; موضوع الغلاف: الأصولية «القبطية» في مصر | مجلة المجتمع

العنوان موضوع الغلاف: الأصولية «القبطية» في مصر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1318

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

من مظاهرها: الدعوة لإحياء اللغة القبطية وزيادة عدد الكنائس والمترهبنين وارتفاع معدلات النذور ونشاط أقباط المهجر.

من ثمارها: تعيين أول قبطي في وزارة سيادية وتأثر السياسة الأمريكية بمطالب الأقباط.

التحذير من تنظيمات أصولية نصرانية تهيئ الشباب لشن عمليات عنف داخل مصر!

  • «سيناريو» لضرب عناصر كاثوليكية لأهداف أرثوذكسية لتأليب الرأي العام العالمي ضد المسلمين!

  • قيادي قبطي: سنضطر إلى خمل السلاح دفاعًا عن حقنا في المواطنة الكاملة!

  • مطالب قبطية بتشديد العقوبات على الدعاة الإسلاميين الذين يتعرضون للعقيدة النصرانية!

  • 15 جماعة قبطية أصولية تنشط في حي واحد بالقاهرة وكنائس خاصة بالمنازل لها زعماء وأتباع!

  • «المسيح هو الحل».. «والإنجيل صالح لكل زمان ومكان»: شعاران ترفعهما جماعات خارجة على الكنيسة!

  • من حوادث العنف القبطي: الفيلق القبطي لمؤازرة الفرنسيين والأمة القبطية للمطالبة بالحكم الذاتي!

القاهرة: عبد الرحمن سعد

توافر في السنوات الأخيرة عدد من مظاهر الأصولية القبطية في مصر حتى صار البعض يتحدثون عن المسيحية السياسية، والإحياء القبطي والصحوة القبطية، وغيرها من المصطلحات التي باتت تشيع في كثير من الدراسات السياسية والتقارير الإعلامية، وبخاصة في الصحافة الغربية، مما يؤكد أننا صرنا أمام مستوى أعلى من الحضور القبطي في مصر على جميع المستويات.

من أبرز مظاهر هذه الأصولية (١): ذيوع الكتابة عن حقوق الأقباط، وزيادة عدد المراكز البحثية المهتمة بالشأن القبطي، والدعوة لإحياء استخدام اللغة القبطية في الحديث والكتابة، وزيادة عدد الأديرة والكنائس، وعدد الذين يرتادونها، فضلًا عن ارتفاع معدلات التنمية في الكنيسة القبطية والإنجيلية، وارتفاع معدلات النذور، ونشاط أقباط المهجر الذي تأثرت به السياسة الأمريكية، بالإضافة إلى تعيين الدكتور يوسف بطرس غالي وزيراً للاقتصاد كأول وزير لوزارة سيادية منذ حركة يوليو ١٩٥٢م.

ويلاحظ المراقبون أن تصاعد المطالب القبطية، وحدتها على النحو القائم في عقدي الثمانينيات والتسعينيات لم يكن مطروحاً من قبل، وكذلك توالي واطراد نشاط أقباط المهجر مع توفير الدعم المادي لهم، وهنا أحد مكامن الخطر، فأقباط المهجر يدركون أن اللجوء إلى الحكومات الأجنبية لم يعد مجدياً إثر عمليات التسوية التي تجريها الحكومة مع الخارج، وهذا يؤدي إلى خروج أقباط المهجر منها فارغي اليد واللسان، وهنا قد يكون البديل أمام هؤلاء المتعصبين التفكير باتجاه إغواء عدد من الشباب الأقباط الفقراء في الداخل لجمع عدد من الطموحين المحبطين، ثم تهيئة أذهانهم وجيوبهم للقيام بعمليات عنف ضد المساجد والأهداف الإسلامية، كما حدث في أحداث الزاوية الحمراء في عام ١٩٨١م، وفي بعض مناطق الصعيد وبخاصة محافظة أسيوط في منتصف الثمانينيات.

عنف قبطي.. نصراني:

ويشدَّد المراقبون على أن التطور قد يكون أكثر إحكاماً، وذلك بأن يتم اللجوء إلى عناصر في الكنيسة الكاثوليكية أو الإنجيلية للقيام بهذه العمليات نظراً لسهولة استقطابهم خارج الكنيسة، وإمكان الحديث معهم عن أصولهم الخارجية، وروابطهم بالكنائس الغربية، وذلك على خلاف الحال في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

بل ربما يزيد الإحكام بأن يضع هؤلاء الشباب لأنفسهم هدف ضرب مصالح أو شخصيات أرثوذكسية، كي تساعد على تحريك الرأي العام المسيحي في مصر والعالم باتجاه الغضب، وبالتالي منح الفرصة لأقباط المهجر «الأرثوذكس» للتشهير، ومخاطبة الكونجرس.. إلخ!

وهذا «السيناريو» المرسوم يمكن أن تلتقي خيوطه المخطط الموضوع في المؤسسات الغربية لبث الفتنة في مصر، والتدخل تحت ذريعة حماية الأقباط، بعد سلسلة من العقوبات المفروضة، ليتم في النهاية إقامة «الدولة القبطية» في مصر!

مظاهر أصولية:

ولكن كيف كانت البداية التي أدت إلى ظهور هذه التوقعات و «السيناريوهات» الخطيرة؟

يقول احمد المسلماني -وهو باحث متخصص في الأصولية الدينية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام- إن هناك ظواهر في الحالة المسيحية بعصر تدل على وجود نشاط ديني أكثر وضوحًا مما كان عليه في معظم عقود القرن العشرين.

يبدو هذا النشاط جليًا في اتساع حركة التصوف المسيحي، وذيوع الحديث عن ظهور السيدة العذراء، وسيادة الفكر «السلفي» في الكنيسة، وكذلك انتشار حركة الرهبنة، وزيادة تأسيس الأديرة.

فعلى صعيد الحركة الصوفية المسيحية -يقول المسلماني- زادت معدلات النذور والذبائح والتبرعات وزيارات الأضرحة، والأديرة، وذاعت في الوسط القبطي معجزات القديسين وخوارق رموز المسيحية المصرية مثل الحديث الشائع عن «أبي سيفين» الذي يزعمون أنه أحيا ميتًا في كنيسة مصر القديمة، وأنقذ عشرة من القتل!

هناك أيضًا الحديث المتكرر عن الأيقونات التي تقطر زيتاً في أكثر من كنيسة، ووصف القديسين بصفات لا تتفق وحقائق التاريخ: مثل تصوير القديس باخوميس بلحية بيضاء، والقديس باسيليوس بلحيته وشاربه الأبيض برغم أن وفاتهما كانت قبل بلوغ كل منهما سن الخمسين!

لقد عم هذا التفكير الغيبي -كما يؤكد الباحث السياسي- في دوائر الكنيسة المصرية في الداخل والخارج، وكان أكثر مظاهر هذا التفكير وجودًا -في الخارج- بالولايات المتحدة الأمريكية!

هرطقات «الصوفية النصرانية»:

يقول القس إبراهيم عبد السيد إن مجلة «طريق الحياة» التي تصدرها كنيسة السيدة العذراء في نيويورك قد روجت لظهور السيد المسيح والقديسين مرات يزيد عددها على السبعين، مما دعا الدكتور رودلف مرقص يني- رئيس جمعية الدراسات القبطية بنيوجرسي- إلى انتقاد ذلك في مجلة «الرسالة» التي تصدرها الجمعية.

ومن بين روايات الأيقونات التي تقطر زيتًا اشتهرت رواية كنيسة مارمرقس القبطية بكيفلاند بولاية أوهايو عام ١٩٩١م التي جذبت إليها كثيرًا من مختلف الولايات، ووصل عدد زائريها إلى نحو ثلاثين ألفًا!

أما في مصر فقد ذهب أكثر من مئة ألف قبطي إلى قرية «شيشنا الحجر» بمحافظة المنوفية ليروا السيدة العذراء، بعد أن توهموا أنها ظهرت ثلاث مرات على صورة نور أبيض مضيء، وتقف على برج قبة الكنيسة تُحيي المؤمنين؛ بإشارة من رأسها؛ فأضاءت المكان، ورفرف الحمام على سطح الكنيسة!

هنا جاء قرار مجمع كهنة المنوفية الذي وقَّع عليه الأنبا بنيامين أسقف المنوفية، وستون كاهنًا، وأرسلوه للأنبا شنودة، مؤكداً ذلك، غير أن هذا التأكيد لم يلق قبولاً من بعض رجال الدين الأقباط، الذين رأوا فيه مؤامرة كاثوليكية، مشيرين إلى أن هناك ٤٠٠ ألف حالة في العالم شاع فيها الحديث عن ظهور العذراء، وأن طائفة أنصار مريم العذراء الكاثوليكية هي التي تروج لذلك، وتسعى لدى بابا الفاتيكان لممارسة ضغوط لانتزاع قرار بابوي منه لرفع مكانة السيدة العذراء من أم المسيح إلى شريكة له في تخليص البشرية والشفاعة أمام الرب في حين أنه لا شفيع سوي المسيح -بزعمهم- والسيدة مريم ليست شريكة له في الشفاعة طبقًا لنصوص الإنجيل!

كانت الكنيسة المصرية تعارض هذا الاهتمام بالأمور الخارقة، الذي هو تقليد لم يكن قائماً لدى «الآباء الأولين» إذ كانوا يتأملون في حياة الشهداء والقديسين، ودراسة أحوالهم، وتراثهم لا السعي وراء رؤيتهم، أو لمس الأيقونات، أو سماع المعجزات، لكنها أسبغت -في الوقت ذاته- رعايتها على مظاهر التصوف المسيحي، ونحا عدد من أقطابها المنحي نفسه في تأكيد ظهور العذراء. وتقطير الأيقونات، ووقوع المعجزات.

وزاد الأنبا أيسقوس الأسقف العام للكنيسة المصرية في ترديد ذلك إلى أن أعلن في محاضرة ألقاها في معهد الدراسات القبطية أن نهاية العالم ستكون في عام ٢٠٠١م، وذلك استناداً إلى بعض الحسابات والاستنتاجات من الكتاب المقدس!

الاتجاه «الخلاصي»!

لقد عظمت هذه الأمور مجتمعة ما يسميه الباحث القبطي رفيق حبيب «الاتجاه الخلاصي المهدوي»، إذ تنتظر جماعات مسيحية قيامة العالم الجديد، وتؤمن أخرى بالمُلك الألفي، أي المجيء الثاني للمسيح ليحكم الأرض ألف عام، وتنتظر ثالثة نهاية العالم بحرب عالمية ثالثة في معركة أرمجدون في فلسطين، وينقسم العالم إلى كتلتين وقتها؛ وفيها تنتهي كل قوى الشر، وتنتصر قوى الخير، وعندئذ يأتي المسيح ليحكم العالم، وتصبح الجماعة المؤمنة هي الصفوة الحاكمة، ويصبح العالم كله مملكة النور، أو مملكة المسيح!

«إحياء القبطية»!

وفيما كان الاتجاه «الخلاصي المهدوي» يتعاظم داخل المد الصوفي المسيحي: كانت الأفكار السلفية تتعاظم هي الأخرى داخل الفكر المسيحي بمصر من خلال السعي لإعادة الاعتبار إلى اللغة القبطية، وتوالي القرارات الكنسية بمصادرة الكتب التي تجتهد في إطار مغاير لذلك.

وبرغم أن الرغبة في إحياء اللغة القبطية ليست جديدة ولها أساس في أفكار «أخنوخ فانوس» والحزب المسيحي في مطلع القرن، وكذا أفكار جماعة «الأمة القبطية» في الخمسينيات، إلا أن الإلحاح عليها يأتي مواكباً هذه المرة لحالة إحياء ديني أوسع مما كان عليه الحال إبان النموذجين السابقين.

وفي العام الحالي: ثار الجدل حول جهود الدكتور إميل ماهر الذي رسمه البابا شنودة كاهنًا عامًا في يناير عام ١٩٩٨م، إذ يتبنى إميل عملية نشر اللغة القبطية وتدريسها، ولكن بطريقة تختلف عن اللهجة التي اعتادت الكنائس استخدامها في بعض الصلوات والألحان الكنسية.

يدعو إميل إلى إحياء اللهجة القبطية الصعيدية، معتبرًا أن اللهجة البحراوية غير دقيقة، وقد حاز شهادة الدكتوراه من جامعة كمبردج في هذه اللهجة، وعاد من لندن لينادي بتعليم اللغة القبطية على أوسع نطاق، وأقام فصولًا دراسية مستديمة للراغبين في تعلم اللغة القبطية باللهجة التي يراها صحيحة، وتم الإعلان عنها في الكنائس، وهو ما دعا الراهب ثيوء ودسيوس السرياني -سكرتير الأنبا شنودة السابق- إلى الاحتجاج ووصف إميل بأنه «مخرب وخطر» على الوحدة الوطنية بدعوته للقومية القبطية، بل وكتب منشوراً، وأبرق للمسؤولين بذلك، «روز اليوسف ٩/ ٣/ ١٩٩٨م».

«قساوسة» مغضوب عليهم!

وفي الاتجاه «السلفي» نفسه توالت قرارات الكنيسة بمصادرة الكتب، وتذكر بعض التقارير الصحفية أن ٦٧ قسًا تم وضعهم في قوائم المغضوب عليهم من الكنيسة في الأعوام العشرين الأخيرة بسبب أفكارهم، ومن بينهم الأب «متى المسكين» الذي صنفته «الموسوعة اللاهوتية الأمريكية» في قائمة أكبر عشرة لاهوتيين في الشرق الأوسط، إذ جُمعت كتبه من المكتبات الكنسية، وكذلك جورج حبيب بباوي أستاذ اللاهوت بالكلية الإكليركية، وذلك على إثر نشوب خلاف في الثمانينيات بينه وبين الأنبا بيشوي فصودرت كتب الأول، إضافة إلى الأنبا غورغوريوس الذي عينه الأنبا كيرلس السادس أسقفاً للبحث العلمي، والأب دانيال البراموسي الذي اتهم بالخروج إلى البروتستانتية، وصودرت كتبه الثلاثون، والقمص إندراوس عزيز صاحب كتاب: «الحقائق في الكنيسة القبطية» الصادر في عام ١٩٨٥م. والقمص كيرلس كيرلس صاحب كتاب: «نقد أفكار الكنيسة الجامدة» في عام ١٩٨٢م... وآخرون.

صوفية.. سلفية.. رهبنة!

هكذا احتلت الصوفية والسلفية هذا الموقع الكبير في الأصولية المسيحية بمصر يضاف إليهما الرهبانية التي تكمل ثلاثية المؤشرات الأساسية في هذه الظاهرة.

ويعظم من هذا المؤشر كون مصر مهد الرهبنة في العالم، وكانت كلمة «الرهبنة» تعني حياة العزلة والوحدة الكاملة، وقد أسس الأنبا باخوميوس أول دير وأول جماعة ديرية عام ٣١٨ ميلادية، وقد زاد عدد الداخلين في سلك الرهبنة مع تصاعد الأصولية المسيحية، وارتقت مستويات تعليمهم، إذ إن عددا منهم حاصل على درجات علمية عليا، وبعضهم يحمل درجات الدكتوراه من جامعات أوروبية مرموقة.

ويذكر ميلاد حنا أن عبارة «الموروث الآبائي» التي تعليها الأصولية المسيحية في مصر قد قادت إلى التقشف، والانخراط في سلك الرهبنة، وأن الأنبا شنودة من جانبه قد فرض المفاهيم الرهبانية على السلوك العام للشعب القبطي.

هكذا توافرت للأصولية المسيحية في مصر الركائز السابقة، وبدت فيها تلك المظاهر، فما مستقبلها؟ وهل يكون تطورها الطبيعي في التحول إلى العنف والصدام من أجل تعظيم الظاهرة والتمكين لها؟ أم يحول المتنفس الرهباني دون انفجارها؟

سنحمل السلاح!

في أغسطس عام ١٩٨٤م تحدث قيادي قبطي -في غير مناسبة مهمة- إلى صحيفة «لوموند» الفرنسية قائلاً: «إن الأقباط قد يضطرون في مستقبل غير بعيد إلى أن يحملوا السلاح دفاعاً عن حقهم في المواطنة الكاملة. وإن تدفق التيار الإسلامي يدفع الأقباط إلى تعصب طائفي لا يقل في رجعيته عن طائفية الخصوم»!

ومضت أربعة عشر عامًا قُتل فيها ستون قبطيًا في أحداث عنف دون أن يحمل الأقباط سلاحهم، أو أن ينخرطوا في أعمال العنف، فهل يرجع سبب هذه المقولة الطائشة إلى خلل في التوقع أم خلط في الزمن؟ وهل تفتقد التوقعات بوقوع عنف مسيحي في مصر إلى صواب التفسير وكفاءة التحليل أم أنها تنتظر فقط تحقق شروطها لتقع أحداثها؟

التساؤل -بالصيغة السابقة- يطرحه باحث مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام أحمد المسلماني مشيراً إلى أن وقوع عدد من حوادث العنف من قِبَل عناصر في الجماعات الإسلامية ضد الأقباط هو الذي دفع إلى التساؤل عما إذا كان ذلك كافياً لنشأة جماعات عنف مسيحية؟

السبعينيات.. بداية صاخبة:

فلقد مثلت العقود الثلاثة الأخيرة ثلاث مراحل في تطور العنف الطائفي. إذ شهدت السبعينيات بداية صاخبة لهذا العنف في مصر تمثل في أحداث الخانكة عام ١٩٧٢م، وسمالوط عام ١٩٨٧م، وكلاهما ارتبط بعمليات بناء كنائس، ثم كانت أحداث الزاوية الحمراء في عام ١٩٨١م إلى أن كان عقد التسعينيات الذي شهد أعلى معدل لعمليات العنف ضد الأقباط، ففي عام ١٩٩٢م قتل ٢٢ مسيحياً منهم ١٣ في ديروط في ٤ من مايو ١٩٩٢م، ثم توالى الضحايا: ١٥ و١٣ و١٠ في أعوام ١٩٩٣م، و١٩٩٤م، و١٩٩٦م، مع ملاحظة أنه في الفترة من ١٩٨٢م حتى ١٩٩١م قُتل ٣٠ مواطنًا في أعمال عنف سياسي لم يكن من بينهم مسيحي واحد، وأنه في أعوام العنف المتزايد يُعد عام ١٩٩٢م استثناء في ذلك إذ قتل فيه ٢٢ مسيحياً من بين ٣٠ مواطنًا، ولولا حادث ديروط لتراجع الرقم كثيرًا.

ثم تراجعت نسبة القتلى من النصارى، فكانت نسبتهم عام ١٩٩٣م ١٦٪ «١٥ قبطيًا من بين ٩٣ قتيلًا»، ثم في عام ١٩٩٤م انخفضت إلى ٤٪ «١٣ قبطياً من بين ٣٠٤ أشخاص». أما في عام ١٩٩٥م فقد قتل ١٤٥ مواطنًا لم يكن من بينهم مسيحي واحد، الأمر الذي يضعف من الانطباع العام بوجود علاقة طردية بين أعمال العنف الطائفي وأعمال العنف السياسي، أو أن يكون المسيحيون الهدف الرئيس لأعمال العنف المنسوبة للإسلاميين.

خارج المعادلة:

وهكذا بدا الأمر في شكله النهائي حالة من العنف المتبادل بين السلطة والجماعات الإسلامية. وفي معادلة من هذا النوع لا تقضي الحسابات المصلحية «البراجماتية» بنشأة جماعات عنف مسيحية.

وعلى صعيد آخر هناك خلافات داخلية حادة بين العلمانيين المسيحيين والإكليروس «رجال الدين»، وبين البابا وغير المنتخبين في المجلس الملي العام وبين المذاهب المسيحية نفسها: الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية وبرغم هذه التباينات الداخلية للجماعة القبطية المصرية، فإن هناك تصورات مسيحية تكاد تشكل رؤية ما إزاء الواقع في مصر، ويزعم عدد من المسيحيين المصريين أن هناك نوعاً من الظلم في تولي المناصب العليا للأقباط، ويرى أخرون أن هناك تضييقًا على العقيدة المسيحية، وأن بعض برامج الإعلام الرسمي تهاجم العقيدة المسيحية، لاسيما برنامج «خواطري حول القرآن» الذي كان الشيخ الشعراوي -يرحمه الله- يقدمه كل أسبوع، وأن الأمر يمتد إلى المسلسلات التي تصور الفرحة العارمة لإسلام النصارى، وإلى شرائط الكاسيت والكتب التي اعتادت مهاجمة النصرانية، أو الطعن في مصداقية الأناجيل القائمة.

ويساور هؤلاء القلق إزاء ما يُسمى بـ«إسلام الدولة» في مواجهة الإسلام السياسي، الأمر الذي خلق من الهوية الدينية أساساً في التصنيف الاجتماعي ليكون السؤال: هل أنت مسلم أم مسيحي؟ قبل أي شيء في الوقت الذي أخذت الحكومة فيه -كما يزعمون- الجانب الأكبر من اختصاصات المجلس الملي «أهم مؤسسة مسيحية بعد البابا».

«هواجس» مسيحية!

هناك مطالب للأقباط تتوزع بين ستة مطالب رئيسة تمثل فيما يرون حلًا لمشكلاتهم، وتتعلق بالأحوال الشخصية، والتوسع في بناء الكنائس، والتبشير، والأوقاف والتعليم، والوظائف العامة، إذ يطالبون بعودة المحاكم الملية، وإلغاء الخط الهمايوني، وتشديد العقوبات على الدعاة الإسلاميين الذين يتعرضون للعقيدة النصرانية، وعودة الأوقاف القبطية، ودعم المعاهد الدينية القبطية، والمشاركة في الوظائف العامة.

ويعلق الباحث السياسي: المطالب السابقة ليست سوى «هواجس مسيحية» تحمل نوعًا من الحساسية المفرطة.. الأمر الذي أدى إلى نوع من التفسير المتعسف للظواهر الاجتماعية والسياسية، واستنطاق الجانب المسيحي المراد رؤيته منها وكأنه الجانب الوحيد فيها، فما يثار حول الهجرة القبطية من الريف إلى المدن إنما يتعلق بظاهرة اجتماعية اقتصادية عامة تشمل المسلمين والمسيحيين معًا لأسباب لها مجالها في البحث والتفسير، ولا تتعلق بالتضييق الديني.

كما أن القلق المتناثر بشأن بعض الأعمال الدرامية لا يجد أساسًا واضحًا، ومثال على ذلك أن صورة «المسيحية» التي أسلمت وسط فرحة الجميع في المسلسل التلفازي «خالتي صفية والدير»، إذ قام بوضعها كاتب سيناريو مسيحي فيما قدم كاتب مسلم شخصية «المقدس بشاري» نموذجًا قبطيًا إيجابيًا، وجذابًا.. وربما يتأتى القلق هنا من حداثة الاستخدام الكثيف للشخصيات المسيحية في الأعمال الفنية، أما مشكلات الأوقاف والأحوال الشخصية، فالأولى بيروقراطية تخص الأوقاف الإسلامية كذلك، والثانية يعاني منها الجميع، وعلى ذلك لا تتوافر أسباب وجيهة تنهض عليها جماعات عنف مسيحية.

المسيح هو الحل!

من جهة أخرى أسهمت ظاهرة «الأصولية المسيحية، بمصر في نشأة عدد من الجماعات الدينية بالتعاون الوثيق مع جهات خارج الكنيسة، وتعارض هذه الجماعات الكنيسة المصرية التي لم تقدم لهم نموذج «المسيح المشبع»، كما تعلن تمردها على الهيراركية الكنسية، وخدمات الكنيسة.

وتنظر بعض هذه الجماعات بعين التقدير إلى كتاب «مع المسيح صلبت» للكاتب الإنجليزي «إلياس سلاكس» الذي يقول فيه: في أي سفر من الكتاب المقدس نستطيع أن نقرأ عن أشخاص أطلق عليهم لقب راعي كنيسة أو قسيس أو التحقوا بكليات، واجتازوا اختبارات ليحصلوا على هذه الألقاب، هذا هو باطل الأباطيل! ارتزاق وتعايش وشهرة.. الموضوع كله أكذوبة.

وتؤكد هذه الجماعات انشقاقها عن الكنيسة الأم، وتضع دستورًا وقوانين خاصة لها، ويحرم معظمها التماثيل والمشغولات الذهبية، واللوحات الزيتية، والموسيقى، والسينما، والمسرح، في حين يرفع بعضها شعار «المسيح هو الحل»! وعبارات من نوع «الإنجيل صالح لكل زمان ومكان»، وهي بذلك تقدم بالمسيح المتحدي للقهر والفقر والمرض، وكذا نموذج: «المسيح المشبع».. فقط لا تخنِ الرب.. سوف يحل لك مشكلاتك، ويعطيك سلامًا، ومالًا، ويبيد كل أعدائك! الملكوت.. والبرية!

وطبقاً لتقارير صحفية، فإن حي شبرا وحده تنشط فيه ١٥ جماعة دينية مسيحية، وتشتهر من هذه الجماعات: نداء الملكوت، وأبناء الملكوت، والباكورة، وشمس البرية، وكنيسة الله، وأبناء الأب دانيال، والطائفة الإنجيلية المستقلة، ونهضة مصر، والقبلة المقدسة.

وترى جماعة «نهضة مصر» -مثلًا نفسها «الصفوة المختارة» في حين ترى جماعة «الباكورة» أن انتصارك أيها العضو يقاس بمدى رفضك للقادة الحاليين للكنيسة، ومدى انعزالك عن العالم.

والسؤال الآن: إذا كانت هذه الجماعات على هذا الشكل من القطيعة مع الكنيسة والاعتراض على الواقع، والفهم الأصولي للإنجيل، فهل يمكن أن تلجأ إلى العنف السياسي كأحد اليات نشاطها في سبيل أهدافها؟

يرى المراقبون أن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً في الوقت الحالي نظراً لضعف خبرة العنف المسيحي في مصر، إذ منذ الفتح الإسلامي لمصر لا يكاد التاريخ يذكر وجود جماعات عنف مسيحية كان لها تأثير كبير على الأحداث، بل لا تعدو جماعات العنف المسيحي الحديثة أن تكون استثناءات شاردة لا تشكل خبرة يُعتد بها في هذا المجال، ولكن ذلك لا ينفي إمكانية التغيير المستقبلي، وإنشاء أفكار جديدة أو اجتهادات جديدة.

الفيلق.. والأمة:

ففي حالة «الفيلق القبطي» الذي شكله الجنرال «يعقوب» لمؤازرة الاحتلال الفرنسي في مصر لقي الجنرال وشبابه استنكارًا قبطيًا، وإدانة من الكرسي البطريركي، ولم يمثل يعقوب في سلوكه سوى رأيه الشخصي، ومعه نفر من «المنتفعين» الذين رأوا مصلحة لهم في دعم الفرنسيين، وفي حالة «جماعة الأمة القبطية» -الجماعة النصرانية الأشهر التي ذاع أمرها في عام ١٩٥٤م إثر اختطافها للبطريرك يوساب الثاني- فقد تداعت قبل أن تدعو، وانتهت فور أن بدأت، ظهرت هذه الجماعة أواخر الأربعينيات، ووزعت منشورات تحمل دعاوى مثيرة، بينها طلب الحكم الذاتي للأقباط.

وتزعم مؤسسها «إبراهيم هلال» المحامي «٣٤ سنة» خمسة من الشباب الأقباط في هجوم مسلح على المقر البطريركي: إذ اقتحموا بوابة دار البطريركية بقوة السلاح، وجردوا حراسها من عصيهم، ودخلوا إلى غرفة نوم البطريرك العجوز يوساب، وأجبروه على التوقيع على وثيقة تنازله عن الكرسي البطريركي، ووثيقتين أخريين بتعديل لائحة انتخاب البطريرك، والدعوة لانتخابات جديدة؛ ثم حملوه إلى دير وادي النطرون رهن الاحتجاز، وعادت الجماعة إلى القاهرة لتعلن النبأ، وتحذر الدولة من أي تدخل في الشؤون الداخلية للأقباط، وألقي القبض عليهم، وأعيد البطريرك إلى مقره، وانطوت صفحة هذه الجماعة بأسرع مما توقع لها أصحابها.

زكريا.. ونزيه:

وحدث أيضًا في الأربعينيات أن كون القمص زكريا بطرس جماعة دينية تهدف إلى الإحياء الديني السلفي بالمفهوم الكنسي، لكن الحركة مع الوقت اتجهت إلى المزيد من النشاط السياسي، فكانت المواجهة مع الكنيسة ثم الدولة والمسلمين، وانقضت قوتها في عام ١٩٧٩م، وعزل القمص من الوعظ ومن أتباعه نشأت حركات مستقلة أكثر جذرية وتطرفًا، وأصغر حجمًا، وأقل قوة، ثم كانت حركات «عماد نزيه» الذي بدأت في عام ١٩٧٧م قبل عزل زكريا بطرس. ومكس ميشيل «نهاية السبعينيات»

ثم كانت ظاهرة الكنائس الخاصة في المنازل، ومن داخلها أخذت تحدث انشقاقات جديدة على إثر خلافات الزعيم والأتباع.

أصوليون في الخارج: هذا على صعيد الداخل أما على صعيد أصوليي الخارج من الأقباط فقد لجؤوا إلى الضغط على سلطات الدول المقيمين فيها من أجل التغيير، وهنا برزت تجمعات الأقباط في كندا وأمريكا التي دأبت على نشر إعلانات مدفوعة الثمن تدعي فيها أن هناك خططاً تعدها الحكومة المصرية لتصفية الأقباط وأنه لا يمر يوم دون وقوع اعتداءات على الأقباط طالبة من القراء في إعلاناتها أن يسهموا بعون مادي للنهوض لإنقاذ أقباط مصر!

وتحفل مجلة «الأقباط» التي يصدرها المركز الثقافي القبطي في نيوجرسي بكتابات الدكتور شوقي كراس -أحد غلاة زعماء المهجر- الذي يرى أن الأقباط في مصر تحت حكم عنصري متعصب يهدف لتصفيتهم تماماً: كمخطط النازي ضد يهود ألمانيا، وبالتوازي مع ذلك اعتادت الهيئة القبطية الكندية مهاجمة الحكومة المصرية، وفي يناير عام ١٩٩٨ م هاجمت الهيئة قرار الرئيس مبارك بنقل مهمة إصدار تصاريح ترميم الكنائس إلى المحافظين، وقالت في بيان لها: «إننا كأقباط نكون مخطئين إذا توقعنا حلاً لمشكلاتنا من قبل هذه الحكومة، إن على الشعب القبطي في المهجر في هذه المرحلة الحرجة أن يبدأ فوراً في إرسال خطابات لأعضاء الكونجرس -كل في منطقته- لتحرير قانون الحريات الدينية -وهو ما حدث بعد ذلك- مع إدراج مصر في قائمة الدول التي تضطهد المسيحيين، بدعوى أنه لم يبق أمل لأقباط مصر في تحسين أوضاعهم سوى في هذا القانون»!.

الفكرة «أمريكية»!

والواقع أن هذه الأفكار تخالف تقاليد الكنيسة القبطية، وتكاد تكون تطبيقاً لأفكار الأمريكي «إدوارد واكين» في كتابه: «الأقلية الوحيدة» عن الأقباط في مصر الذي نشره عام ١٩٦٣م، ودعا فيه الأقباط للاتصال بالتيار الأساسي للمسيحية في العالم، وتنمية انتمائهم الدولي، وأن يستخدموا ذلك لإخافة النظام، إذ إن خطبة واحدة تظهر شكاوى الأقباط في أي اجتماع دولي، تصحب بالتغطية الصحفية المناسبة لقادرة على جذب اهتمام «عبد الناصر» إلى صيحات القبط.

إلى ذلك كان من تصاريف القدر أن سيطر الائتلاف المسيحي الأمريكي متحالفًا مع اليمين الجمهوري، على الكونجرس الأمريكي للمرة الأولي منذ ٤٥ سنة، وكلاهما يؤمن بأن أمريكا «أمة مسيحية» وأن الأخلاق اليهودية – المسيحية يجب أن تشكل نظام القيم الأمريكية، بحيث يعد الدين أداة أساسية من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية تحت دعوى: «الحريات الدينية».

وهنا يمكن تفسير الاهتمام الأمريكي المصلحي بالشأن القبطي في مصر، إذ لا ينتمي الأمريكيون إلى الكنيسة الأرثوذكسية القبطية، ولا تلقي الدراسات اللاهوتية الأمريكية بالا للكنيسة القبطية المصرية، وهو الأمر ذاته في أوروبا وغيرها، وفيما

يقع قاموس أكسفورد عن الكنيسة المسيحية في 1492 صفحة لا تشغل الكنيسة القبطية المصرية منه سوى نصف صفحة.

والواقع أنه برغم أن المسيحية تعلن كثيرًا من قيم المحبة والمودة والسلام بما يجعل من تأويل نصوصها في اتجاه العنف أمرًا شاقًا، فإن بلورة مثل هذا الإطار الفكري للعنف المسيحي يظل ممكنًا، وهنا مكمن الخطر.

ولا تعدم المسيحية أقوالاً تعضد هذا الإطار نصاً أو تأويلاً، فحالة الإخوة التي تتحدث عنها المسيحية يراها بعض الدارسين محصورة في المسيحية ذاتها.. «كلكم إخوة في المسيح» وفي إنجيل لوقا ١٤ - ٢٣: «أجبرهم على الدخول حتى يمتلئ بيتي».. أي أدخل الناس جيراً في الدين المسيحي ليعج «بالمؤمنين المسيحيين».

ولما كان الأمر كذلك فإن بلورة مثل هذا الإطار الفكري يمثل أرضًا خصبة لنمو جماعات العنف المسيحي، وإن كانت إمكانات ذلك تبدو صعبة في الأفق المنظور والبعيد على السواء.

(١) استخدم التقرير المدلول المجرد لكلمات مثل: الأصولية والسلفية والصوفية بعيداً عن معناها المعروف عند المسلمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل