; موسم الحج.. ومظاهر الوحدة | مجلة المجتمع

العنوان موسم الحج.. ومظاهر الوحدة

الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني

تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1975

نشر في الصفحة 57

السبت 29-أكتوبر-2011

 

إذا كانت الصلاة والزكاة والصيام مراتع خصبة شرعها الله عز وجل ليتزود منها المسلم بالمثل الأخلاقية التي عليها صلاح دينه ودنياه، إذ في اتحاد المؤمنين في هيئة الصلاة، أقوالها وأفعالها، قيامها وركوعها وسجودها، وأوقاتها ومساجدها واتجاهها.

ولا في الصيام وحدة شهره ووقت الإمساك فيه من فجره إلى غروبه ومراقبة السائم الجميع جوارحه وتزكيتها وتطهيرها، ولا في الزكاة قضاء على الأنانية المادية، وتدريب على البذل والعطاء، التقوى أسرة الأخوة الإسلامية بين المسلمين. إذا كان في هذه الأركان الثلاثة ما به يتظهر الفكر البشري من الانعزالية والأنانية، وما به يتشبع بروح التواسي والتعاطف، ففي الحج أيضا من هذه المعاني ما يزيد هذه الوحدة والمساواة بين المؤمنين قوة ورسوخا. يقول الأستاذ الحاج أحمد الحيابي في كتابه، مرونة الإسلام... في مكة وحول الكعبة في الطواف وفي السعي بين السقا والمروة، وفي عرفة وفي المزدلفة وفي المشعر الحرام، وفي متى وفي رمي الجمرات يجتمع المؤمنون على سعيد واحد، وفي نظام ولباس واحد وتلبية موحدة.

وفي شعور المؤمنين بأن مكة بلد الله الحرام هي للمسلمين جميعهم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، كل هذا وغيره يحقق للمؤمنين في موسم الحج وحدة المظهر، وعن ذلك تنشأ الوحدة الروحية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية.

وفي لباس الإحرام المتحد الخالي عن التجمل والتباهي وفي التشعث والتغير يقضي المؤمن على أنانيته والتفاخر والتعالي. وفي ذلك تذكر بموقف البشر بين يدي الله عز وجل حفاة عراة من كل شيء يوم العرض والحساب، يقول سبحانه: ﴿ يومئذ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيةٌ ﴾ (الحاقة: 18).

إن المقصود الأعظم من أداء فريضة الحج هو امتثال أمر الله تعالى، كما امتثله خليل الله أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام حيث أمره تعالى بإقامة هذا الموسم العظيم وبأن يؤذن في الناس بالحج، يقول عز وجل: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾ (الحج: 27-28).

ومن المعلوم أن مشروعية الحج قديمة في هذه الأمة الإسلامية، قدم الصلاة والزكاة والصيام منذ رسالات الأنبياء عليهم السلام، يقول سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِين﴾ (الحج). إن أهم ما ينبغي أن يتذكره المؤمن وهو يؤدي فريضة الحج هي تلك العقيدة الصافية النقية من كل الشوائب، عقيدة التوحيد التي أمر الله عز وجل بها خليله إبراهيم عليه السلام بعد ما بوأه مكان البيت وأرشده إلى قواعد الحج ومناسكه يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود ﴾ (الحج: 26).

وفي الأماكن المقدسة والبقاع المباركة يتذكر المؤمن إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يدعو ربه في ضراعة وخشوع ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾ (البقرة: 128).

وفي تلك المواطن الطاهرة يتذكر المؤمن ذلك الابتلاء العظيم حيث أمر الله تعالى خليله إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: ۱۰۲)، فيستسلم إسماعيل لأمر الله وقضائه ويقول: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ (الصافات: 102).

ثم تكون عاقبة صبرهما وامتثالهما أن فداه الله تعالى بذبح عظيم، وأن شرف خليله بندائه قَدْ ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين﴾ (الصافات: 105).

ويتذكر المؤمن وثوق إبراهيم عليه السلام بربه وضراعته، حينما أنزل ولده وزوجته قرب الكعبة على غير زاد، ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون﴾ (إبراهيم: 37).

ويتذكر هاجر وابنها عندما نفذ الزاد القليل والطعام والماء، إذ قامت تسعى بين الصفا والمروة لعلها تجد ما تسد به رمقها وولدها حتى استكملت سبعة أشواط.

كما يتذكر الحاج في تلك المواطن الطاهرة نزول القرآن على خاتم الأنبياء محمد، وما عانى من كيد وأذى ومؤامرات من أجل نشر الإسلام ومحو آثار الشرك، وباختصار، فشعائر الحج ومواطنه كلها دروس وذكريات.

الرابط المختصر :