العنوان أوروبا المسلمة
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1995
مشاهدات 84
نشر في العدد 1160
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 01-أغسطس-1995
- الإسلام أصبح الآن جزءًا من حياة الأوروبيين بعد أن تجاوز عدد المسلمين عدد اليهود والبروتستانت في البلدان الكاثوليكية
- غياب الثقافة المشتركة لدى المهاجرين المسلمين في بريطانيا أصبح يمثل لهم مشكلة
بدأت مظاهر الإسلام تجتاح القارة الأوروبية منذ بداية قدوم المهاجرين المسلمين إليها للبحث عن لقمة العيش وحياة أفضل، وقد ارتفعت منارات المساجد في معظم المدن الأوروبية، وانتشرت المراكز الإسلامية في كل أنحاء أوروبا، مما حدا بالعالم الديموجرافي الفرنسي جان كلود تشيزني إلى القول إن: «أوروبا أصبحت جزءًا من العالم الإسلامي».
ويعزي معظم انطباعات الإنسان الغربي عن الإسلام إلى الصورة الراسخة والمرتسمة في ذهنه عن الرعب السياسي في منطقة الشرق الأوسط، ولو أن النزاع الوحيد الذي كان المسلمون طرفًا فيه داخل أوروبا يتمثل في حرب البوسنة ويشكلون الغالبية العظمى من الضحايا، كما أن الصحوة الإسلامية في شمال إفريقيا وشبه القارة الهندية زاد أيضًا من ترسيخ هذا الانطباع لدى الغربيين مثل الحكم الذي صدر بحق الروائي سلمان رشدي نتيجة ما تضمنه كتابه «الآيات الشيطانية»، من إساءة للإسلام، وقد ذهب كل من ويلي كلايس - السكرتير العام لحلف الناتو, والبريطانية آستيلا ريمينجتون إلى أبعد الحدود عندما وصفا ما أسمياه بالتطرف الإسلامي على أنه يمثل خطرًا على المستقبل من الناحية الجغرافية - السياسية «الجيوبوليتيكية»، ولذلك فعندما أخذ عدد المسلمين يزداد بشكل مطرد وبدأت الاقتصاديات الأوروبية يصيبها الوهن، أصبح المسلمون الهدف الأول لهجمات المتعصبين والفاشيين الجدد من أحزاب اليمين المتطرفة.
وفي نفس الوقت، فإن الإسلام بدأ يؤثر بشكل ملموس على حياة الأوروبيين، وذلك بطرق شتى وعلى جميع المستويات بدءًا بالحياة الأوروبية، ومرورًا بالموضة إلى الثقافة الشعبية، وقد تضاعف عدد المساجد والمدارس الإسلامية ومحلات بيع اللحم الحلال والحلويات في غالبية کبرى المدن الأوروبية، وكما قال العالم الفرنسي جيل كيبل صاحب مؤلفات عديدة عن الإسلام والغرب، وعن التطرف الديني: «إن أوروبا في الإسلام، والإسلام في أوروبا».
في الواقع فإن الإسلام أصبح الآن جزءًا لا يتجزأ من حياة الأوروبيين بعد أن تجاوز عدد المسلمين عدد البروتستانت واليهود في البلدان ذات الأغلبية الكاثوليكية مثل بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، ويقيم في فرنسا ما لا يقل عن 2.2 مليون مسلم، وفي ألمانيا 2.2 مليون أيضًا، وبريطانيا 1.3 مليون، ويتراوح إجمالي عدد المسلمين في أوروبا الغربية ما بين 8 - 10 ملايين مسلم، وسوف يزداد عددهم في السنوات القادمة.
إن القارة الأوروبية التي تتسم بارتفاع نسبة كبار السن وانخفاض معدلات الولادة تعتمد على المهاجرين إليها ليس من أجل الحصول على عمالة رخيصة فحسب، بل من أجل دعم أنظمة الإعانة الاجتماعية لديها، فإلى جانب ألمانيا، فإن غالبية البلدان الأوروبية يأتيها العمال المهاجرون من شمال إفريقيا والشرق الأوسط وتركيا، وإن الجالية الإسلامية في أوروبا تنمو بمعدل غير عادي، ففي فرنسا فقط تفيد التوقعات بأن عدد المسلمين فيها - ويمثل العرب الغالبية منهم - سيرتفع إلى ما بين 6 - 8 ملايين نسمة خلال الـ 15 سنة القادمة.
أوروبا عقيمة ولكنها غنية
ويقول تشيزني في هذا الصدد إن «أوروبا عقيمة ولكنها غنية، في حين أن العالم العربي يشهد انفجارًا سكانيًا لا مثيل له».
إن المسلمين في أوروبا هم أبعد من أن يكونوا موحدين، حيث إنهم يأتون من بقاع وأعراق وطوائف دينية مختلفة ومتعددة، ويؤدي بعضهم شعائر الإسلام بكل حماس، والبعض الآخر بدون حماس أو يصبحون علمانيين، بيد أن هناك نوعًا من الرباط الذي يجمع شملهم فرض عليهم الظلم والجهل، وقد جاء في استفتاء أجري في فرنسا السنة الماضية، حيث طلب من المسلمين الاختيار بين عدة مفردات وعبارات، وكانت المفردات الثلاث التي يرونها أقرب إلى الإسلام هي: «الديمقراطية» و«العدالة» و«الحرية»، في حين اختار غير المسلمين عبارات مثل «التطرف»، و«الاستسلام»، و«رفض القيم الغربية».
إن أي إنسان مسلم يدخل أوروبا اليوم بإمكانه أن يتلمس حالة التوتر فيها، وتضطلع مدينة تاريغا الواقعة في مضيق جبل طارق بدور الجسر الموصل إلى أوروبا، ولا يلبث المهاجرون من شمال إفريقيا حين يطأون بأقدامهم هذه المدينة حتى ينظر سكانها إليهم بعين الريبة، كما يمنعهم البائعون من دخول محلاتهم.
مخاوف موروثة
وهناك مخاوف موروثة بدأت تطفو على السطح ثانية في غمرة الجو المتوتر حاليًا بين الغرب والصحوة الإسلامية، وقد ترسخ لدى المسلمين والمسيحيين سواء الكراهية المتبادلة، وعدم التفاهم، ويرجع ذلك إلى الفتوحات الإسلامية، والحملات الصليبية والثورات القومية، وعمليات الإرهاب والإرهاب المضاد، وإن من الصعوبة بمكان أن تندثر تلك الضغائن الموروثة، وتقول العالمة البريطانية کارين أمترونغ مؤلفة كتاب «الحروب المقدسة» ومؤلفات أخرى: «إن عداءنا للمسلمين في أوروبا يرجع إلى أيام الحروب الصليبية، وقد ازداد جنبًا إلى جنب مع اللاسامية».
وقد حدث تغيير كبير عندما اجتاحت أوروبا الحاجة الملحة إلى العمالة المسلمة الرخيصة، فعلى سبيل المثال: دفعت تلك الحاجة بلجيكا إلى إبرام اتفاقيات هجرة خاصة مع كل من المغرب وتركيا خلال الفترة ما بين 1964 - 1974م، وكان المهاجر المسلم يتلقى ترحيبًا كبيرًا عندما يهاجر هو وعائلته إلى كثير من البلدان الأوروبية التي كانت تسعى إلى إحلالهم محل العمالة الإيطالية والإسبانية واليونانية والبرتغالية الذين كانوا قد هاجروا إلى تلك البلدان، وبدأ نفوذهم يزداد فيها.
وكما قالت آن موريلي، الأستاذة في جامعة بروكسل: «كان قدوم المهاجرين المسلمين إلى بلجيكا بمثابة بلسم في الاقتصاد البلجيكي، وقد شجعتهم الحكومة على الإنجاب لكي يتوفر فيها مجتمع شبابي، وكانت الدعايات تبشر للمهاجرين الجدد بالحياة التي لم يحلموا بها، حيث كانت اللوحات الدعائية التي كانت تعرض للقادمين فور وصولهم عبارات توحي بأن بلجيكا هي الفردوس الخصب، حيث تتوفر المساكن الصحية وكل ما يغري القادم الجديد، بما فيها القروض الميسرة، والرعاية الجديدة لأولاده».
وتضيف الأستاذة موريلي قائلة: «وعندئذ بدأ الناس يتحدثون عن مشكلة الهجرة، إن المشكلة لا تكمن في الدين فقط بل إن ما يخيف أوروبا هو موجة الهجرة وليس الإسلام في حد ذاته»، كما قال الأستاذ الجامعي الفرنسي أوليفييه روي: «ولكن الأمر الذي يزعج الأوروبيين في الإسلام هو أنه يبدو غير قابل للتكيف مع الديانات الأوروبية».
في الواقع فإن مقاومة الأوروبيين لا تعمل إلا على زيادة المقاومة الإسلامية، فعندما تصاعد في ألمانيا جدال ينم عن كراهية الأجانب في مطلع التسعينيات، حيث كانت هناك دعوات إلى تغيير سياسة الهجرة إلى ألمانيا، فقد نال المهاجرون واللاجئون نصيب الأسد من الشتائم والإهانات، وعندما أوصد المجتمع الألماني أبوابه أمام أبناء المهاجرين الأتراك واستهدفتهم العصابات النازية الجديدة، تجمعوا في شوارع برلين لمطاردة مضطهديهم من تلك العصابات، وهناك تجمعات للشباب الأتراك أخذت تتحول إلى جماعات إسلامية كي تتلقى دعمًا وتقوم بمهمة ما.
النزاع الاجتماعي
إن النزاع الاجتماعي هو جزء من هذه المشكلة، فالإسلام - كعقيدة - يشهد اليوم ازدهارًا كبيرًا في حين أن المسيحية طفقت ينضب معينها بوصفها مصدرًا للإلهام والراحة النفسية، وتقول الراهبة السابقة أمنترونغ: «إننا ننظر إلى أتباع أية ديانة بعين الريبة والاشتباه، وعندما انهارت الشيوعية وأصبحت الفاشية هي مجرد سياسة بدائية أفلس الغرب من الأيديولوجيات وأخذ يبحث فطريًا عن أعداء، فما أن انهار الاتحاد السوفييتي إلا وأصبحت بريطانيا شديدة الحساسية تجاه المظهر الإسلامي لكثير من المهاجرين إليها»، وتضيف أمترونغ قائلة: «طفقت الحرب السيكولوجية ضد الإسلام تحل محل الحرب الباردة في أيامنا هذه».
ويدرك هذا النزاع كل مرتادي المسجد الواقع في شرق لندن، والذي لا يبعد عن الكنيسة القديمة «بريك لين»، فقد شهد ذلك المسجد في عام 1990م، قيام أفراد العصابات النازية الجديدة برمي رؤوس خنازير إلى مدخله إلى جانب كمية كبيرة من قطع لحمها الملطخة بالدماء، وقد آثر القائمون على ذلك المسجد عدم إبلاغ ذلك الحادث للصحافة في حينه، وقد برر ذلك نائب الإمام السيد مؤمن الدين قائلًا: «إن العنصريين يحبون الشهرة ولن نعطيهم إياها»، ولكن كان من الصعوبة بمكان أن يظل ذلك الحادث في طي الكتمان لمدة طويلة، وفي عام 1992م أقدم مجهول على إضرام النار في قاعة اجتماعات المسجد، وقد التهمت النيران كل محتويات تلك القاعة من أثاث، ولولا سرعة تجاوب رجال الإطفاء اللندنيين لوقعت كارثة.
تاريخ توافد المهاجرين للألمانيا
إن لكل دولة طريقتها في التفكير وقد تكون صائبة، ويرجع تاريخ توافد المهاجرين المسلمين إلى ألمانيا، حيث يبلغ عددهم مليوني مسلم، عندما بدأ العمال الأتراك يفدون إليها قبل 20 عامًا، وكان من المعتقد أن يقيم هؤلاء العمال في ألمانيا بصفة مؤقتة غير أنهم استقروا فيها حتى شهدوا ولادة الجيل الثالث منهم، إن معظم أبناء المهاجرين الأتراك يجيدون اللغة الألمانية أكثر من اللغة التركية، كما يشعرون بالغربة عندما يزورون تركيا، لكنهم فقدوا الأمل في الحصول على الجنسية الألمانية.
وقد بدأت الأمور تتغير في حين يصر فيه المستشار الألماني هيلموت كول وبعض السياسيين الألمان على أن «ألمانيا ليست بلدًا للهجرة»، هناك من ينادي ببقاء المهاجرين في ألمانيا حتى من بين المتطرفين داخل الحزب الديمقراطي المسيحي الذي يتزعمه المستشار كول، فحتى عندما بدأت ألمانيا في التشديد على سياستها بشأن الهجرة في مطلع التسعينيات للحد من تدفق المهاجرين من شرق أوروبا، أخذت في اتخاذ المرونة إزاء بعض الشروط الجافة للحصول على الجنسية، والتي كانت مبنية على الأصل الألماني، ومنذ عام 1990م ارتفع عدد الأتراك الذين حصلوا على الجنسية الألمانية من 2000 متجنس إلى 40.000 حسب التقديرات.
وتقول باربارا جون، وهي مفوضية برلين لشئون الوافدين: «إننا نشهد اليوم في ألمانيا جيلًا من أبناء المهاجرين يرغبون في البقاء هنا، ويبنون مستقبلهم ولم يعودوا يقبلون العيش هنا بصفة أجانب»، وهناك قانون لم يصدر بعد من شأنه أن يضفي مزيدًا من المرونة على تجنيس أبناء المقيمين في ألمانيا بصفة دائمة، وقد أصبح سيم أوزدمير أول تركي متجنس في ألمانيا يتم انتخابه عضوًا في البرلمان الألماني وممثلًا لحزبه «أنصار البيئة».
ومن الناحية الاقتصادية، تعتبر الجالية التركية مندمجة في المجتمع الألماني، فقد أسسوا 37.000 شركة داخل ألمانيا، ووظفوا 135.000 شخص 15% ألمان، ومع ذلك، فحتى صدور بعض القوانين المرنة، فإن 4% فقط من إجمالي الجالية الإسلامية في ألمانيا قد حصلوا على الجنسية الألمانية.
أما في بريطانيا بالعكس، فإن 75% من الجالية الإسلامية المقيمة فيها قد حصلوا على الجنسية البريطانية، وإن ما ينقصهم هو أنهم لم يصبحوا مواطنين بل يعاملوا كأقليات مثل «السود» أو «الهنود – الباكستانيين»، أو «المسلمين».
وترتكز السياسة البريطانية على إدخالهم إلى المجتمع البريطاني لكي يندمجوا فيه كجماعات بدلًا من أفراد، وقد نجحت تلك الخطة إلى حد ما، وهناك استثناءات ممثلة في التعصب الديني لدى بعض المسلمين، وقد تجدي سياسة اللامبالاة التي تنتهجها السلطات البريطانية والإشارات التي تصدرها بين الفينة والأخرى في تحقيق الاندماج، بيد أن المسلمين لا يستخدمون النفوذ السياسي الذي منحتهم إياه زيادة أعدادهم في بريطانيا، ولا يوجد في البرلمان البريطاني إلا نائب كاثوليكي واحد من أصل هندي، ولا توجد فيها أيضا منظمة واحدة تنطق بلسان الجالية.
وكما قال السيد زكي البدوي - من الجامعة الإسلامية في لندن: «إن كل واحد منا نصب نفسه للحديث نيابة عن شخصين أو ثلاثة أو عشرة، فكانت تجمعنا عقيدة واحدة وليست ثقافة واحدة، ونتيجة لذلك فإن كل منا يعيش وكأنه في قريته».
إن غياب الثقافة المشتركة لا يمثل مشكلة بالنسبة للمهاجرين المسلمين في فرنسا، ذلك أن الفرنسيين يفرضون عليهم ثقافة واحدة ألا وهي الثقافة الفرنسية، ولو أن الحديث عن الجالية الإسلامية يتمحور حول مناهضة الهجرة على نطاق واسع، فإن هناك اهتمامًا كبيرًا بإصرار الحكومة على تحقيق اندماج المهاجرين المسلمين بالكامل في بوتقة المجتمع الفرنسي، إن النظام يحظر كل أشكال التمييز سواء على أساس العرق أو اللون أو الدين، حتى ولو تعلق الأمر بالإحصائيات، وكما قال العالم شيزني: «إن فكرة وجود أقليات عرقية مرفوضة ويحظرها الدستور أيضًا بشدة، إن فكرة البوتقة ناجحة»، ولكنها تنطوي على تحدٍ مباشر لتقاليد المهاجرين المسلمين، كما أن هناك أيضًا تركيز على دور المرأة في هذا النقاش، حيث تركز الحكومة وكذلك الصحافة على ضرورة فك القيود الثقافية والأسرية المفروضة على المرأة المسلمة.
الحجاب في فرنسا
وقد أحدث موضوع لبس الحجاب في المدارس الفرنسية جدلًا صاخبًا طوال السنوات الست الماضية، ذلك أن الإسلاميين يرون أن لبس الحجاب فريضة، بينما تراه الحكومة الفرنسية بمثابة إهانة لدولة علمانية كفرنسا.
إن هذا الوضع لا يعجب الشيخ عبد الباقي الصحراوي والبالغ من العمر 82 سنة، ويقول: «إن الفرنسيين يعتقدون أن من واجبهم إدماج المسلمين ليصبحوا فرنسيين من الدرجة الثانية، وأن يتخلوا عن كل ما لديهم بما فيه الإسلام، وكأن على المرء أن يشرب الخمر إذا أراد أن يصبح مواطنًا فرنسيًا».
إن الفوارق بدأت تتجذر، وإن من الصعب أيضًا إيجاد تسوية لهذا النزاع، إنه نزاع حضارتين عدوتين ظلتا تكنان لبعضهما البعض الكراهية طوال آلاف السنين، ولكن إذا لم تتوصل أوروبا إلى جمع شمل الثقافتين، وبناء مستقبل مشترك انطلاقًا من تاريخ غير مشترك، فإنها ستواجه اضطرابات طوال سنوات عديدة قادمة.