; التيارات والطوائف اليهودية المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان التيارات والطوائف اليهودية المعاصرة

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1994

مشاهدات 68

نشر في العدد 1101

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 24-مايو-1994

  • ·       اليهود الأرثوذكس هم أكبر الطوائف ويؤمنون بأنهم شعب الله المختار وينبغي انفصالهم وتميزهم عن البشر

    ·       الاستيلاء على فلسطين والكراهية لغير اليهود والاعتقاد بنقاء الدم اليهودي هي الأصول التي تسيطر على يهود "الحسديم"

    إن البنية النفسية والعقلية اليهودية تحتم التفكك والتشرذم، ولذلك فإنه يمكن اعتبار الانقسام العنوان الرئيسي للحياة اليهودية بشعبها الدينية والاجتماعية والسياسية، وذلك لأن التراث اليهودي ليس وحيًا خالصًا كما أنه ليس فكرًا بشريًا محضًا، ومن هذه النقطة بالذات نخرتهم آفة الانقسام، أضف إلى ذلك عامل الشتات الذي كان له أثر فاعل في صبغ الجماعات اليهودية بسمات خاصة حسب الأقاليم الجغرافية التي تسكنها وظروفها المحلية، ومن خلال المد الصهيوني المتصاعد في المنطقة نرى ضرورة إلقاء الضوء على التيارات والطوائف اليهودية المعاصرة وحجم ومكانة كل منها داخل الكيان الصهيوني.

    الطوائف اليهودية القديمة

    برز في تاريخ اليهودية قديمًا طوائف متعددة من أقدمها الطائفة الصدوقية، وقامت تلك الفرقة على أساس قبول اليهودية كمعتقد ديني فقط، والعيش كأفراد عاديين مندمجين مع غير اليهود، وهم من المؤمنين بضرورة الحصول على الملذات الجسدية، ولا يؤمنون بالبعث ولا يعترفون بالتلمود والمسيح المنتظر ويعتبرون أن عزرا هو ابن الله. أما الفرقة المناوئة فهي طائفة الفريسيين، وهؤلاء هم الذين جمعوا العهد القديم «التناخ»، وتعتبر اليهودية الأرثوذكسية الحالية امتدادًا لفكرهم.

    ومن الفرق اليهودية القديمة، فرقة ظهرت في القرن (2) قبل الميلاد ويطلق عليهم الأسينيين «الحسديم القدماء» وقد مارس هؤلاء حياة اشتراكية، وحرموا الملكية الفردية والتجارة واستبدلوها بالمقايضة، وكانوا لا يأكلون اللحوم ويكرهون الزواج، وقد آمنوا بالحياة بعد الموت، وبالقضاء والقدر، وحرموا الرق، وفي عام 1948م تم الاطلاع على معلومات كثيرة عنهم، وذلك عن طريق الاكتشاف الذي تم في كهوف قمران قرب البحر الميت. ومن فرقهم السامرية، ومازالت هذه الطائفة موجودة حتى الآن؛ أتباعها لا يؤمنون إلا بالتوراة ولا يعترفون بنبي بعد موسى عليه السلام سوى يوشع بن نون.

    وفي العالم الإسلامي ظهرت الفرقة «القرائية» ومؤسسها هو عنان بن داود، وتتميز هذه الفرقة بتأثرها بالإسلام، لذلك فهي لا تؤمن إلا بالتوراة فقط ولا تعترف بالتلمود، بالإضافة إلى طوائف أخرى كالأبيونيين والقنائيين والغنوصيين «الصابئة» واليودجانية والمارانوس (اليهود الإسبان) والفلاشا واليهود الهنود الذين يطلقون على أنفسهم «بنو إسرائيل».

    التيارات الرئيسية المعاصرة

    اليهودية الأرثوذكسية:

    تشكلت الأرثوذكسية اليهودية كردة فعل ضد الاندماج والذوبان في الوسط غير اليهودي وهي امتداد لليهودية التلمودية، وتأكيدًا لذلك يقول أحد رجالاتها الحاخام «هيرست»: «إن قوانين التوراة الكثيرة والمعقدة، ومبادئها العديدة كلها أعطيت لإسرائيل وحدها، حتى يتم انفصالها وتمييزها عن البشر»(1).

    وترى هذه الطائفة أن اليهودية دين عملي ونظام حياة، وأن لليهود 613 واجبًا ليعملوا بها، والتلمود مقدس لديهم ومصدره إلهي، وهم يدعون لتطبيق القوانين اليهودية «الهلاخا» في حياة اليهود داخل إسرائيل، وتؤمن الأرثوذكسية بعودة المسيح المنتظر، وبأن اليهود هم شعب الله المختار، ولا يسمحون باختلاط الجنسين أثناء الصلاة، أو زيارة النساء حائط المبكى.

    وتقدر نسبة الأرثوذكس في إسرائيل بـ 40% من عدد السكان، وقد انقسمت هذه الطائفة إلى جناحين رئيسين: الحسديم «المتصوفون» والمتنغديم «التشريعيون».

    الحسديم «المتصوفون»

    وتعود أصول هذه الطائفة إلى الحاخام «إسرائيل إليعازر» وقد أسسها في العقد الرابع من القرن 18 في ليتوانيا، وتمثل الحسيدية أحد أجنحة الأرثوذكسية اليهودية بالرغم من العداء السافر فيما بينهما، والفكر الديني لهذه الحركة يقوم على نظرة الحلولية اليهودية التي تمزج بين الشعب والأرض والخالق، وتبالغ في العلاقة ما بين العضو التابع والحاخام أو الأب الروحي «الصديق»، ومن هنا فقد غشيتها انقسامات كثيرة، حيث التفت كل فئة حول صديقها الذي يسمونه «الأدمور».

    وقد طورت هذه الطائفة طقوسًا دينية خاصة بها تختلف عن طقوس «اليهودية التلمودية» وتستخدم في طقوسها الموسيقى والرقص ويؤدي أتباعها الصلاة بصوت عالٍ، مع ممارسة الغناء والتصفيق، وقد استقلوا بأماكن عبادتهم والتي تسمى «شتبيلخ». أما مصدر فكرهم الديني فهي فلسفة «القبالا» والتي تعتبر مزيجًا من التعاليم الدينية التصوفية والشعوذات والتنجيم والسحر، وأكبر حاخامات هذه الطائفة في إسرائيل الحاخام «إليعازر شاخ»، وأشهر تشكيلاتها التنظيمية منظمة أغودات إسرائيل، ومحور عقيدة الحسديم «أن الله موجود في كل مكان، وأن على الإنسان أن يغوص في أعماق ذاته، ويرتفع ويتسامى على حدود الكون والطبيعة حتى يتمكن من الحلول (التوحد) مع الله الموجود في كل مكان». ويسيطر على هذه الطائفة مفهومان أصيلان في عقيدتهم: حب أرض فلسطين «أرض إسرائيل»، والكره الشديد لغير اليهود والاعتقاد بنقاء الدم اليهودي وتميزه.

    اليهودية الإصلاحية «اليهودية الليبرالية»

    ويمكن اعتبار قول شاعر هذه الطائفة «يهودا غوردون» شعارًا لهذه الطائفة «كن يهوديًا في بيتك، وإنسانًا خارج بيتك»، وتعود الجذور التاريخية لهذه الطائفة إلى «موسى مندلسون» المولود في ألمانيا عام 1729م والذي يعرف اليهودية بأنها: «نظام طقسي يقوم على الوحي الإلهي، وعلى القانون الأخلاقي المستمد من العقل»(2).

    ومن هنا فإن هذه الطائفة لم تنكر العقائد الغيبية في الدين، ولكنها تعتبر أن العقل هو الأساس في التعامل مع التراث اليهودي، ولذا فلم يعترف مندلسون بحقائق أزلية خارجة عن نطاق العقل، وعلى صعيد آخر فقد آمن مندلسون بالفصل بين الدين والدولة، ويرى بأن العقيدة مسألة روحية لا دخل لها بالدولة حيث يقول: «أيها اليهودي وافق على دستور الدولة، واعمل بجميع عادات البلد الذي تحل فيه.. وبقوانينه.. ولكن في الوقت نفسه كن أمينًا على دين آبائك وأجدادك»(3).

    ويعتبر أتباع هذا الفكر اليهودي من دعاة الاندماج مع الشعوب الأخرى، وطوروا فكرهم المعادي لعقائد الحسديم «القبالا» وأصبحت أفكارهم تسمى «الهسكلاة»، أي التنوير.

    وقد هاجم دعاة الهسكلاة جمود التراث اليهودي واعتبروه مغرقًا في الغيبية واللاتاريخية، لذلك فقد هاجموا فكرة المسيح المخلص وأسطورة العودة إلى فلسطين، وطوروا عقيدة الخلاص التلمودية إلى مفهوم انتشار العدالة بين شعوب البشرية، والأهم من ذلك فإن الإصلاحيين لم يعترفوا بقداسة التلمود وبأن مصدره إلهي، ولكنهم ينظرون إليه كنتاج بشري خالص يأخذون منه ما يصلح للعصر ويردون منه غير ذلك ولا يعترفون بتميز الشعب اليهودي «الشعب المختار».

    وقد قاوم الإصلاحيون الحركة الصهيونية في بداية نشأتها، ولكنهم عادوا وأوجدوا صيغة للتفاهم معها، وتورد إحصائيات عام 1978م بأن عددهم في إسرائيل بلغ حوالي 900 شخص فقط ولهم فيها 12 كنيسًا منتشرة في بعض المدن، وهم على عداء سافر مع الطائفة الأرثوذكسية في إسرائيل والتي تستولي على زمام الأمور خاصة فيما يتعلق بالمؤسسات الدينية، حيث لا تعترف بهم دار الحاخامية الرئيسية في الدولة، حتى إنها لا تعترف باليهود الذين اعتنقوا اليهودية في الخارج على يد حاخامات إصلاحيين، ويقدر عدد أفراد هذه الطائفة في الولايات المتحدة ما بين 1.5 - 2 مليون يهودي ولهم فيها 850 كنيسًا.

    اليهودية المحافظة «اليهودية التاريخية»

    جاءت اليهودية المحافظة للتوفيق بين اليهودية الأرثوذكسية والإصلاحية، لكنها في نهاية المطاف أفرزت كتيار ثالث، وتدين هذه الطائفة لأفكار الراب «زكريا فرانكل» المولود عام 1801م، والذي يتلخص فكره بمقولة أن اليهودية في العصر الحديث يمكن أن تستمر من خلال البحث العلمي المستند إلى أسس تاريخية ووضعية، ووضع شرطين للإصلاح هما: إجماع الأمة، والعلم.

    ويقوم الفكر الديني لهذه الطائفة على أسس رئيسية ثلاثة:

    الأولى: «الوحدة في التنوع» أي ضرورة أن يجتمع اليهود ضمن إطار واحد مع الاحتفاظ على تنوع فكرهم الديني.

    الثانية: «اليهودية التاريخية الوضعية» أي إن التراث اليهودي يجب أن يخضع للفحص وهو قابل للتعديل بحسب نفس الطريقة التي مر بها عبر الأجيال السالفة، واستصدار قوانين جديدة منه تلائم روح العصر، وهذا ما يعنون به بـ«الوضعية».

    الثالثة: «الأمة اليهودية» ويعتقد أتباع هذه الطائفة بأن الأمة اليهودية مزيج من ثالوث مقدس ومتساوٍ: هو الشعب والتوراة والإله؛ إذ لا يتصور أن يتأتى وجود لأحد رؤوس هذا المثلث دون وجود الرأسين الآخرين. وهذه النظرة مخالفة لنظرة الأرثوذكسية التي أظهرت الإله على التوراة والشعب، بينما غلبت الإصلاحية الشعب على طرفي التوراة والإله. وبخصوص الطقوس الدينية فإن المحافظين يجيزون الصلاة بغير اللغة العبرية وذلك حسب ثقافة اليهودي، وطالبوا أتباعهم بلباس القلنسوة «اليرمولك» ووضع الشال «التاليت» على الأكتاف أثناء الصلاة، ويسمحون بأن تصبح المرأة «رابا».

    ويتنازع هذه الطائفة تياران رئيسيان: الأول وهو التيار المتغلب حاليًا ويمثله فئة المتحررين، بينما التيار الثاني يمثله التقليديون. وعن علاقة هذه الطائفة بالحركة الصهيونية ودولة إسرائيل فتعتبر هذه الطائفة من أكثر التيارات الدينية قربًا من الفكرة الصهيونية، وبالرغم من ذلك فإن الحاخامية الرئيسية في إسرائيل لا تعترف بها وترفض اعتماد عقود الزواج والمتهودين وكافة الإجراءات التي تتم تحت رعاية الحاخامات المحافظين.. ويقدر عدد اليهود المحافظين في إسرائيل بحوالي 1500 شخص فقط بينما يبلغ عددهم في الولايات المتحدة حوالي 3 ملايين نسمة.

    اليهودية الإنشائية «التجديدية»

    برز هذا التيار الموجود في الولايات المتحدة في بداية القرن الحالي وهو في حقيقته يتبع اليهودية المحافظة، وقد تأثر هذا التيار بأفكار الرابي «مردخاي كابلان» ومحور الفكر التجديدي يقوم على إيجاد صيغة دينية تلائم حياة اليهود الأمريكيين للتعايش مع المجتمع الأمريكي.

    وبخصوص نظرتهم للتراث فقد آمن التجديديون بأن الإله لا يعلو على المادة والعلم، ولهذا فهم يرون بأن إرادة الإله المقدسة تتحقق من خلال التقدم العلمي، أما الدين فهو في منظورهم اختراع بشري مثله مثل الفن واللغة.

    وحول أزمة اليهودية مع الحضارة المعاصرة يقول حاخامهم «كابلان»: إن التصادم بين اليهودية وحضارة العصر لم يعد مستساغًا، لذا فعلى اليهودية أن تطور نفسها لتكون متلائمة مع روح العصر.

    ويعتقد «كابلان» بأن اليهودية ليست مجرد دين بل هي حضارة دينية، مع أنه أنكر فكرة الوحي الإلهي وآمن ببشرية التراث اليهودي، ويخالف «كابلان» رأي التيار الإصلاحي القائل: إن اليهود ليسوا شعبًا وإنما هم جماعة عرقية، لذا فإنه يقدس التراث اليهودي بدلًا من تقديسه الإله.

    ولأن هذا التيار صيغ على أساس تعايش اليهود مع الوسط الأمريكي، فقد رأى «كابلان» بضرورة بقاء الأقليات اليهودية في العالم، وهو يرفض بشدة هجرة كافة اليهود في العالم إلى إسرائيل لأنه يعتقد بأن بقاءهم في الخارج يشكل السند المادي والمعنوي لمشروع أرض «إسرائيل».

    وفيما يتعلق بطقوسهم الدينية فقد ظهر أول كتاب صلاة خاص بهم في عام 1945م وفي عام 1968م تم تأسيس أول كلية لتأهيل الحاخامات حسب مفاهيم هذا التيار، وبصورة عامة فإن طقوس اليهودية التجديدية مقاربة لطقوس اليهود المحافظين، ولا يوجد لهذه الطائفة في إسرائيل إلا كنيس واحد ويقع في مدينة القدس ويسمى «طالبي الطريق».


    عقيدة المسيا «المسيح المخلص»

    يقول التلمود: «لما يأتي المسيح تطرح الأرض فطيرًا وملابس من صوف وقمحًا.. وفي ذلك الزمن ترجع السلطة لليهود، وكل الأمم تخدم ذلك المسيح وتخضع له..»(4).

    إن هذه العقيدة من أهم أركان الفكر الديني اليهودي ولذلك قال الدكتور جوزيف باركلي في كتابه الأدب العبري: «إن قضية المسيح هي من أهم قضايا اليهود على الإطلاق»(5)، وقد نشطت الكتابات عن المسيح المخلص «المسيا» أثناء السبي البابلي نظرًا لحاجة اليهود الماسة لمخلص ينقذهم من سبيهم آنذاك، وتقول المصادر التلمودية بأن هذا «المسيا» سيكون من نسل داود عليه السلام وسيقيم دولة اليهود في فلسطين ويعيد بناء الهيكل، ومع ظهوره سيحكم اليهود العالم، وتنص تعاليم التلمود على أن «المسيا» لا يظهر إلا بعد قيام حرب عالمية رهيبة يهلك فيها ثلثا سكان العالم، ويسمى التلمود هذه المعركة بحرب التنين، وتذكر الكاتبة الأمريكية جريس هالسيل في كتابها «المؤامرة على الأقصى» كيف استطاع اليهود إقناع أكثر من عشرة ملايين أمريكي من الإنجيليين بأن هذه المعركة الرهيبة ستحدث في فلسطين، ويسميها هؤلاء باسم «هرمجدون».

    ويقدر أهمية عقيدة «المسيا» في الفكر اليهودي بقدر ما أثارت من جدل فكري حولها في الوسط الديني، فقد ظل اليهود طوال ثمانية عشر قرنًا وعلى مدى قرابة ستين جيلًا يعتقدون بأن عودتهم إلى فلسطين تعتمد على ظهور المسيح وتخليصه لهم، أي أن نظرتهم للخلاص كانت «أسطورية»، وقد بني هذا الاعتقاد على نصوص تلمودية وتوراتية، ولكنه في نهاية القرن الثامن عشر ظهرت مدرسة جديدة تفسر هذه العقيدة بطريقة أخرى، حيث ظهر كل من الحاخامان «يهودا القلعي» و«تسفي كاليشر» وأخذا بالدعوة للخلاص الذاتي وعدم انتظار «المسيا».

    وقد تجاوز هذان الحاخامان هذه العقيدة وتناولا ركيزتين هامتين أخريين في الفكر الديني اليهودي ألا وهما: الأرض الموعودة والشعب المختار، وكانت أفكارهما انطلاقًا للصهيونية الدينية، ومع ذلك فقد عارضت الطوائف الدينية اليهودية هذه الدعوة في البداية، ومع مرور الزمن ونجاح هرتزل العلماني في حركته «الصهيونية السياسية»، فقد اضطر المتدينون للمشاركة في العمل مع الحركة الصهيونية، وقد انقسم هؤلاء إلى جناحين من حيث التعامل مع الصهيونية: جناح تعاون معها وحاول التوفيق بين جهود الصهيونية السياسية وما بين التراث الديني اليهودي وسمي هؤلاء بالصهيونيين الدينيين، ويمثل هذا التيار في الحياة السياسية الإسرائيلية أحزاب وحركات منها حزب المفدال وحركة تامي ومتساد وغوش إيمونيم وحركة كاخ وغيرها. وجناح آخر عارض الفكرة الصهيونية لكنه اضطر بعد قيام دولة «إسرائيل» للتعامل مع الحياة السياسية واشترك في اللعبة السياسية ويتمثلون في الحياة السياسية الإسرائيلية بأحزاب أغودات إسرائيل وديغل هتوراة وشاس وغيرها، ويطلق عليهم في إسرائيل معسكر «الحريديم»، ولكن هذا التيار لا يشكل نسيجًا واحدًا، فقد انشقت عنه طائفة ما زالت تقاطع الدولة وترفض ممارسة الحياة السياسية وتعلن كفر دولة إسرائيل ويطلق عليهم اسم «ناطوري كارتا» «حراس المدينة».

    ومما يجدر ذكره أن الطائفة الإصلاحية قد هاجمت عقيدة «المسيا» واعتبروها فكرة أسطورية وفسروا عقيدة الخلاص التلمودية بأنها انتشار العدل بين الشعوب غير اليهودية وليس ذلك مرهونًا بالعودة لأرض الميعاد. وأغرب تفسير لعقيدة المسيح المنتظر ما يدعو له مفكرو غوش إيمونيم أمثال الحاخام كوك، حيث يرى هذا الحاخام بأن المرحلة الحالية التي يعيشها اليهود في إسرائيل هي مرحلة الخلاص السياسي متمثلة بظهور «المسيح بن يوسف»، وبعد فناء الصهيونية العلمانية الحالية التي تمثل الخلاص السياسي سيظهر «المسيح بن دافيد» الذي سيكون على يديه الخلاص الحقيقي المنتظر، ويمكن تصور حدة الجدل المحتدم حول هذه العقيدة من خلال كلمات البروفيسور اليهودي «يشعياهو ليبوفتش» حيث يقول: «لا يحق لأحد التحدث عن بداية الخلاص إلا إذا كان على اتصال بالله، وبما أنه ليس لأحد اتصال كهذا، فإنه ليس من حق أحد القول أننا نسير نحو الخلاص»(6).


    المتدينون اليهود والدولة أزمة أيديولوجية

    ينظر المعسكر الديني بكافة تياراته لدولة إسرائيل على أنها ليست دولة دينية «توراتية» بل يعتبرونها دولة علمانية، ولكنهم انقسموا إلى تيارين من حيث التعامل معها:

    الطائفة الأولى: المتدينون الصهيونيون وهؤلاء انخرطوا في الحياة السياسية قبل وبعد قيام إسرائيل، وهؤلاء يعتقدون بأن إسرائيل بصورتها الحالية شكل من أشكال الخلاص المنتظر، ويسندون تأييدهم للدولة رغم علمانيتها بقول أحد العلماء الوارد في التوراة القائل: «إن الله يفضل أن يعيش أبناؤه في أرضهم حتى ولو لم ينفذوا تعاليم التوراة، على أن يعيشوا في المنفى وينفذوا تعاليمها»، ويقول الحاخام تسفي كوك «كل خطيئة في إسرائيل مقدسة حتى ولو كانت ضد مشيئة الرب»(7) ويقول إن: الجيش الإسرائيلي كله مقدس، لأنه يمثل حكم شعب الله على أرضه وملكوت السموات تتجلى حتى في عهد حكم دافيد ابن غوريون «العلماني»(8).

    أما الطائفة الثانية: فيمثلها اليهود اللاصهيونيون «الحريديم» وهؤلاء منذ البداية عارضوا الفكرة الصهيونية لأنها تتناقض مع عقيدة الخلاص التي تقضي بأن العودة لأرض الميعاد يجب أن تكون بعد ظهور «المسيا» وليس قبل ذلك، ولكن «الحريديم» بعد قيام إسرائيل اضطروا للمشاركة في الحياة السياسية رغم استمرارهم باعتقاد عدم شرعية دولة إسرائيل توراتيًا وتلموديًا، ويمثلهم حاليًا في الحياة السياسية الإسرائيلية أحزاب أغودات إسرائيل وشاس وديغل هتوراة وغيرها، ورغم محاولة التوافق من قبل المتدينين الصهيونيين مع الحكومة الإسرائيلية إلا أنهم يتحالفون مع المعسكر الحريدي ضد الحكومة فيما يتعلق بالمسائل الدينية أو القضايا التي لها مساس بالقيم الدينية، ومن أمثلة ذلك دستور الدولة الذي يرفض المتدينون بكافة طوائفهم أن يكون علمانيًا، وبسبب هذا الرفض فقد وصلت الكنيست عام 1950م إلى حل وسط بأغلبية «50» صوتًا ضد «38» يدعو إلى تأجيل البت في مسألة الدستور إلى إشعار آخر، وما زالت إسرائيل حتى الآن بدون دستور بسبب هذا الخلاف.

    ومن أكثر الأمور حساسية مسألة التربية والتعليم، إذ إنه بسبب علمانية التعليم في الدولة فقد استقلت الطوائف الدينية بمدارس خاصة بها مثل مدرسة بني عقيبا ومركاز هاراف الدينيين وجامعة بار إيلان، وعلى صعيد هذه المسألة فقد نشبت أزمة سياسية بين المتدينين وحكومة رابين بسبب استلام شلوميت ألوني من حزب ميرتز اليساري لوزارة التربية وتصريحاتها المعادية للدين، وقد اضطر رابين في نهاية المطاف لإجبار ألوني على ترك وزارة التربية... والمسائل التي يختلف فيها المتدينون مع الحكومة كثيرة منها ما هي قضايا مؤجلة هروبًا من الصراع والبعض منها يتفجر بين الفينة والأخرى، وأهمها مسائل السبت والخدمة العسكرية، والأطعمة، والذبائح، والمرأة والزواج المختلط وقوانين الآثار والحفريات وقانون التشريح وزراعة الأعضاء، وقانون حقوق الإنسان ولعل من أكثرها خطورةً «قانون: من هو اليهودي»؟ ورغم أن المتدينين لا يشكلون أكثر من 15% من المجتمع الإسرائيلي في مقابل 30 - 35% من العلمانيين و50% من المحافظين «التقليديين» لكنهم يتمتعون بنفوذ واسع في الحياة السياسية الإسرائيلية، ومن خلال ضغوطاتهم المستمرة فإنهم يوجهون في كثير من الأحيان سياسة الحكومة الإسرائيلية الداخلية والخارجية على حد سواء.


    المتدينون والأرض والسلام.. الأرض الموعودة

    حول الموقف من الأرض هناك جدل محتدم في الأوساط اليهودية، وخاصة عندما طرحت مسألة السلام، وذلك بعد عقد اتفاقيات كامب ديفيد. يقول أحد مفكري التيار الديني الحاخام تسفي كوك حول مسألة الأرض والسلام: «إن من الخطيئة والحرام تسليم أرض إسرائيل للأغراب، وإن من يفكر بتسليم أرض إسرائيل للأغراب يفتقر إلى الإيمان لأن التوراة نصت على عدم تسليم أراضينا للأغراب إلى الأبد...». وقد عقد اجتماع لخريجي مدرسة «مركاز هاراف» الدينية في القدس، فوجه الطلاب الخريجون ثلاثة أسئلة لمئات الحاخامات الذين حضروا الاجتماع وكانت الأسئلة على هذا النحو:

    • هل يسمح حسب تعاليم التوراة التخلي عن مناطق محررة من «أرض إسرائيل»؟
    • هل يسمح التخلي عن مناطق خوفًا من استيعاب عدد كبير من العرب داخل حدودنا؟
    • هل يجب أن يرغمنا الضغط الدولي على الانسحاب؟

    وكانت أغلب إجابات الحاخامات: «يجب عدم التخلي عن أي شبر من أرض إسرائيل»(9).

    ويرى المتدينون أن التمسك بالأرض أو الانسحاب منها يجب أن يكون مبررًا توراتيًا وذلك لأن الأرض والتوراة والشعب ثالوث مقدس يجب أن لا ينفصم، وترجمة لذلك يقول الحاخام غولدبرغ: «بغية بقائنا في تلك المناطق يجب أن تفرض التوراة على أمم العالم على أنها وثيقة سياسية لكي يرى الأجانب ما يجري هنا بفعل الإرادة الإلهية الكبيرة»(10).

    وترسيخًا لروح هذا المعنى يقول الحاخام موشى ليفنجر: «إن القوة التي كانت وراء تحرير الضفة الغربية وسيناء عام 1967م لم تكن سوى قوة الإله»(11)، وغالبًا ما تمثل هذه الآراء موقف التيار الديني الصهيوني.

    ورغم ذلك فإن الوسط الديني ليس على قلب رجل واحد نحو هذه المسألة، فهناك تيار تمثله القوى الدينية اللاصهيونية «الحريديم» مثل حزب أغودات إسرائيل وحزب شاس وديغل هتوراة، ويقف على رأس هذا التيار الحاخامان شاخ وعوفاديا يوسف وملخص رأيهم يقول بأن الإنسان اليهودي ودمه أغلى من الأرض، ومن هنا فإنه في رأيهم يجوز التنازل عن جزء من الأرض إذا كان في ذلك حقنًا لدماء اليهود، وأول من أعلن رأيًا بهذا الخصوص الحاخام «شاخ» الذي برر وجهة نظره قائلًا: «لا يجب علينا أن نركز اهتمامنا على المناطق المحتلة، إن شعب إسرائيل ليس كسائر الأمم وفي معظم سنوات وجودنا لم تكن لنا أراضٍ خاصة باستثناء الفترة القصيرة نسبيًا التي أقمنا خلالها في أرض إسرائيل»(12). وتبعه في تبني هذه الدعوة الحاخام بيرتز زعيم حزب «ديغل هتوراة» والحاخام الشهير عوفاديا يوسف الذي صرح أثناء زيارته للقاهرة عام 1989م بأنه «يمكن بموجب الشريعة اليهودية التنازل عن مناطق في أرض إسرائيل إذا كان استمرار السيطرة عليها يؤدي إلى سفك الدماء»، ولكن هذا التيار يواجه معارضة شديدة في الوسط الديني وخاصة من قبل الصهيونيين الدينيين وحاخامات دار الحاخامية الرسمية في إسرائيل، ويعتبر التيار الرافض هو المتغلب في الوسط الديني حاليًا.


    الأحزاب والحركات الدينية الصهيونية

    • حزب همزراحي 1902م.
    • حزب بوعيل همزراحي 1922م.
    • الحزب الوطني الديني «المفدال» 1956م تحالف همزراحي وبوعيل همزراحي.
    • حركة كاخ «هكذا» 1972م «الحاخام كاهانا».
    • حركة غوش إيمونيم «كتلة الإيمان» 1974م.
    • تامي «حركة تراث إسرائيل» 1981م.
    • حركة متساد «الحاخام دروكمان» 1983م.
    • حركة أمرناه «النساء المتدينات» 1984م.
    • حركة مورشاه «التقاليد» 1984م «المخالف متساد - أوروت - مبرميل أفردات إسرائيل».
    • حركة أوروت «أضواء» 1984م «حنان بورات».
    • ميماد «حزب الوسط الديني» 1988م «الحاخام يهودا عميطال».
    • التوراة والبلاد «الحاخام موشي ليفنجر».

    الأحزاب والحركات الدينية اللاصهيونية «الحريديم»

    • حركة حباد 1788م.
    • أغودات إسرائيل 1912م.
    • منظمة الطائفة الحريدية 1921م.
    • هبوعيل أغودات إسرائيل 1922م.
    • حركة ناطوري كارتا «حراس المدينة» 1935م.
    • الجبهة الدينية التوراتية «1955م» اتحاد أغودات إسرائيل وهبوعيل أغودات إسرائيل.
    • الجبهة الدينية التوراتية «1973م» إعادة تشكيل التحالف وذلك لأن التحالف السابق لم يستمر طويلًا.
    • شاس «شرقيون محافظون على التوراة» 1984م الحاخامات «عوفاديا يوسف - آرييه درعي – شاخ».
    • ديغل هتوراة «علم التوراة» 1988م «الحاخام بيرتز».

    الهوامش:

    [1] - المتدينون في المجتمع الإسرائيلي - صلاح الزرو.

     [2] - المصدر نفسه.

     [3] - المصدر نفسه.

     [4] - الغزو اليهودي لفلسطين فكريا وخلقيا - حسين المهدي.

     [5] - عقيدة المسيح المنتظر وتعاليم التلمود د. محمد علي البار

     [6] - المتدينون في المجتمع الإسرائيلي صلاح الزرو.

     [7] - المصدر نفسه.

     [8] - المصدر نفسه.

     [9] - غوش إيمونيم - الوجه الحقيقي للصهيونية (داني روینشتاین) ترجمة: غازي السعدي.

     [10] - المتدينون في المجتمع الإسرائيلي.

     [11] - المصدر نفسه

     [12][13] - المصدر نفسه

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل