العنوان موضوع الغلاف: الانتخابات الإسرائيلية سباق الوجوه الكريهة
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1349
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 11-مايو-1999
أكثر من خمسين حزبًا إسرائيليًا سجلت نفسها لخوض انتخابات الدورة الخامسة عشرة للكنيست في 17 مايو الحالي، وهي الدورة التي كان يفترض أن تبدأ في شهر أكتوبر من العام القادم. وستتنافس هذه الأحزاب التي لن تدخل كلها حلبة المنافسة بالضرورة على جذب أصوات حوالي أربعة ملايين و٣٠٠ ألف إسرائيلي منهم حوالي ثلاثة أرباع مليون عربي. ويمثل عدد الناخبين هذا العام زيادة قدرها حوالي 9% على عددهم في انتخابات عام ١٩٩٦م
ويقف حزب موليديت على أقصى يمين الخارطة الحزبية في إسرائيل بينما يقف حداش، الحزب الديمقراطي الشعبي أو الحزب الشيوعي «راكاح» سابقًا على يسارها. إلا أن حزبين فقط منها ما زالا يتناويان السيطرة على دفة الحكم في الدولة العبرية منذ أكثر من عشرين عامًا: الليكود في منتصف النصف الأيمن، والعمل في منتصف النصف الأيسر من الخارطة الحزبية.
تحليلات كثيرة تتعلق باحتمالات فوز هذا الحزب أو ذاك في الانتخابات الإسرائيلية القادمة وتدخلات خارجية حذرة أو خجولة من بعض الدول والحكومات في سير العملية الانتخابية الأخيرة اتفقت كلها على تمني خروج نتنياهو وحزبه من الساحة السياسية لإفساح المجال أمام عودة الروح إلى عملية التسوية التي كتم نتنياهو أنفاسها. لكن التساؤل الذي له ما يبرره هو: هل غياب نتنياهو ومجيء الجنرال المتقاعد باراك سينعش آمال الفلسطينيين وعرفات وسلطته على وجه الخصوص بصحوة قوية لما يسمى بعملية السلام أم أن باراك سيكون أنكد من أخيه نتنياهو على النحو الذي سنشرحه بالتفصيل؟
وعلى الرغم من الاتفاق العربي على هذه الأمنية إلا أنه على حد زعم الكاتب الإسرائيلي زئيفي بارعل «هاآرتز» فإن اثنين من الزعماء العرب فقط سيصوتان لصالح نتنياهو لو أتيح لهما ذلك: الشيخ أحمد ياسين والشيخ حسن نصر الله زعيم حزب الله ولا لزوم للوقوف طويلًا أمام هذه الفرضية الإسرائيلية التي ربما يكون لها وجه من الصحة لأن مجيء سياسي إسرائيلي وقح من طراز نتنياهو لكي يحكم ويفضح عجز وإفلاس الطرف العربي المنافس والمندلق تجاه التسوية أبلغ وأفصح من مجيء باراك بقفازاته الحريرية التي تدغدغ مشاعر العرب السلامية، بينما في حقيقتها تقضي على آمالهم تدريجيًا دون أن يشعروا!
من يحكم الدولة اليهودية خلال السنوات الأربع القادمة، الليكود أم العمل؟ اليمين أم اليسار؟ سؤال يطرح نفسه مع كل انتخابات تجري هناك. ومع أن استطلاعات الرأي الصهيونية تشير إلى صعود مضطرد لليمين الإسرائيلي المتحالف مع الأحزاب الدينية المتشددة، إلا أن عدم وجود فارق كبير في مواقف اليمين واليسار الإسرائيلي وخصوصًا في مسألة التسوية مع العرب والفلسطينيين قد يعطي اليسار بزعامة العمل أملًا قويًا في العودة إلى واجهة الحكم ولا يستبعد تحالفه مع بعض الأحزاب الدينية التي لا يهمها وصول الليكود أو العمل بقدر ما تعنيها مصالحها والمنح الحكومية التي ستحصل عليها.
جدعون ليفي: كلما انكشفت الملامح السياسية لباراك أكثر فأكثر لاح الشبه بينه وبين نتنياهو
مع كل انتخابات إسرائيلية يزداد التشرذم داخل الصف الصهيوني وهو ما يثير فزع المراقبين الإسرائيليين الذين يتنبأون بأن تكون تركيبة الكنيست الإسرائيلي الخامس عشر التي ستتحدد في يوم ۱۷مايو الحالي نسخة عن مصيبة إيطاليا في برلمانها غير المستقر والتي تتفاقم يومًا بعد يوم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. ويحذر هؤلاء من أن عدم الاستقرار والتذبذب الذي أصاب كثيرًا من مظاهر النظام السياسي الإسرائيلي يمكن أن يؤثر على أسس «الحياة الديمقراطية»، في الدولة اليهودية. وبغض النظر عن الموقف العربي العام الذي يشكك بصدقية النظام الديمقراطي في الدولة العبرية، إلا أن هذه الديمقراطية قد أصبحت لعنة على يهود إسرائيل وربما سيكون لها الدور الرئيس في تقويض أركان هذه الدولة واجتثاثها.
وقد أرجع هؤلاء التشرذم الحاصل في الخارطة السياسية الإسرائيلية إلى النظام الانتخابي الجديد المتمثل بانتخاب رئيس الوزراء انتخابًا مباشرًا ومستقلًا عن انتخاب أعضاء الكنيست، وهو النظام الذي بدأ في عام ١٩٩٦ والذي جاء ببنيامين نتنياهو رئيسًا للوزراء ويتوقع أن يزداد التشرذم بعد أن فهم الناخبون الآن وأدركوا إمكان قسمة صوتهم إلى نصفين من حيث الولاء: الأول ينتخب نتنياهو أو باراك رئيسًا للوزراء والثاني ينتخب أحزابًا أخرى غير الليكود أو العمل في الكنيست وسيكون من شأن هذه الطريقة تراجع قوة الليكود والعمل داخل الكنيست أكثر وأكثر، بينما تزداد قوة الأحزاب الأخرى التي بينها كشاس وميرتس والقومي الديني وحزب الوسط الجديد.
تشابه بين باراك ونتنياهو
يوصف إيهود باراك زعيم حزب العمل الإسرائيلي بمواقفه الصفرية، على عكس ما يتصوره كثيرون من المطبلين لليسار الإسرائيلي فباراك رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق انضم إلى حزب العمل عام ۱۹۹۳م وقفز إلى سدة رئاسته بعد ثلاث سنوات فقط «!» وفي سجل باراك العسكري الإرهابي ما لا يستطيع أحد من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية ممن بقوا على قيد الحياة أن ينكروا به إخلاصه للدولة اليهودية وعداءه للفلسطينيين والعرب.
فهو قائد المجموعة التي اغتالت ثلاثة من قادة منظمة التحرير وحركة فتح في بيروت في إبريل عام ١٩٧٣م وهم أبو يوسف النجار، وكمال عدوان وكمال ناصر وقد تنكر باراك وقتها بزي امرأة «!» كما أنه كان قائد المجموعة التي هاجمت مطار عنتيبي في أوغندا عام ۱۹۷۷م لإطلاق الطائرة الإسرائيلية التي كان يحتجزها فلسطينيون هناك، وهو أيضًا قائد المجموعة التي اغتالت خليل الوزير «أبو جهاد» الرجل الثاني بعد عرفات في تونس عام ۱۹۸۸م وقد أضفى عليه ماضيه العسكري هالة بطولية ومنحه شعبية في صفوف الإسرائيليين. وحسب آخر استطلاع للرأي تقدم باراك على نتنياهو بثماني نقاط.
ويتشابه باراك مع نتنياهو في كثير من الخصال الشخصية كالطموح غير المحدود والاعتداد الشديد بالنفس والتصميم العنيد على الوصول إلى الهدف والانهماك في التفاصيل الصغيرة والانضباط كما يتشابهان في وضعهما الحزبي وفي مواقف سياسية معينة وهو ما جعل خصوم باراك الحمائميين في حزبه يطلقون عليه لقب «توأم بيبي».
ولا يريد باراك أن يكون واضحًا في تصنيف نفسه هل هو ضمن الحمائم أم الصقور؟ يقول: «إنني أشعر بأنني حمامة على المستوى الخلقي، وصقر على المستوى الوجودي. فعندما يتعرض كياني الوجودي للتهديد أنا صقر بمقدار ما هناك ضرورة لذلك لكن من ناحية ضرورة تطعيم وجودنا بمضمون من التسامح والتوجه الليبرالي والخلقي «!» فأنا قطعًا حمامة».
وبسبب تاريخه العسكري يشدد باراك على موضوع الأمن ويعتبر أن الفرصة الوحيدة لعودة حزب العمل إلى الحكم تكمن في كسب تأييد ناخبي الوسط في الخريطة السياسية وهي النسبة الأعظم من الناخبين الإسرائيليين الذين لا يحددون مواقفهم الانتخابية وفق الأيديولوجيا أو التعصب الحزبي بل يطمح باراك في كسب تأييد اليمين المعتدل والمتدينين المعتدلين وهو لذلك يوازن مواقفه السياسية تجاه ما يسمى بعملية السلام والقضايا الاجتماعية والاقتصادية وعلاقة الدين بالدولة. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف اتسم خطابه السياسي بالغموض والاقتصاد في شرح مواقفه السياسية وفي إحدى المقابلات الصحفية وصف باراك حزب العمل بأنه المعسكر القومي الحقيقي ويقول: «كنت دائمًا أقول لرابين لماذا تسمح لليكود ونتنياهو بتبني رؤية الأمن والسلام وهي في الواقع رؤيتنا نحن؟.. يزعجني أن الليكود دخل مربضنا الحقيقي الذي هو السلام والأمن، وهكذا نشأ الانطباع كأننا نصنع السلام على حساب الأمن لقد حان الوقت لتغيير ذلك ويعلق الكاتب الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي على مواقف باراك بقوله: «كلما انكشفت الملامح السياسية التفصيلية لباراك أكثر، لاح الشبه بينه وبين من يفترض أن يكون خصمه بنيامين نتنياهو».
الليكود والعمل: فروقات غير جوهرية
بصورة عامة لا توجد فروقات أو اختلافات كبيرة في سياسات الليكود والعمل ومواقفهما من القضايا المصيرية في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وخصوصًا القضايا الخطيرة المؤجلة إلى مفاوضات الوضع النهائي وهي القدس والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة، واللاجئون الفلسطينيون، والحدود والدولة الفلسطينية.
فالقدس عند الليكود والعمل هي «عاصمة إسرائيل الموحدة»، ولا مجال للتباحث حول مستقبلها أو المساومة عليها. وفي حين يرفض الليكود أي تواجد فلسطيني مؤسسي في القدس الشرقية المحتلة، يريد العمل وفق ما نصت عليه وثيقة بيلين- أبو مازن الموقعة بين حكومة العمل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام۱۹۹٥م تهدئة الجانب الفلسطيني من خلال ابتكار قدس جديدة تسمى القدس ALQuds باللغتين العربية والإنجليزية في ضاحية أبو ديس شرقي القدس العربية. أما القدس الشرقية بحدودها المعروفة والتي تضم الأماكن المقدسة المختلفة فتبقى حسب نص الوثيقة مع القدس الغربية المحتلة عام ١٩٤٨م عاصمة لإسرائيل تحت اسم جيروزاليم Jerusalaem وهو الاسم المتداول عالميًا وفي وثائق الأمم المتحدة وستظل الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية تحت السيطرة الإسرائيلية مع إعطائها وضعًا خاصًا يسمح لأبناء الديانتين بزيارتها.
وفي مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتطابق موقف الحزبين الإسرائيليين حيث يرفضان مبدأ البحث في إمكان عودة أي أعداد من اللاجئين إلى أراضيهم ويعني ذلك اتفاق الليكود والعمل على رفض قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بهذه القضية وخاصة القرار رقم ١٩٤ الذي ينص على عودة اللاجئين إلى أرضهم وتعويضهم.
أما قضية المستوطنات فلا توجد أيضًا اختلافات جوهرية بين الحزبين حولها. وفي حين ازداد سعار الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية في ظل حكومة نتنياهو حيث تقول مصادر فلسطينية إن المستوطنين أقاموا في الضفة الغربية ۱۹مستوطنة جديدة أو نقطة استيطانية منذ توقيع اتفاق واي ريفر في أكتوبر الماضي «!»، إلا أننا لا ننسى أن حزب العمل كان رائدًا بين جميع الأحزاب الإسرائيلية في موضوع الاستيطان خلال سنوات حكم رابين وبيريز. ولا يساوم الليكود في موضوع المستوطنات بل إن سياسته في هذا المجال تتمثل في خلق واقع جديد على الفلسطينيين لا يبدو أن السلطة الفلسطينية ستصمد أمامه طويلًا في مباحثات الوضع النهائي وتشير تصریحات شارون الذي يتولى شؤون الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية إلى استحالة تفكيك هذه المستوطنات أو الانسحاب منها بل سيتم ضمها رسميًا في الوضع النهائي إلى الدولة العبرية وهو ما تؤكده حمى مصادرة الأراضي الفلسطينية لأغراض شق الطرق الالتفافية لربط المستوطنات بالمراكز الحضرية الإسرائيلية.
ويرى العمل وفق وثيقة بيلين أبو مازن السابقة موقفًا لا يختلف كثيرًا عن الليكود حيث ستضم المستوطنات ذات الكثافة السكانية الكبيرة إلى الدولة العبرية بينما يحتفظ سكان المستوطنات الصغرى بحق ازدواجية الجنسية «!».
وقد أعلن باراك في إحدى المقابلات أن إسرائيل لها «كامل الحق في الاستيطان في الضفة الغربية» ونفى زعيم حزب العمل نظرية السلب التي يعترف بها حزب ميرتس اليساري «سلب أراضي الفلسطينيين»، حيث يدعي «نحن لم نسلب أيًا كان أي شيء. لدينا ارتباط عميق بهذه الأماكن وعندما اقترح التنازل عن ثلة معينة فإنني أفعل ذلك لأنني أريد زيادة الفرص لنشوء توازن مستقر بيننا وبين الفلسطينيين على النحو الذي يحافظ على النواة الداخلية لمصالحنا الحيوية. ومن أجل هذه المسألة المهمة لدي استعداد للنظر في عدم التطبيق الكامل لما اعتقد أنه حق لي»!
ويضيف أن خريطته السياسية تعني ضم حوالي٣٠ بالمئة من مساحة الضفة الغربية إلى إسرائيل «الليكود يريد ضم أكثر من ٧٠ بالمئة من الضفة».
وعلى الرغم من أنه في مؤتمر الحزب الذي عقد في مايو 1997م سحب اعتراضه على صيغة القرار التي تنص على عدم معارضة قيام دولة فلسطينية «ذات سيادة محدودة»، إلا أنه عاد واقترح في أيلول/ سبتمبر ۱۹۹۷م إقامة كونفدرالية إسرائيلية أردنية فلسطينية معتبرًا أن ذلك «أفضل من إقامة دولة فلسطينية مستقلة». وهو في هذا الجانب لا يختلف عن الليكود الذي يطرح مشروعًا شبيهًا إلى حد ما. وهو يرى أن دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة ستعقد كثيرًا فرص التوصل إلى اتفاق لأنها «تنطوي على نزعة تحرير قومية فلسطينية».
أما نتنياهو فيعتقد أن المحرك الأساسي للصراع هو الصدام بين إسرائيل والعالم العربي «الذي اعتبرنا، وإلى حد ما لم يزل يعتبرنا، عنصرًا أجنبيًا ليس له الحق في الوجود في هذا المكان». وعلى الرغم من الطبيعة الأمنية التي أحاطت باتفاق أوسلو إلا أن نتنياهو يعتقد أنه«كان إطارًا لم يصمم جيدًا ولا سيما في بعده الأمني» ويزعم أنه كان وراء اتفاق أوسلو افتراض واضح خلاصته «أن الطرفين يريدان إقامة دولة فلسطينية، وبالتالي أرادا إيجاد إطار لا يخيف الجمهور الإسرائيلي أكثر مما يجب وإنما يجعله يبلغ الفكرة بالتدريج من أجل إعداده لهذه النتيجة»، واتهم نتنياهو العمل بأنه كان يريد أن يعطي في كل الأحوال بينما الجانب الفلسطيني يريد أن يأخذ على الدوام «!» واعتبر أن هذا المسار سيؤدي في نهاية الأمر إلى «القضاء على دولة إسرائيل».
ويرى نتنياهو مثل باراك وجود خطر حقيقي على دولة إسرائيل من دولة فلسطينية مفترضة. واعتبر أن غالبية الإسرائيليين تعارض من الناحية العملية فكرة السيادة الفلسطينية. يقول: «عندما أسأل أناسًا يزعمون أنهم يؤيدون إقامة دولة فلسطينية عن رأيهم يقولون لي دولة فلسطينية، أجل، لكن شرط ألا يكون لها سيطرة على مجالها الجوي.. غير قادرة على إقامة أحلاف عسكرية مع العراق وإيران لا تستطيع جلب مليونين أو ثلاثة ملايين لاجئ وتوطينهم على حدود وادي عارة أو في ضواحي تل أبيب. لكن مثل هذه القيود على السيادة غير موجودة في أي مكان في العالم. لا توجد دولة في العالم مجردة من السلاح أو ليس لها الحق في الدفاع عن نفسها والسيطرة على حدودها. ولذلك عندما تطالب الأكثرية الساحقة من الإسرائيليين فرض جميع هذه القيود على السلطة الفلسطينية فإنها في الواقع تعارض فكرة السيادة الفلسطينية». ورأى نتنياهو أن الخلافات في الرأي داخل المعسكر الإسرائيلي من هذه المسألة «أصغر مما يحسبون. إنني مقتنع بأنه سيكون بالإمكان التوصل إلى توافق وطني واسع على تسوية تتيح للفلسطينيين درجة لا بأس بها من الاستقلال، بينما تبقى الصلاحيات العليا وخاصة في المجال الأمني في يدنا».
ويعتمد بنيامين نتنياهو بشكل أساسي على أصوات اليهود الروس الذين يصل عددهم إلى حوالي ٢٥٪ من سكان إسرائيل، ويحاول نتنياهو استمالتهم من خلال استيعاب حزبهم الرئيس «يسرائيل بعاليه» أو ما يعرف بحزب المهاجرين الجدد بقيادة المنشق السوفييتي السابق ووزير التجارة الحالي ناتان شارانسكي. ولا يحمل هذا الحزب توجهات أيدولوجية واضحة، بل هو حزب يهدف إلى تحقيق مصالح اليهود الروس وحل مشكلاتهم. ومن خلال حقيبة وزارة الداخلية التي ستكون من نصيب شارانسكي كما وعده بها نتنياهو يأمل المهاجرون الروس تسهيل إجراءات الحصول على الجنسية الإسرائيلية وحل بعض المشكلات الحياتية الأخرى المرتبطة بوزارة الداخلية.
لكن هذا لا يعني أن ساحة اليهود الروس مستباحة من نتنياهو وحزبه، فالمهاجرون الروس مثل «عرب ١٩٤٨» ليسوا متوحدين حول مرشح واحد مما يعني أن باراك ومرشحي العمل يمكنهم التحرك داخل صفوف اليهود الروس.
أصوات عرب ٤٨ تمثل «۱۸%» من الناخبين ويمكنها تحديد رئيس الوزراء القادم
والعرب لا ينتخبون باراك بالضرورة!
تحطمت آمال المرشح العربي الوحيد لانتخابات الرئاسة الإسرائيلية عضو الكنيست الحالي عزمي بشارة عندما ردت المحكمة الإسرائيلية العليا استئنافه ضد لجنة الانتخابات المركزية التي كانت قد اعتبرته غير مؤهل للترشيح كما اعتبرت حزبه «التحالف الوطني الديمقراطي» غير مؤهل هو الآخر لخوض انتخابات الكنيست الإسرائيلي بسبب تصريحات كان قد أدلى بها بشارة قال فيها إن دولة إسرائيل ينبغي أن لا تظل دولة يهودية.
ويشكل الفلسطينيون الذين ظلوا تحت الحكم اليهودي وحملوا الجنسية الإسرائيلية وهم من يطلق عليهم عرب ١٩٤٨م حوالي ۱۸% من سكان الدولة اليهودية البالغين ستة ملايين إسرائيلي ولأن هؤلاء ليس لهم مرشح عربي يدعمونه في انتخابات الرئاسة. فإن أصواتهم ستكون حاسمة في انتخابات ۱۷مايو. وكما يقول إيلي رخيص أستاذ العلوم السياسية في جامعة تل أبيب فإن العرب «يمكنهم تحديد من سيكون رئيس وزراء إسرائيل القادم». وهي فرضية صحيحة لو كانوا صوتًا واحدًا متماسكًا.
يميل معظم الناخبين العرب إلى انتخاب زعيم حزب العمل إيهود باراك، إلا أن بعض المحللين الإسرائيليين يعتقدون أن أصواتهم غير مضمونة لأي من المرشحين وخصوصًا مع شعورهم بأن لا أحد من المرشحين اليهود يتعاطف مع مطالبهم وحاجاتهم تعاطفًا صادقًا، وأن مرشحي العمل والليكود على حد سواء يستخدمونهم كأوراق انتخابية لا أكثر. وعلى الرغم من الوعود التي قطعها رابين وبيريز للناخبين العرب في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت على مدى العقدين الماضيين إلا أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للعرب في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م كانت تزداد سوءا.
وحسب دراسة قام بها معهد سيكوي في القدس المحتلة والذي يتبنى شعار المساواة بين اليهود والعرب في «إسرائيل»، ما زالت هناك فوارق كبيرة في معدلات الدخل بين اليهود والعرب. كما أن جميع البلديات العربية تصنف ضمن النصف السفلي لمؤشر الحياة الاقتصادية والاجتماعية في إسرائيل. ولا تسمح الحكومة الإسرائيلية للبلديات العربية في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨م بالتمدد خارج حدودها الأصلية مما خلق حالة ازدحام شديد في المدن والقرى العربية وتسبب في أزمة إسكانية. وعلى الرغم من ذلك تضاعف تعداد العرب سبع مرات منذ عام ١٩٤٨م.
في انتخابات عام ١٩٩٦م كان الناخبون العرب في حالة غضب وسخط من مذبحة عناقيد الغضب التي ارتكبها شيمون بيريز في قانا بجنوب لبنان. وعلى إثر تلك المذبحة حثت القيادات العربية المحلية في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م الناخبين العرب على إلقاء أوراقهم بيضاء في صناديق الاقتراع. وقد وضعوا حوالي ١٥ ألف ورقة بيضاء إضافة إلى أن كثيرين منهم قاطعوا الانتخابات وكانت النتيجة فوز نتنياهو على شيمون بيريز بفارق ٣٠ ألف صوت فقط.
الانسحاب من لبنان
على الرغم من أن مسألة الانسحاب من جنوب لبنان تعتبر من المسائل الساخنة التي تهم الناخب الإسرائيلي بعد الضربات المؤلمة والمتتالية التي وجهها مقاتلو حزب الله لجنود الاحتلال في المنطقة التي تحتلها إسرائيل منذ عام ۱۹۷۸م، إلا أنها لن تؤثر على مجرى الانتخابات بسبب عدم وجود سياسة محددة وواضحة داخل حزبي الليكود والعمل تجاهها. فداخل الليكود ظهرت أصوات تنادي بضرورة الانسحاب غير المشروط من الجنوب. ولعله من المفاجئ أن يكون الإرهابي شارون من أكثر المتحمسين للانسحاب غير المشروط داخل الليكود. أما الموقف الأكثر شعبية داخل الليكود والحكومة الإسرائيلية فهو الذي يتبنى موقف قيادة جيش الاحتلال التي تفضل عدم الانسحاب من الجنوب إلا بعد التوصل إلى اتفاق شامل مع سورية ولبنان وبعد ضمان عدم اقتراب أفراد المقاومة اللبنانية من الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة عن طريق سيطرة الجيش اللبناني الرسمي على المنطقة بعد انسحاب الإسرائيليين منها.
أما داخل حزب العمل فإن الموقف العام من هذه المسألة يتطابق مع موقف الليكود وقيادة الجيش وهو أنه لا انسحاب غير مشروط من الجنوب اللبناني وبدون الاتفاق مع سورية. لكن بعض مسؤولي العمل ومنهم يوسي بيلين دعوا إلى الانسحاب دون قيد أو شرط لأن استمرار تواجد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان يعني المزيد من الخسائر في صفوف الجنود الإسرائيليين. فهناك أصوات مؤيدة وأخرى معارضة للانسحاب غير المشروط من جنوب لبنان داخل الحزبين لكن الغالبية المهيمنة فيهما تدعم موقف قيادة الجيش.
الانسحاب من الجولان
أصبح انسحاب القوات الصهيونية من الجولان من المسائل غير الخاضعة لسياسة الحزب الحاكم بعد أن وافق الكنيست الإسرائيلي قبل فترة على قرار يلزم الحكومة بالحصول على موافقة مسبقة من الكنيست وبأغلبية مطلقة على أي صيغة اتفاق بخصوص هضبة الجولان السورية المحتلة، كما يلزمها بعمل استفتاء عام على أي صيغة انسحاب من الجولان.
ومع ذلك فقد تضمن برنامج الليكود الانتخابي استعدادًا لتسوية إقليمية في الجولان تقوم على فكرة الانسحاب، إلا أن مساحة الانسحاب وشروطه تظل غامضة في برنامج الليكود هذا على الرغم من أن الحزب ظل يتبنى موقفًا رافضًا لأي انسحاب من الجولان والأراضي العربية المحتلة الأخرى ولا يختلف هذا الموقف الليكودي الجديد عن موقف حزب العمل الذي وإن كان يستخدم عبارات غامضة وغير محددة لكنه يدعو إلى «تنازلات إقليمية»، بهذا الخصوص. لكن العمل تراجع في برنامجه الانتخابي عن العرض الذي قدمه زعيمه السابق رابين عام ١٩٩٤م والذي وافق فيه على انسحاب كامل من هضبة الجولان مقابل توقيع سلام دائم مع سورية.