترفض الحكومة الهولندية تنفيذه إلا إذا اتحدت الجمعيات الإسلامية في هيئة واحدة، لكن احتمالات هذه الوحدة تبدو الآن مستبعدة في ظل انقسام الجمعيات الإسلامية وضعفها وعجزها عن حل المشكلات الموجودة، وبالرغم من حدة هذه المشكلات، فهناك مؤشرات عديدة تدعو للتفاؤل أهمها سعي الأجيال الجديدة للنهوض بأوضاع الجالية، ورغبتهم في تطوير أداء المساجد والمؤسسات الإسلامية بصورة متكاملة مبنية على فقه الواقع لتحقيق اندماج واع في المجتمع يوازن بين المصلحة والهوية الإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل