; العالم يفقد عقله.. ويدوس على قلبه.. ويجمد مشاعره في ثلاجة.. تجارة البشر | مجلة المجتمع

العنوان العالم يفقد عقله.. ويدوس على قلبه.. ويجمد مشاعره في ثلاجة.. تجارة البشر

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997

مشاهدات 75

نشر في العدد 1254

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 17-يونيو-1997

بيع الأطفال كالدجاج والخنازير في أسواق النخاسة والحروب

200 ألف طفل مجند في جيوش العالم بينهم عشرات الآلاف من الفتيات

للغابة تقاليد.. تحافظ عليها الحيوانات بالسليقة.. وللغابة خطوط حمراء لا تمس.. تحفظ لها وجودها.. وكيانها.. وحياتها، لكن في عالم البشر تتوارى التقاليد.. وتغيب الضمائر.. وتموت القلوب.. فتفاجأ بالبشر يتاجرون «بالبشر» إما من أجل نزوة مجنونة.. أو هوس بالمال، أو رغبة في النصر في ميدان القتال، وتجارة البشر.. صارت «عالمًا" متعدد التخصصات بين تجارة الأطفال في الجنس.. أو الحروب.. أو سوق الأعمال الشاقة، وبين التجارة في أجزاء من الإنسان يتم تسويقها حسب الطلب.

وتقوم على هذه التجارة شبكات عالمية منظمة تنظيمًا دقيقًا تستخدم أحدث ما في هذا العصر من تكنولوجيا.. حتى الإنترنت.. وتحميها قوى أقوى من الدول، تحصد في النهاية مليارات الدولارات هي في الحقيقة أنهار من دماء البشر ولكنها تحولت في عالم التجارة إلى أطنان من الذهب.. تفوق تلك الأطنان التي تدرها تجارة المخدرات.

القصص والمغامرات والتقارير الدولية والعلمية التي ترصد وقائع ما يدور في هذا «العالم» كثيرة ومتعددة، نقدم منها هنا عينات من مواقع مختارة من العالم.. وإلى التفاصيل…

إنهم يتاجرون بالأطفال دون وعي أو قلب أو مشاعر.. في الحروب.. والبغاء.. والأعضاء.. بل والموت.. نعم هناك تجارة بالأطفال في عالم الموت.

إحصائيات منظمة اليونيسيف الدولية تؤكد أنه بواسطة هذه التجارة يتم دفع ما لا يقل عن مليون طفل سنويًّا نحو البغاء في آسيا وحدها، وإحصائيات المركز الوطني للأطفال المشردين والمفقودين الذين يتخذ من واشنطن مقرًا له تكشف أن ما بين مائة إلى ثلاثمائة ألف في أمريكا الشمالية.. يتم دفعهم أيضًا إلى البغاء.

أما إحصائيات منظمة «إيكبات» فتؤكد بدورها أن التجارة في دعارة الأطفال تطول نصف مليون طفل من الهند والصين، وما بين 300 إلى 400 ألف طفل في تايلاند.

وعلى حين تؤكد اليونيسيف أن الأرقام الفعلية المتعلقة بهذه التجارة في البرازيل وكولومبيا وبيرو وأوروبا الشرقية تتفاوت بشكل كبير فإنها تلفت الانتباه إلى أن هناك سوقًا منظمة للجنس على الرغم من ميثاق حقوق الطفل الذي يدعو إلى محكمة العنف الجنسي ضد القاصرين!.

الظاهرة لم تكن بعيدة عن أعين أصحاب الضمائر من الأطباء وعلماء الاجتماع ورجال القانون الذين احتشدوا في أغسطس من العام الماضي في استوكهولم في أول مؤتمر دولي لمكافحة الاستغلال الجنسي للأطفال والمراهقين.

وقد رصد هذا المؤتمر شيوع الظاهرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط ومنطقة المحيط الهادئ مؤكدًا بذلك أنها تطول كل مجتمعات الأرض تقريبًا وأنها مقبولة ضمنًا، وبل محمية على مستويات عدة من التواطؤ.. لماذا؟ التفسير عند اليونيسيف التي تؤكد أرقامها مرة ثانية أن آلافًا من الأطفال يُستغلون يوميًّا أو يستدرجون أو يباعون كـ "أشياء" جنسية في سوق عالمية تشهد اتساعًا متزايدًا وتقدر عائداته ببلايين عدة من الدولارات.. وهو ما أغرى منعدمي الضمير للبدء في مشروع سوق دولية للتجارة في الأطفال، وقد ذكرت صحيفة الاندبندنت البريطانية أن البريطاني جون ديفبس المتخصص في تنظيم عمليات التبني أعدَّ خططًا طموحة لإنشاء سوق دولية لتجارة الأطفال من خلال وكالة «تبديل» مهمتها إيجاد أمهات بديلات من دول أوروبا الشرقية يتم إخصابهن بحيوانات منوية لرجال أمريكيين ويتم تمويل الوكالة بأموال أزواج من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا لم يرزقوا بأطفال.

وإذا كانت لغة الأرقام في عالم هذه التجارة مفزعة فإن التفاصيل والخلفيات والوقائع بل والمغامرات التي تحيط بها يشيب لها الولدان، وأبطالها دائمًا عصابات منظمة تتعدد أدوارها وتتناسق بدقة وإحكام.. ولعل منطقة آسيا تزخر دائمًا بقصص أغرب من الخيال.. فتايلاند تستورد أطفالًا من الصين وكمبوديا وفيتنام ولاوس، وقد ذكر أحد النواب في تايلاند أن هناك 150 طفلًا يعبرون بشكل غير مشروع الحدود الشمالية للبلاد كل أسبوع.. وهناك واقعة ضبط الشرطة الإيطالية لرجل كمبودي وبرفقته أربعة أطفال أسيويين كان ينوي بيعهم لإحدى شبكات الدعارة، وهي الواقعة التي أحدثت ضجة في العالم وذكر شهود العيان أن هؤلاء الأطفال الذين كانت تتراوح  أعمارهم بين ستة أعوام و12 عامًا كانوا في حالة صدمة.. وقد ادعى الرجل الذي كان يحمل جواز سفر بلجيكي مزور أن الأطفال أولاده وأنه جاء بهم للسياحة لكن طفلة منهم أفادت بأنه ليس والدها وهو ما كشف الواقعة.

ويرصد «سومبوب جانتراكا» وهو أحد المهتمين بظاهرة بيع الأطفال في عدد من القرى الواقعة قرب مدينة «تشيانج راي» الواقعة شمال تايلاند أن 150 عائلة من قرية واحدة أرسلت 61 من بناتها إلى عالم الدعارة انتهى الأمر بما لا يقل عن 13 منهن إلى اليابان أو إلى بيوت دعارة على امتداد خط الحدود التايلاندية مع ماليزيا.

ويضيف سومبوب أنه اكتشف أنه ما لا يقل عن 11 من وكلاء الدعارة كانوا نشطين في القرية بما فيهم رئيس القرية وزوجته وابن عم مدير مدرسة القرية، ويؤكد أن هذه القرية تشهد أكبر وجود للوكلاء وممثلي صناعة الجنس.

تورط السياسيين

وهناك عدد من القرى في مناطق تايلاند الريفية تبيع أطفالها لعالم الدعارة وإن كان بشكل أقل، ويكشف «كريتايا إرشافانتكول» من معهد البحث الاجتماعي والإسكان في جامعة ماهيدول قرب العاصمة بانكوك أن كثيرًا من السياسيين وشبكاتهم متورطين في هذا العمل مباشرة أو بشكل غير مباشر.

وتقول «إم ليمهنج» مديرة الملجأ الخيري في مدينة «باتامبانج» في كمبوديا عن القوادين الذين دمروا حياة الكثيرين من الفتيات الذين يرعاهم الملجأ: «إنهم يبيعون الكائنات الإنسانية مثل الخنازير أو الكلاب أو الدجاج».

وفي اليونان قالت خبيرة مكافحة الجريمة ورئيس لجنة حقوق الإنسان بناء على تقارير دولية إن نحو 3 آلاف طفل وقعوا خلال عام 1996م وحده ضحايا لشبكات الرقيق الأبيض التي لا تفرق بين الذكور والإناث، وإن من بين كل خمس ضحايا أربعًا من الإناث، وكشفت أن هناك سوقًا متنامية للأطفال أقل من 12 سنة حيث يتم إجبارهم على هذا العمل.

وإلى الصومال حيث كشفت الشرطة الإيطالية عن شبكة يشارك فيها صوماليون وإيطاليون تقوم بتهريب أطفال صوماليين من بلادهم وبيعهم في أوروبا وأمريكا بأسعار تتراوح بين 18 و30 ألف دولار حيث يتم توزيعهم على شبكات الرذيلة.

تسويق بالإنترنت

وهذه التجارة الملعونة لم تتخلف عن استخدام أحدث ما في العصر من تقنية إذ تم ابتكار شبكة إنترنت ساعدت على انتشار المعلومات عن الشذوذ الجنسي المتعلق بالأطفال، وتحافظ هذه الشبكة على هوية من يستخدمونها طي الكتمان وإن كانت تتيح الفرصة لتبادل المعلومات.

وليست الإنترنت وحدها التي تقوم بتسهيل المهمة وإنما هناك جمعيات متخصصة في تسهيل هذه المهمة البشعة، فطبقًا لما تقوله منظمة «إيكبات» وهي منظمة معنية بحماية الطفولة فإن ممارسي الشذوذ الجنسي مع الأطفال يتجمعون في جمعيات تتيح لهم تبادل الصور والعناوين وتبادل أشرطة الفيديو، وتعد ألمانيا أحد أكبر الدول المنتجة في هذا المجال، وتشكل بريطانيا وهولندا مركزي توزيع يمتد نشاطهما إلى أسواق جديدة في أوروبا الشرقية.

ودائمًا فإن مطاردة الشرطة لهذه الظاهرة تقود إلى اكتشاف وقائع مرعبة بحق الأطفال، ففي خضم تحقيقات الشرطة في عملية اختطاف أطفال، اكتشفت أشرطة فيديو تصور أطفالًا اغتصبوا وعذبوا ثم قتلوا على أيدي مهووسين جنسيًّا .. وتؤكد منظمة «إيكبات» أن هذه الصور تنشر بشكل سري وبأسعار باهظة وتفسر اختفاء بعض الأطفال، وتدلل على ذلك بالواقعة البشعة التي اكتشفها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عندما التقط مكالمة هاتفية بين أمريكي من لوس أنجلوس وإيطالي في ميلانو حيث طلب الأول «طفلة في الثامنة أو أقل» يمكن فعل أي بشيء بها بما في ذلك قتلها بعد عنف جنسي... وأضاف المتحدث الأمريكي الذي يبدو أنه متمرس في تجارة من هذا النوع «لا مشكلة .. لن يتم العثور على الجثة إطلاقًا!».

أطفال على خطوط النار

"والبغاء" ليس هو المجال الوحيد الذي يتاجر فيه موتى الضمير ومعدومو الإنسانية، وإنما هناك ميدان آخر لا يقل بشاعة .. هو ميدان الحروب، ولعل التقرير الذي قدمته «جراسيا ماشل» أرملة الرئيس الموزمبيقي السابق سامورا ماشل للأمم المتحدة عن هذه الظاهرة يجسد هذا الجانب .. تقول جراسيا ماشل إنه في بعض البلدان يتم تجنيد الأطفال الذين يبلغون السابعة من عمرهم إلزاميًّا، ففي كمبوديا هناك جندي من كل خمسة جنود يتم تجنيده قبل بلوغه الرابعة عشرة.

وتلفت جراسيا الانتباه إلى أن وصول القوات الدولية إلى ميادين الصراع لا يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدًا، حيث يتزامن ارتفاع نسبة البغاء لدى الصغيرات مع وصول قوات حفظ السلام، وتثبت في تقريرها أن الجنود المكلفين باحترام اتفاقية السلام في موزمبيق عام 1992م قاموا باغتصاب الفتيات، وأن أطفال ليبيريا يعدون من خير الشهود على المأساة التي يعانيها الأطفال من الصراعات الدامية إذ يقاسي حوالي ستة آلاف طفل تقل أعمارهم عن الخامسة عشرة من شدة التدريب العسكري داخل الجيش.

ومن موتروفيا يروي «جاكسون جيبيور» البالغ من العمر ستة عشر عامًا التجربة التي خاضها عندما أدخل الجيش.. يقول: لقد قبض القاتلون على أحد الأشخاص وبقروا بطنه وهو لا يزال حيًّا ثم أخرجوا أمعاءه ووضعوها على الطريق التي أشعلت أشعة الشمس نيرانها، ثم بدأوا في تقطيع الرجل إربًا إربًا، وهو لا يزال حيًّا .. ابتدأوا برجليه ثم يديه، ثم بالغوا في تقطيعه وتشويهه حتى لم يبق منه سوى ساقه.

يقول جاكسون: وأمام هذه المشاهد شعرت برغبة في التقيؤ، لكن المقاتلين أرغموني على النظر بإمعان إلى ذلك المشهد المريع بل وأجبروني على الضحك.. وهددوني.. إذا لم أفعل فسوف ألقى نفس المصير.. وهكذا يكون على الأطفال قبل الالتحاق بأي فريق عسكري المرور بهذه التجربة حتى يتم القضاء على أحاسيسهم ويعتادوا على الأعمال الإجرامية!.

نعود إلى تقرير جراسيا ماشل الذي استغرق إعداده عامين كاملين ويشتمل على دراسات ميدانية للبلدان التي تطحنها الحروب في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، يقول التقرير إن هناك ما لا يقل عن مائتي ألف جندي من الأطفال، العديد منهم في حوالي العاشرة من العمر.. الفتيات الصغيرات يلتحقن قسرًا بالجيوش، ثم تساء معاملتهن، وبعد ذلك يقدمن إلى الجنود كزوجات.. إن هناك ما لا يقل عن مليوني طفل وطفلة ذهبوا ضحية الحروب، فقد اجتاحت العالم منذ عام 1949م حوالي 130 حربًا سقط خلالها 22 مليون قتيل وحوالي ستين مليون جريح.

ترى هل يمكن أن نقول بعد هذه المآسي المركبة التي تحدث للأطفال في سوق الرذيلة أو في عالم الحروب إن الأطفال الذين يتم القذف بهم إلى سوق العمل وهم ما زالوا صغارا منعَّمون؟! فإن كانت الأعمال التي يقومون بها تشبه الأعمال الشاقة المؤبدة في سجون الأنظمة المتخلفة فإن متاعبها تظل محصورة في البدن.

لكن هذا النوع من الأعمال الشاقة يصيب شريحة كبيرة من أطفال العالم تصل إلى 250 مليون طفل يتم القذف بهم إلى سوق العمل وهم ما زالوا بين سن الخامسة والرابعة عشرة من العمر، ويلفت تقرير جراسيا ماشل الانتباه إلى أن هناك 120 مليونا «نصف العدد تقريبًا» لا يجدون وقتًا للراحة.. ولاحظ التقرير أن 61% من هؤلاء الأطفال يعيشون في آسيا، و32% يعيشون في إفريقيا والنسبة الباقية (7%) توجد في الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا والبرتغال.

والمفزع في هذا الصدد أن مكتب العمل الدولي رصد حالات من الأطفال لم يتجاوزوا الثالثة من العمر تم تسخيرهم في بعض مصانع الكبريت وبعض المناجم في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

هل يمكن أن نسمي هذا الذي يجري بحق الأطفال بانه «حرب» ضد الطفولة.. الحقيقة أن للحروب أصولًا وقواعد وأخلاقًا، والذي يحدث للطفولة هنا يتجاوز بكثير دائرة القواعد والأصول والأخلاق.. إنه خارج كل الحدود .. ومن يقف متأملًا أمامه لا شك سيفقد جزءً كبيرًا من عقله.

الرابط المختصر :