; التفجيرات النووية الباكستانية والأمن الإسلامي المفقود - باكستان حسمت خيارها بين «الأسد والنمر» | مجلة المجتمع

العنوان التفجيرات النووية الباكستانية والأمن الإسلامي المفقود - باكستان حسمت خيارها بين «الأسد والنمر»

الكاتب أمجد الشلتوني

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1303

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 09-يونيو-1998

أحدثت التفجيرات النووية الباكستانية هزات ضخمة في مختلف أنحاء العالم، وتوزعت ردود الأفعال على النقيضين ما بين الإدانة والشجب من دول العالم الكبرى التي سبق لها أن أجرت مئات التجارب النووية... إلى الصدمة التي أذهبت نشوة الفرح الهندي بالتفجيرات التي سبق أن فجرتها نيودلهي وأعادت إلى القيادة الهندوسية المتعصبة بعضًا من رشدها الغائب، فاعتدلت وعادت تدعو للحوار... إلى الشعور بالبهجة والارتياح على المستوى الشعبي في كثير من البلدان الإسلامية.

ووسط هذه المشاعر ثارت التساؤلات حول قيمة السلاح النووي لباكستان.. ومن يخدم؟ هل هو خاص بباكستان؟ أم أنه مظلة يمكن أن تستظل بأمنها بلدان إسلامية أخرى؟ وهل هناك ما يمكن تسميته الأمن الإسلامي؟ وكيف يمكن تحقيقه؟

«المجتمع» قامت بتغطية شاملة للحدث في هذا العدد الخاص، واستطلعت آراء خبراء استراتيجيين عسكريين ومحللين سياسيين في محاولة للإجابة عن التساؤلات السابقة.

هل هي قنبلة إسلامية؟

«فياجرا» باكستانية!

السيناريو الأمريكي للحرب

بين الهند وباكستان

«النووي» العربي ينتظر قرارًا سياسيًا

اختفت لهجة العنجهية والتعصب من نيودلهي بعد التفجيرات الباكستانية

بعد أكثر من أسبوع على التجارب النووية الباكستانية ما زالت النشوة الشعبية في ذروتها على الرغم من التنديدات الدولية والعقوبات التي هدد بفرضها بعض الدول أو فرضها بالفعل، ومما أسهم في رفع درجة الزهو الوطني مستوى التأييد والارتياح الذي لقيته التجارب في العديد من الدول الإسلامية على المستويين الرسمي والشعبي كما أن اللهجة المعتدلة التي بدأت تتحدث بها نيودلهي عن إمكانية إعادة فتح حوار مع إسلام آباد أكدت المفهوم الذي ظل راسخًا لدى قطاع عريض من الشعب الباكستاني من أن الحكومات الهندية لا تفهم إلا لغة القوة، وأن مخاطر الحرب قد استبعدت على نحو ما في هذه المرحلة بفضل تجارب باكستان.

حالة النشوة هذه قد تذوي خلال الأيام القليلة إذا ما تفاقمت الأوضاع الاقتصادية نتيجة للعقوبات، ولذلك تحرص الحكومة في أكثر من مناسبة على التذكير بإجراءات التقشف التي قالت إنها ستتبعها للحيلولة دون الانهيار الاقتصادي ومتابعة جدول سداد الديون التي تثقل كاهل البلاد.

بين الأمن والاقتصاد: خيار الأسد والنمر:

إذا كان ثمة عامل دفع بالحكومة نحو التروي في قرارات التفجير فلعله لا يكمن في الخوف من التنديدات الدولية بقدر ما يكمن في المخاوف على الاقتصاد الوطني من الشلل أو الانهيار، وبخاصة أن الوعود التي أطلقتها حكومة نواز شريف إبان الانتخابات بإنعاش الاقتصاد الوطني كانت الدافع الأكبر وراء فوز حكومته بتفويض واسع، ويلاحظ من خلال قراءة في النشاط الاقتصادي للعام المنصرم أن تقدمًا تحقق خلال السنة الأولى من وصوله إلى الحكم ويبدو الآن أن التفجيرات والعامل الأمني ستستحوذ على الاهتمام كما صرح شريف في خطابه المتلفز إلى الشعب بأن باكستان اختارت درب الأمن الوطني والعزة والكرامة، أي بمعنى آخر فإن درب التنمية الاقتصادية لن يكون من السهل تحقيقه في هذه المرحلة، وفي هذا الصدد تقول بعض التقارير إن الحكومة ستعيد النظر في المصاريف غير التنموية لتقلصها بنسبة قد تصل إلى ٥٠% كما تقول إن مشاريع عديدة باشرت في تنفيذها حديثًا ستتوقف حتى إشعار آخر، في إطار الأولويات الجديدة، وربما يعني ذلك عددًا من المشاريع الاقتصادية التي كانت الحكومة تعول عليها للتحول الاقتصادي وحسب أحد المراقبين، فإن باكستان بتفجيراتها النووية اختارت التحول إلى أن تكون أسدًا إقليميًا، فضلًا عن أن تكون «نمرًا اقتصاديًا». 

العملة الوطنية واصلت الانخفاض بمعدلات بطيئة منذ الساعات الأولى للتفجير فوصلت إلى ٥٠ روبية للدولار الواحد بعد أن كان الدولار يساوي خمسة وأربعين روبية قبيل التفجير، فيما انخفضت أسعار الأسهم في السوق المالية بكراتشي انخفاضًا كبيرًا في اليوم الأول من عمليات المتاجرة وهبط المؤشر الرئيس أكثر من ١٢% لدى إقفال السوق، إلا أن وزير المالية الأسبق علق على هذه التطورات بقوله: إن ردود الفعل الأولية لن تلبث أن تستقر عقب استقرار الوضع المالي للبلاد، موضحًا أن بلاده قد تلجأ إلى تسديد ديونها الخارجية بالروبية نظرًا لعدم توافر العملة الصعبة، وأن مثل هذا الوضع كان معمولًا به في حالة عدد من دول أمريكا اللاتينية، ومشيرًا في الوقت نفسه إلى أن العقوبات لن تكون فعالة بنسبة ٩٠% خلال العام الأول نظرًا لأن معظم المشاريع الأجنبية قد بدأ تنفيذها بالفعل.

الميدان السياسي: تهدئة أم تفجير؟

في الميدان السياسي ظل الحديث عن التهدئة وعروض المفاوضات بين باكستان والهند مقترنًا بأحاديث التهديد، فقد استبعدت باكستان إجراء المزيد من التجارب النووية وأعلنت استعدادها لإجراء تجربة ثانية على صاروخها «غوري» متوسط المدى القادر على حمل أسلحة نووية فيما أكد مصدر أمني إجراء تجربة ناجحة لصاروخ جديد متوسط المدى، حيث تم إطلاقه من قاعدة في «نهر جهلم» القريب من العاصمة إسلام آباد وسقط في صحراء بلوشستان، وبلغ مداه 2500 كم، وقد وصفت المصادر هذا الصاروخ بأنه ناجح، وأطلق عليه اسم «شاهين». 

كبير علماء الذرة الباكستانيين عبد القدير خان قال إن بلاده لديها القدرة على صنع رؤوس نووية تثبت على الصواريخ خلال أيام معدودات إذا اقتضت الضرورة، وأوضح خان أن قدرات باكستان النووية لم تزد من احتمالات نشوب حرب نووية، بل هي ضمان للسلام، لأن البلدين- الهند وباكستان- تعلمان مدى الدمار الذي يمكن أن يحصل إذا أقدما على استعمالها، وفي إطار الحديث عن السلام اشترط نواز شریف رئیس الوزراء الباكستاني في الوقت نفسه التوصل لتسوية عادلة لقضية كشمير، للدخول في حوار مع الهند، وتوقيع معاهدة عدم اعتداء، داعيًا المجتمع الدولي إلى الضغط على الهند للقبول بالتفاوض، كوسيلة وحيدة للحد من التوتر، وقال شريف لقد بدأنا مسيرتنا ونحن مصممون على الاستمرار، ولن نساوم أبدًا على أمننا، وأعرب وزير الخارجية الباكستاني جوهر أيوب خان عن اعتقاده بأن شريف سيلتقي نظيره الهندي آتال يهاري فاجبايي على هامش اجتماع قمة رابطة التعاون الاقتصادي الإقليمي لدول جنوب آسيا «سارك» والمقرر عقدها في كولومبو. 

وأشار أيوب خان إلى أن بلاده ستعيد النظر في سياستها الخارجية على ضوء تفوقها النووي وقال إن وزارة الخارجية أعدت مذكرة تتضمن سیاستها الخارجية في مرحلة ما بعد التفجيرات النووية، وسيتم تقديمها إلى شريف هذا الأسبوع، وفي نيودلهي استدعت الخارجية الهندية المندوب السامي الباكستاني وسلمته احتجاجًا شديد اللهجة على حادث الاعتداء الذي تعرض له دبلوماسي في المفوضية الهندية بإسلام آباد. 

وقالت الأنباء إن الاعتداء حدث على ما يبدو من جانب حارس أمن باكستاني يسكن بجوار منزل الدبلوماسي الهندي؛ حيث أصيب الأخير بجروح في رأسه وأدخل على أثرها المستشفى وفي الوقت نفسه تبادلت الهند وباكستان نيران الأسلحة الصغيرة على الحدود في ولاية جامو وكشمير المضطربة إلا أن مسؤولين قالوا: إن هذا ليس سوى حادث عادي، وفي نيودلهي قال بيان لوزارة الخارجية الهندية إن الهند دعت جميع الدول المسلحة نوويًا إلى إجراء مفاوضات مبكرة للتوصل إلى معاهدة بشأن الأسلحة النووية.

وقال البيان إن الهند مستعدة أيضًا لوضع إعلان فاجبايي التزام نيودلهي بوقف طوعي للتجارب النووية في «صيغة قانونية»، وأضاف: يمكن للمجتمع الدولي أن يطمئن إلى أنه لا توجد رغبة من جانبنا لتصعيد التوتر وأن باكستان لا تواجه أي تهديد من الهند.

المجال

الهند

باكستان

الديون الخارجية

نسبة الديون من إجمالي الناتج المحلي

الواردات المحلية للحكومة

احتياطات العملة الصعبة

۹۱ مليار دولار

25%

٩٠ مليارًا

29.5 مليارًا

٣٦ مليارًا

72%

7.2 مليارات

1.3 مليار

الرواية الباكستانية للمؤامرة الهندية- الإسرائيلية عشية التفجير النووي

نسبت مصادر صحفية باكستانية إلى مصدر أمني تفاصيل الغارة الهندية- الإسرائيلية المشتركة التي كانت طائرات البلدين تنوي شنها عشية التفجير النووي الباكستاني، وحسب هذه الخطة فإن ست طائرات إسرائيلية تحركت مساء يوم الأربعاء السابع والعشرين من مايو إلى مطار سي نجر عاصمة الجزء الذي تحتله الهند من کشمير قادمة من نيودلهي وكانت الخطة المرسومة أشبه ما تكون بالخطة التي نفذتها القوات الإسرائيلية إبان هجومها على المفاعل النووي العراقي ۱۹۸۲؛ بحيث توجه ضربات قاصمة للمركز النووي الباكستاني، قبل أن تبادر بالعودة إلى سري نجر مرة أخرى، وكان دور الطرف الهندي يتلخص في توفير الدعم اللوجستي وحرية استعمال مطاراتها ورسم خرائط واضحة للمنطقة، عن طريق معلوماتها الاستخبارية على أن يكون الهدف هو تدمير المنشآت النووية الباكستانية وشل قدرتها على إجراء أي تجارب نووية، وهو ما يعني استهداف محطة كاهوتا والتي تستعمل كمستودع للصواريخ الحديثة من طراز غوري التي أنتجتها باكستان واختبرتها منذ أسابيع.

 أجراس الإنذار وصلت إلى العاصمة الباكستانية مع الساعات الأولى بعد منتصف ليل الخميس وأصدرت الأوامر إلى أجهزة الأمن والقوات المسلحة باتخاذ كافة إجراءات الحذر القصوى وعادت الحياة إلى مقر وزارة الخارجية والدفاع في الليل، بينما بدأت طائرات سلاح الجو الباكستاني بالتحليق على مدار الساعة فوق العاصمة والأماكن الحكومية الحساسة مع أوامر واضحة للطيارين بإطلاق النار مباشرة على أي طائرات معادية قد تخترق المجال الجوي للبلاد خلال الليل.

قيادة الجيش اتصلت في ساعة متأخرة من الليل بالدكتور عبد القدیر خان رئيس مركز الأبحاث النووية الباكستانية وطلبت منه تسليم جميع الصواريخ التي يمتلكها المركز في مستودعاته لنشرها على طول الحدود مع الهند، وتم خلال ساعات قليلة شحن نحو ثلاثين منها إلى الحدود في عربات مكشوفة، في خطوة استهدفت توجيه تحذير لأي عمليات تجسس عبر الأقمار الصناعية ولإظهار عزم باكستان على الدفاع عن منشآتها بكامل طاقتها.

في هذه الأثناء كانت وزارة الخارجية تستدعي السفير الهندي في إسلام آباد لإبلاغه رسالة شديدة اللهجة تتضمن استعداد باكستان لإجراء التفجيرات النووية في قلب نيودلهي بدلًا من صحراء تشاغاي إذا ما وجهت حكومته أي ضربة لمنشآت باكستانية، ويبدو أن وصول الرسالة إلى نيودلهي ساهم في تهدئة الأوضاع الأمنية وإلغاء الهجوم حسبما تقول الرواية، فيما كانت باكستان أكثر تصميمًا على إجراء تجاربها في أسرع وقت ممكن لتفادي أي مغامرة هندية محتملة.

وجاء دور باكستان

أن يملك المسلمون أسلحة متقدمة فهو أمر لا يغتفر، أما أن يملك الهندوس الذين يتطلعون إلى القضاء على المسلمين، فأمر يجب أن يراعى، وقد هجم الضحك علينا، عندما رأينا وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي- ما عدا تركيا- قد امتلكهم الفزع وهم يمسكون بورقة تخبرهم أن باكستان قامت بتجربة نووية، وكاد وزير الخارجية الروسي فلاديمير بريماكوف يسقط على الأرض من أثر ذلك الخبر. وقال وزير الخارجية الألماني كلاوس كينكل: إن على باكستان أن تملك نفسها ولا تعمل هذه الأعمال وأمرت الحكومة الألمانية فورًا بوقف مساعدات التنمية لباكستان، بينما سكتت عن الهند والمعروف أن رئيس وزراء الهند هندوسي متطرف مثل الصهاينة في فلسطين، فالهندوس يحلمون بأن تكون مملكتهم من الهند إلى الفرات واليهود يريدون دولتهم من النيل إلى الفرات، وهمس صحافي في أذني قائلًا: إن باكستان تملك الآن قنبلة أصولية، فهنيئًا لكم أيها الأصوليون، لقد كنا في بروكسل قبل أيام في اجتماع دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» وذلك لتغطية اجتماع دول الحلف من أجل إيجاد حل للأزمة القائمة في كوسوفا والتعزيز من قوة الحلف الموجودة في مقدونيا وألبانيا وكان عنوان اجتماع الناتو «شراكة من أجل السلام» وأعلن وزراء الخارجية افتتاح مكتب للحلف في تيرانا العاصمة الألبانية والتعزيز من قوة حفظ السلام في مقدونيا، وقال وزير الخارجية الألماني كينكل: نحن نريد وقف المجازر في كوسوفا لأن هذا سيفجر منطقة البلقان بأكملها، ولكن أن نرسل قوات هجومية من الحلف توقف المجازر هناك، فإن الأمر يجب دراسته، لكن سكرتير الحلف خافير سولانا قال: إنه إذا لم يتصرف الناتو تصرفًا إيجابيًا لوقف العنف في كوسوفا فإن الجماعات الإسلامية ستمد يد العون إلى الألبان، وقال في كلمة مقتضبة إنه وصل إلى علم الحلف بأن جماعات من الأفغان وصلوا إلى الإقليم لمساعدة الألبان هنا، وحذر من حرب تأكل اليابس إذا ما نفد الأخضر، ولكن قيام باكستان بتجاربها النووية طغى على اجتماع دول حلف الأطلسي وساد وجوم على الساسة في أوروبا، وقال دبلوماسي يعمل في مبنى حلف شمال الأطلسي للصحافيين: إننا نخاف الآن من دولة فقيرة تعيش على ما نقدمه لشعبها من مساعدة، ونحن نخشى من هجوم إسلامي كبير على أوروبا وسنطالب أصدقاءنا في الدول الإسلامية بالضغط على باكستان لإلغاء تجاربها النووية وإلا فالقطيعة.. فهل تستجيب الدول الإسلامية الصديقة للحلف؟ نرجو بدلًا من ذلك أن تساند هذه الدول باكستان في محنتها الدولية.

محمد هيثم عياش- بروكسل

الرابط المختصر :