العنوان موريتانيا والظاهرة السلفية الجهادية.. إمكانية الاحتواء وخيار المواجهة!!
الكاتب سيد أحمد ولد باب
تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2008
مشاهدات 67
نشر في العدد 1787
نشر في الصفحة 28
السبت 02-فبراير-2008
- بطش حكومة ولد الطايع المخلوعة زاد العنف وغير خريطة التدين ونشط القاعدة.
- رغم الحملة الكبيرة التي شنها الرئيس السابق وأجهزته الأمنية والإعلامية ضد التيار الإسلامي ظل هذا التيار في مجمله العام معتدلًا.
يعود الإعلان عن أول وجود للتيار السلفي في موريتانيا إلى مطلع التسعينيات وتحديدًا مطلع ١٩٩٤م، حينما أعلن وزير الداخلية الموريتاني السابق «محمد الأمين ولد الداه» على صفحات جريدة «الشعب» الحكومية عن اكتشاف أفراد لهم علاقة بجهات متطرفة وشبكات دولية يهدفون إلى زعزعة المعتقد ومخالفة المذهب المعتمد والتشويش على المواطنين والتجسس على البلاد لصالح جهات معادية، دون أن يسميها، معلنا أسماء بعض الشباب من ذوي التوجهات السلفية والمشتغلين بالعلوم الشرع حارية البدع والمنكرات.
ولم تشمل الاعتقالات الكثير من الأفراد حينئذ، وإن أعلن «ولد الداه» وقتها عن «تنظيم الجهاد» الذي اعتبره الكثيرون ولد في السجن ومات فيه، وعاد دعاة السلفية بعد الاعتقالات لمساجدهم ومدارسهم يمارسون الدعوة ويشتغلون بمحاربة «البدعة» وتصحيح «عقائد الناس» مبتعدين أكثر عن الشأن السياسي العام وكذا الاحتكاك بالسلطة.
وقد ظل السلفيون بعيدين كل البعد عن العمل السياسي وظلت أحلام كثير من الشباب المتأثر بالطرح الجهادي هي الحصول على هجرة إلى أفغانستان أو إحدى الدول الإسلامية التي حصحص فيها الجهاد متأثرين بالأدبيات «كتابات الظواهري وأشرطة فيديو حرب البوسنة والشيشان» التي سادت في تلك الفترة.
أبرز رموز التيار الجهادي:
ومن أبرز شباب التيار السلفي الذي تبنى فيما بعد الطرح الجهادي «محفوظ ولد الوالد» والذي غادر البلاد متوجهًا إلى السودان لإكمال دراسته على نفقة الدولة الموريتانية قبل الالتحاق بتنظيم القاعدة.
و «النعمان» وهو شاب برز نهاية التسعينيات لكنه غادر البلاد إلى باكستان ومنها إلى أفغانستان التي ظل بها إلى أن «سقط شهيدًا» في مواجهة مع الأمريكيين. وقوات تحالف الشمال في إحدى المعارك الشهيرة التي أعقبت سقوط نظام أفغانستان.
ومعهما اسم المهندس «محمد ولد صلاحي» المحتجز حاليًا بجوانتانامو والشاب «أحمد ولد عبد العزيز» الموجود في السجن ذاته بعد اعتقاله في أفغانستان من قبل الأمن الباكستاني الذي سلمه للأمريكيين فيما بعد.
وظلت علاقة شباب الجهاديين السلفيين في موريتانيا محدودة بفعل غلبة الخطاب المعتدل وغياب مرجع ديني يستندون إليه وشيوع التدين بين الناس وارتفاع نسبة التدريس الديني بين المواطنين.
ومع السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الموريتاني المخلوع «معاوية ولد الطايع» بدأت الأوضاع السياسية في البلاد عمومًا تشهد حالة من التوتر بسبب تراجع الحريات وانتشار الفقر بين طبقات واسعة من أبناء الشعب كما ازداد احتكاك الشباب الموريتاني مع غيره من أبناء الدول المغاربية والمشرقية الأخرى بفعل التطور التقني والانفتاح الإعلامي الذي تشهده المنطقة.
الدكتاتورية غيرت خارطة التدين!: وشكلت مواقف النظام السلبية من العديد من القضايا السياسية نقطة تحول في خارطة التدين الموريتاني وبدأت جهات أمنية تضغط في اتجاه توتير الساحة الإسلامية الحبلى بكل الاتجاهات ليبدأ الفرز من جديد.
فكانت خطوات الرئيس السابق تتسارع في اتجاه ضربة لقوى التدين في البلاد. وبعد أشهر قليلة من تطوير العلاقات مع «إسرائيل» أعلن في العاصمة نواكشوط عن تسليم أحد رموز التيار الجهادي إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويتعلق الأمــر بـ «مـحمدو ولد صلاحي» المهندس العائد لتوه من ألمانيا والذي باشر ساعتها «إدخال التقنيات الحديثة للقصر الرئاسي حيث يوجد ولد الطايع» بعد اعتقاله على يد الأمن الموريتاني بتهمة الاشتباه في علاقته بالقاعدة.
وفي الساعات الأخيرة من الحرب الأمريكية على نظام طالبان في أفغانستان برز نجم «محفوظ ولد الوالد» الملقب بـ «أبو حفص الموريتاني» كأحد القادة المفترضين لتنظيم القاعدة وأحد أبرز المطلوبين للولايات المتحدة الأمريكية لتتجه أنظار المخابرات العالمية إلى الدولة المغاربية المعزولة بوصفها وكرًا مفترضًا لبعض المتطرفين الفارين من المواجهة أو «المتحيزين لفئة» وفق تعبير أصحاب هذا التيار.
وكانت هذه فرصة استغلها الرئيس الموريتاني المهزوز وبدأت قصة التيار الجهادي تنسج في أروقة المخابرات مستغلين بساطة بعض الشبان وحساسية المجتمع من التكفير والغلو لتحقيق غايات سياسية محضة.
لحظة التحول في العلاقة!!
ويعد الخامس والعشرون من أبريل ٢٠٠٥م لحظة تحول حاسمة في تاريخ العلاقة بين الدولة الموريتانية الفتية والجماعات المتشددة «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» والمرتبطة مع القاعدة فكريًا أو تنظيميًا، كما بات يعلن في أكثر من مناسبة، وخصوصًا من قبل الرجل الثاني في التنظيم.
فقد شنت السلطات الأمنية الموريتانية حملة اعتقالات واسعة شملت جميع المدارس الإسلامية في البلاد في محاولة للاستفادة من المناخ الدولي لضرب قوى سياسية مناهضة لتوجه الحكومة وشملت الاعتقالات سبعة أفراد زعمت موريتانيا أنهم تلقوا تدريبًا عسكريًا في الجزائر وأنهم كانوا يخططون لعمليات تستهدف مصالح موريتانيا وأن المخطط الخطير تم إحباطه بفعل يقظة الأمن الموريتاني.
ورغم الحملة الكبيرة التي شنها الرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع وأجهزته الأمنية والإعلامية ضد القوى السياسية عمومًا والتيار الإسلامي خصوصًا، فقد ظل التيار الإسلامي في مجمله العام معتدلًا في خطابه، متوازنا في توجهاته محذرًا من خطورة استغلال آخرين للموقف المتشنج للسلطة الموريتانية وبعض الخطوات الاستفزازية التي لجأ إليها النظام كالتنكيل بنساء المعتقلين أو الحرب الإعلامية على التوجه السلفي من قبل بعض العلماء الموالين للسلطة ساعتها، دون أن يعرفوا أن للكلمة ثمنًا، وللتسرع في المواقف ضريبة قد تكون قاسية وخاطئة في الوقت نفسه.
وفي ذلك الحين كانت كل الآذان في البلاد مغلقة ولم تجد الدعوات التي أطلقها الأئمة والعلماء صدى لدى أعوان الرئيس وعاشت البلاد هستيريا من التخويف والترهيب صاحبها تحذير متكرر من عمليات قد تقوم بها جهات داخلية متشددة انتقامًا من السلطة.
وكانت عملية «لمغيطي» التي استهدف فيها سلفيون جزائريون حامية للجيش الموريتاني كانت مرابطة على الحدود الموريتانية الجزائرية المشتركة بمثابة صافرة إنذار ومرحلة تحول في فكر الحركات الجهادية وعلاقتها بالدولة الموريتانية التي ظلت إلى وقت قريب منطقة عبور كما يقول بعض المراقبين للساحة وليست منطقة عمليات.
وقد سارع تنظيم «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» لتبني العملية واعتبرها رسالة إلى حكام نواكشوط: إما أن تطلقوا سراح المعتقلين، وإما فقد حانت لحظة المواجهة بين الدولة الموريتانية والجماعات المتشددة.
وقال التنظيم في بيان بث على شبكة الإنترنت إن العملية جاءت انتقامًا للسجناء في السجن المدني بالعاصمة نواكشوط ومقتل سيدة على يد الشرطة الموريتانية وأكد التنظيم أنها الأولى وليست الأخيرة متعهدًا بمعاقبة المسؤولين.
ورغم الإدانة القوية للعملية التي وصفت بالجبانة من قبل كافة القوى السياسية في البلاد إلا أن أجواء من الريبة والشك صاحبت الكثير من المواطنين وبات خطر القاعدة فعلًا أمرًا يتهدد مصالح البلاد العليا وسلامة مواطنيها.
صناعة الإرهاب!!
وبعد أن تجاوز الموريتانيون صدمة الأحداث المروعة التي خلفها الاعتداء على حامية الجيش الموريتاني في بلدة «لمغيطي» بدأت الأسئلة تطرح من جديد على لسان قادة الكتل السياسية ورؤساء المؤسسة العسكرية عن جدوى الدخول في حرب مفتوحة مع السلفيين الجهاديين سواء في الداخل أو الخارج.
أول ردود الفعل المحذرة من حرب مفتوحة مع الجماعات الجهادية جاءت من باريس حينما وزعت قوى سياسية موريتانية معارضة في الخارج مذكرة تحليلية حول عملية لمغيطى العسكرية والانسداد السياسي في موريتانيا، ركزت فيها على الظروف التي أحاطت بالعملية الدامية التي سقط ضحيتها خمسة عشر جنديًا موريتانيًا، كما قدمت قراءة متأنية لتاريخ الاعتقالات السياسية في البلاد.
وخلصت المذكـرة إلى أن النظام الموريتاني باستثارة وصناعة عنف موصوف بالإرهاب، قد دشن طورًا غير مسبوق من توطيد وإرساء حكمه على حساب بقاء واستمرارية الوطن. وقد وقعت على التقرير عدة منظمات معارضة من أبرزها المنبر الموريتاني للإصلاح والديمقراطية، وضمير ومقاومة اتحاد قوى التقدم فرع فرنسا. وحزب العدالة والمساواة - فرع فرنسا، والمنظمة المناهضة لخروقات حقوق الإنسان والمرصد الموريتاني لحقوق الإنسان.
وخلص التقرير إلى أن حملة الاعتقالات التي طالت قادة التيار الإسلامي ليست بدعًا من الممارسات، بل تندرج في سلسلة طويلة من التخويف والإقصاء والتصفيات العنيفة للمعارضين.
خروج من المأزق أم دخول فيه؟!
وبعد أيام قليلة من عملية «لمغيطي» التي هزت الشارع الموريتاني وصدور تقرير المعارضة السياسية ومراجعة داخلية قامت بها المؤسسة العسكرية خلص أبرز قادة الجيش في البلاد إلى وضع حد للمواجهة المفتوحة التي كانت تتجه إليها البلاد مع تنظيم القاعدة أو الجماعة السلفية الجزائرية للدعوة والقتال بتغيير الثالث من أغسطس ۲۰۰۵م الذي أنهى حكم الرئيس السابق، وإلغاء القرارات التي اتخذت بشأن تحويل كتائب من الجيش الموريتاني إلى الصحراء الواقعة بين الجزائر وموريتانيا، استعدادا لخوض حرب طويلة مع الجهاديين.
غير أن ملف السلفيين المحتجزين في السجن المدني لم تستطع الحكومة الجديدة آنذاك التي شكلها المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية وضع حد له، رغم الإجماع الداخلي بين القوى السياسية على ضرورة الإفراج عنهم أو محاكمتهم محاكمة عادلة، وإن خفت حدة المواجهة في الإعلام بل انتهت إلى حد كبير وأطلق سراح العشرات منهم في وقت لاحق بعد الإفراج عن المعتقلين السياسيين، بما في ذلك قادة بارزون من جماعة الإخوان المسلمين.
ويرى بعض المراقبين أن المناوشات المتكررة بين الأمن السياسي وعناصر الجماعة السلفية من وقت لآخر تهدف بالأساس إلى قطع خطوط الإمداد المالي والعسكري عن التنظيم، وتفكيك خلاياه الصغيرة التي بدأت تتشكل من جديد حسب قول السلطات الأمنية منذ سنة ٢٠٠٠م تحت مسمى: «الجماعة السلفية الموريتانية للدعوة والجهاد».
وقد واصلت السلطات الموريتانية حملات الدهم والاعتقال في صفوف تيار «السلفية الجهادية، وأسفرت عمليات الأمن عن اعتقال أكثر من ١٥ شخصًا منذ الإطاحة بالرئيس السابق، يعتقد أنهم على صلة بتنظيمات متشددة في المنطقة المغاربية وأغلبهم مطلوب للأجهزة الأمنية بناء على اعترافات سابقة يقول نشطاء حقوق الإنسان إنها أخذت تحت التعذيب.
وتأتي هذه الاعتقالات في الوقت الذي تقول فيه السلطات الموريتانية: إن «خلايا للتيار السلفي بدأت تنتشر في الفترة الأخيرة في البلاد، مستفيدة من ضعف الأجهزة الأمنية والأجواء السياسية التي كانت تعيشها موريتانيا قبل هجمات ۱۱ سبتمبر».
وتقول السلطات الموريتانية: إن من بين المعتقلين السلفيين حاليًا في السجن المركزي بالعاصمة نواكشوط اثنين على الأقل شاركا في عملية «لمغيطي» وآخر شارك في الإعداد لتفجير السفارة الأمريكية بالعاصمة التنزانية «دار السلام» ۱۹۹۸م، وإن الأدلة التي ضبطت معهم هي التي حالت دون إطلاق سراحهم بعد المحاكمة الأخيرة التي أفرج فيها عن عشرات المعتقلين.
ويخلص أغلب المراقبين للشأن السياسي والظاهرة الإسلامية خصوصًا إلى أن الوضع في موريتانيا يختلف تمامًا عن بقية البلدان العربية الأخرى، وأن الوجود التنظيمي للحركات الجهادية ضعيف إن لم يك معدومًا، وأن ما تعلن عنه السلطات الموريتانية من وقت لآخر ليس إلا مجموعات صغيرة غالبيتهم شباب يتخذون من دروس الحديث والتفسير وتوزيع الأشرطة هدفًا لهم بعيدًا عن الخوض في شؤون الحكم أو التخطيط للأمور من بعيد.
منهج الاستيعاب:
مع وصول الرئيس الموريتاني «سيد محمد ولد الشيخ عبد الله» إلى سدة الحكم في البلاد في آخر انتخابات رئاسية تشهدها موريتانيا بدأت الأمور تأخذ مجرى آخر غير الذي اعتادته موريتانيا طيلة السنوات القليلة الماضية، حيث أتيح للقضاء التعامل بحرية مع الملف، وأفرج عن كثيرين وتحفظ على آخرين دانتهم الأدلة وخفف الضغط الأمني على البلاد وإن بقي جانب الحذر قائمًا، وشجعت خطوات الرئيس الانفتاحية الكثير من شباب الصحوة الإسلامية على الانخراط في الحياة اليومية العادية، وخفت لغة الاحتقان في البلاد.
ويذهب أغلب المحللين السياسيين إلى السلطة أن إشراك الإسلاميين المعتدلين في والحياة السياسية، وتشجيع السلفيين العلميين المعتدلين، وفتح حوار جاد مع الشباب المتحمس وتوفير ظروف عيش كريمة للأفراد، كلها أمور مطروحة بإلحاح التجنيب موريتانيا أخطاء وتجاوزات جرت على الآخرين الكثير من الدماء.