; الأزهر الشريف يدعو كافة المسلمين لمواجهة القرار الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان الأزهر الشريف يدعو كافة المسلمين لمواجهة القرار الأمريكي

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1995

مشاهدات 62

نشر في العدد 1174

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 07-نوفمبر-1995

أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بياناً شديد اللهجة حول دلالات القرار الأمريكي الذي أصدره الكونجرس بنقل سفارة أمريكا من تل أبيب إلى القدس، وصف البيان قرار الكونجرس بأنه «دعم للمعتدي الظالم، واستهانة وهدم لقرارات الأمم المتحدة»، كما وصفه بأنه «نقمة على السلم العام في المنطقة» وأنه «سينهدم به كل سلام قام أو سيقوم»، ودعا بيان الأزهر الشريف كافة المسلمين إلى الاجتماع والتشاور لمواجهة الموقف واتخاذ ما يرونه مناسبًا لإقرار الحق والعدل، كما دعا بيان الأزهر الرؤساء والحكام العرب وكافة الهيئات في العالم الإسلامي إلى الوقوف وقفة شجاعة تتناسب مع مكانة القدس في نفوس المسلمين جميعًا، وهذا هو نص البيان الذي وقعه الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر: 

إن القدس، تلك المدينة التي باركها الله وما حولها، حيث كانت موئل الكثيرين من أنبياء الله، ثم أخيرًا كانت غاية إسراء النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» من مكة المكرمة في الحجاز من شبه- الجزيرة العربية، حيث كان مولده ومقر بعثته- ورسالته إلى الناس جميعًا، وكانت القدس موطئ قدمه في معراجه «صلى الله عليه وسلم»، بدعوة من ربه ليريه من آيات ربه الكبرى. 

وفيها المسجد الأقصى الذي صلى فيه ليلة إسرائه ومعراجه إمامًا بالأنبياء، عليهم جميعًا الصلاة والسلام، وهو بهذا من المساجد الثلاثة - التي تشد إليها الرحال للصلاة، حيث ضاعف  الله أجر الصلاة فيها، فهو ثالث الحرمين في مكة والمدينة، ولهذا فللقدس والمقدسات فيها منزلة عظمى لدى المسلمين جميعًا، تهفو نفوسهم- إلى تحريرها ممن تسلطوا عليها غدرًا وغيلة فقتلوا الأنفس، واستلبوا الأموال والأرض والعرض، وبغوا وأكثروا فيها الفساد، ودنسوا حرمها المبارك الشريف بآثامهم وآثارهم واخترقوا أرض المسجد وحرمه، وهم مصرون على تخريبه وإزالته.

وقد تعاقب عدوان الإسرائيليين على القدس منذ أن كانت لهم شوكة، وامتشقوا السلاح دعمًا لوجودهم على أرض فلسطين،وظاهرهم على هذا تدخل الجيوش التي احتلت أرض العرب جميعًا بعد الحرب العالمية الأولى - في هذا القرن العشرين، ولا يزالون مصرين على عدوانهم وعداوتهم للعرب والمسلمين، مجاهرين بها بالرغم من مساعي السلام، التي تجري منذ كانت حرب رمضان 1393هـ - أكتوبر 1973م.

صداقة أمريكا لنا مزعومة

وبالرغم من قرارات الأمم المتحدة التي آزرت - نظريًا - حق العرب والمسلمين في أرضهم فلسطين، وفي القدس بوجه خاص بحدودها ومقدساتها قبل العدوان عليها، لا تزال مساعي السلام تترنح وتصطدم بعراقيل تقيمها إسرائيل، ولا يزال الوسطاء يأملون أن يتم هذا السلام بين إسرائيل وجيرانها، حتى تصبح جارًا يعرف حقوق الجوار، ويعيش الجميع في سلام نافع للإنسانية بوجه عام. 

وفي فترة الترقب والمتابعة لإنجاح عملية السلام، يتدخل فجأة الكونجرس الأمريكي بقراره بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، مع أن أمريكا تزعم أنها صديقة كل العرب، وهي أصدق في صداقتها بإسرائيل وبمبادرة منها، تؤيدها وتدفعها لمزيد من العدوان على العرب وحقوقهم وتناصرها بهذا في وضع العراقيل نحو إتمام عملية السلام التي تتظاهر بدعمها، لكنه دعم غير عادل، إنه دعم للمعتدي الظالم واستهانة وهدم لقرارات منظمة الأمم المتحدة، التي ضمنت استمرار الوضع في القدس على ما كان عليه قبل عدوان 1967م، فهل تخلت أمريكا بهذا عن دعم عملية السلام، وهل أقبلت أمريكا بقوتها وقدرها في العالم على الاستهانة بقرارات المنظمة الدولية التي تقيم على أرضها ؟! ألا ترى أمريكا والكونجرس خاصة أن قراره هذا يوهن من هيبة أمريكا أمام العالم كله؟ أليس هذا القرار دعوة مباشرة إلى دول أخرى إلى الاقتداء بها في نقل سفارتها إلى القدس، وبذلك يكون اعترافًا ظالمًا متصفًا تحمل وزره أمريكا؟! 

إننا - نحن المسلمين - نؤمن بقول الله سبحانه في القرآن ﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاس﴾ «آل عمران: 140»، وبالقطع سيأتي اليوم الذي تقف فيه أمريكا دون مساندة من أحد، فيما يقع بها وعليها من كوارث سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، إن العرب والمسلمين قد تواصلت صداقتهم بأمريكا وبالغرب عمومًا نحو ثلاثة أرباع هذا القرن العشرين، وهم - أي العرب والمسلمون - مخلصون في صداقاتهم أوفياء بعهودهم وعقودهم، لأنهم يؤمنون بهذا الوفاء بعقيدة وشريعة الإسلام، فهل كانت أخلاق أمريكا - وهي في مركز قيادة العالم - على مستوى مسؤوليتها في هذه القيادة، تعدل ولا تظلم ولا تحيد عن الحق؟ إن القدس وحقوق الفلسطينيين ليست بضاعة مزجاة، وقضية تحتمل الكسب والخسارة، إنها قضية الأمة التي يبلغ تعدادها خمس سكان العالم، والتي تملك تحت يدها ثروات تهم الإنسانية في علومها ومعايشها واحتياجاتها، فهي قوة مؤثرة عسكريًا، واقتصاديًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، وثقافيًا.

وقفة واحدة ضد الظلم

هذه الأمة لا تتوانى عن أن تجمع كلمتها، وتصف أقدامها في كل هذه الميادين، كما تصطف في صلواتها خمس مرات في اليوم، لتدافع عن نفسها، وهي في وقفتها ضد قرار وسياسة أمريكا نحو القدس، ونحو فلسطين لا تطلب حق أحد، ولا تعتدي على غيرها، وها هي هذه الأمة - بقدراتها هذه - تدعو الكونجرس الأمريكي أن يكون مع الشعب الأمريكي الذي تحمل مسؤولية دفع العدوان في حربين عالميتين في هذا القرن، وما فعل ذلك ليكون معتديًا ولا ظالمًا. 

ألم يكن الأولى أن يستفتي الشعب الأمريكي قبل أن يصدر الكونجرس قراره بتأييد إسرائيل في تأكيد احتلالها للقدس، واغتصاب الأرض والعرض من أهلها، وإحاطتها بالمستوطنات والمعسكرات التي هددت أمنهم ومقدساتهم؟! 

إن الأزهر الشريف، وقد فوجئ بهذا القرار الظالم الذي لم يكن منتظرًا من - الصديقة - أمريكا التي تسعى وربما تشقى في عملية السلام، هذا القرار الذي استظهر أن دعاة السلام صاروا دعاة للغدر أو الاغتيال للأرض والعرض والمقدسات، لا يرعون حقًا للغير، ولا يدعون إلى خير، وإنما يسعون في الأرض فسادًا بعداوتهم، وبما أتيح لهم من أموال وتقنيات والله من ورائهم محيط، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227)، ثم أنتم يا أصحاب القضية.. قضية القدس، هل أذهلتكم مفاجأة الكونجرس، وأسكنت الألسنة التي لا تترك قولًا أو فعلًا فيما بينها إلا عقبت، وأطلقت الألسنة الحداد بالزور والبهتان، تثير الفتن، ولا تنير طريقًا، ولا تدفع غيبة، ولا تترافع في ملمة بالأمة؟! لعلكم قد صمتم تفكيرًا وتقديرًا.. إن كان ذلك فأين منظمة المؤتمر الإسلامي بقمتها ووزرائها وأمينها العام، وأين جامعة الدول العربية بقمتها وهيئاتها المتعددة؟ ألم يقل الله في القرآن ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)؟ أليس من أمور الإسلام وقواعده الاهتمام بأمور المسلمين؟ هل غاب عنكم قول الله سبحانه ﴿لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: 251)، وقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40). 

كونوا على قدر المسؤولية

إذا كان قد غاب عنا - نحن أمة المسلمين - بجميع شعوبها وألوانها ولغاتها ومواقعها على أرض الله، فها هو كتاب الله بأيدينا، يتلو الأزهر عليكم منه هذا الهدى، فكونوا على قدر المسؤولية، واخرجوا من هذا الصمت الذي قد يفسر الرضا عما يحدث من قول أو فعل موجه إليكم يمس أرضكم وعرضكم ومقدساتكم، فليقل مؤذنوكم في كل مساجد الله «حي على الصلاة»، ولتقبلوا للتشاور في هذه القضية التي قد تكون هي القاضية على وجود القدس في يد الأمة التي ائتمنها الله عليها صلة بين الأرض والسماء،كما كانت يذكر فيها اسم الله ويتلى قرآنه ويظل النداء «الله أكبر» عاليًا صادرًا من مساجدها الأقصى مجاوبًا لحرم الله في مكة وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة.

أيها المسلمون يا أهل هذا الشرق من أقصاه في مطلع الشمس إلى أقصى المغرب، كونوا على قدر المسؤولية في هذه القضية، ولا ترهبكم قوة، فما دعاكم الأزهر في هذا الوقت إلى استكشاف سلاح، وإنما يدعوكم إلى أن تدفعوا عن قضاياكم المصيرية بكلمة واحدة تقولونها وتسمعونها للآخرين في مواقعهم، ليعلموا أن لكم وجودًا حاضرًا، وأنكم لا ترهبون المواجهة، دفاعًا ونصرة لأجيالكم التي يغتال مستقبلها وأنتم تبصرون.. اجمعوا مؤسساتكم في أوطانكم واصطفوا من يدرس ويحاجج عن قضاياكم في كل الأماكن والمواقع التي هيأتها المنظمات المحلية والدولية، ولن تفقدوا من يظاهركم في الدفاع عن حقكم، ووقف العدوان على أرضكم وقدسكم وعرضكم. 

إن الأزهر الشريف وقد تداول مجلس مجمع البحوث الإسلامية فيه هذه القضية، قضية القرار الصادر من الكونجرس الأمريكي لاغتصاب القدس، ولتأكيد احتلالها من إسرائيل، بينما مساعي الصلح تشغل حيزًا كبيرًا في هذا الوقت، وتجري الوفود هنا وهناك، ويشارك الرؤساء ومنظمات دولية أخرى لإنجاح هذه المساعي، يأتي هذا القرار من الكونجرس نقمة على السلم العام في المنطقة، وتحريكًا لما استكن واستتر في النفوس من كره للظلم والظالمين، ومن نقمة توشك أن تفسد كل المساعي.

قرار ضد السلام

إن الصداقة الأمريكية واجبها أن تحمل المسؤولية نحو هذا القرار الذي سينهدم به كل سلام قام أو سيقوم، وإن الرئاسة الأمريكية عليها أن تواجه هذا بما في يدها من سلطات، إذا كانت حقًا تسعى لإقرار السلم والسلام في هذه المنطقة الهامة من العالم، التي تتواكب فيها المصالح الأمريكية مع المصالح المحلية للأمة الإسلامية بجميع شعوبها. 

وإن الأزهر الشريف بهذا البيان يدعو جميع المنظمات الدولية أن تأخذ دورها في إقرار السلم العام في العالم، وأن تقف في وجه هذه المعوقات، ومثل هذا القرار الذي صدر في وقت يتطلع فيه الجميع إلى السلام. 

إن الأزهر الشريف يثق في أن شعوب الأرض كافة تؤمن بالسلام وبضرورة توافر الأمن لكل الناس، وأن عليها أن تحث الرؤساء والحكومات والبرلمانات لتأخذ دورها نحو الوقوف ضد قرار نقل السفارات إلى القدس، وترك هذه القضية إلى موقعها ووقتها في محادثات السلام الجارية. 

وبكل التقدير والاحترام يدعو الأزهر الشريف جميع الهيئات في العالم الإسلامي لتقف وقفة شجاعة تتناسب مع قدر هذه القضية وخطورتها على مستقبل الأمة الإسلامية وأجيالها، ويدعو الأزهر الشريف أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، الملوك والرؤساء والأمراء والحكومات أن تتشاور وتتآزر وتخرج عن الصمت وتطلع شعوبها على المخاطر التي تتعرض لها في هذا العصر، ويدعو الأزهر الشريف إلى نبذ الخلافات، فإن القضية الماثلة أخطر من أي خلاف قائم، وسيسجل التاريخ وقفتكم هذه الناضجة المدافعة التي تذود عن الأمة الشرور، وتكافح الغرور من الذين قد بدت البغضاء من أفواههم وتلبست بها أعمالهم.

أعيدوا للأمة وضعها في الإسلام، إنها كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وهي كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوف (الطلاق: 6)، فقد حذرنا الله في القرآن من النزاع والشقاق وأمرنا بالاعتصام بحبل الله، وهيأ لنا عناصر وحدة الكلمة والصف والتعاون على البر والتقوى، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ومناصريكم من صداقاتكم في العالم، ولا يكن أمركم عليكم غمة، ثم أفضوا إلى حججكم فأقيموها وأعلنوها، ودافعوا بحزم وعزم عن قدسكم، فهي عرضكم، وثقوا بوعد الله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف: 21)، ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد :35).

 

الرابط المختصر :