العنوان موريتانيا: قنبلة «الحراطين» تهدد باقتلاع خيام «الشناقطة»
الكاتب محمد سعيد باه
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2013
مشاهدات 55
نشر في العدد 2052
نشر في الصفحة 22
السبت 11-مايو-2013
مشهد وصول بعض «الحراطين» إلى أعلى هرم السلطة في السنوات الأخيرة ينبئ بتغيرات اجتماعية وسياسية قريبة في موريتانيا
رغم تحريمه شرعًا وقانونًا مازال المجتمع الموريتاني يعاني من «الرق»
المجتمع الموريتاني مجتمع سياسي من الدرجة الأولى
يؤخذ على الإسلاميين أنهم لم يستطيعوا حتى الآن ملامسة قضيتي الرق ورديفتها المتعلقة بالصراع العرقي بين البيض والسود
تعود نشأة موريتانيا من الناحية التاريخية، في إطار حدودها السياسية الحالية، وشكلها الجغرافي الذي لا يتناسب مع الحجم الديمجرافي، إلى المرسوم الذي أصدرته سلطات الاحتلال الفرنسية بتاريخ ٢٧ ديسمبر ۱۸۹۹م، ينص على تكوين مستعمرة جديدة تابعة لها تحمل اسم موريتانيا، وبعد الاستقلال عن فرنسا في ٢٨ نوفمبر ١٩٦٠م، حملت اسم الجمهورية الإسلامية الموريتانية غداة رفرفة على ربوعها راية السيادة الوطنية، بعد أن حملت أسماء من قبيل «صحراء الملثمين»، و«الغرب الأقصى»، «بلاد المتونة».
حين يرد ذكر موريتانيا - الاسم الذي كان الرومان قد أطلقوه على منطقة شمالي أفريقيا - تتوارد النعوت الممجدة بلاد مليون شاعر أرض الحفظة والفقهاء الشنقيط بلاد الرباط، أو بلاد الشنقيط المنارة والرباط، على حد ما عنون به أحد مثقفي البلاد المرموقين.
أما من حيث التركيب السكاني، فإنه يمكن اعتبار موريتانيا من أقل الدول الأفريقية جنوبي الصحراء تعددا من حيث الأعراق، وإن كان ذلك لا يعني التناغم الاجتماعي، وتتكون الخارطة العرقية من الحسانيين والفلان والسوننكي، والولوف والحراطين.
والبعد الآخر الذي يجب توضيحه يتعلق باعتبارها الجامع المشترك بين المواطنين كما أن للسياسة نكهة خاصة في موريتانيا حيث تتميز الساحة بكثرة التيارات السياسية والفكرية التي تتناطح فيها بشراسة، رغم ضيق المساحة الاجتماعية التي تقف عليها:
بأن الشعب الموريتاني يصنف في خانة أكثر شعوب العالم المعاصر تسيسًا، لدرجة أن السياسة تحل مكان القرآن والشعر الناصرية البعثية الكادحون القوميون التيار الليبرالي، فضلا عن الإسلاميين بأطيافهم المتعددة.
وهذه هي التخوم التي نحاول استشرافها في هذا المقال، انطلاقًا من معطيات الواقع وتفاعلات الموقف السياسي الذي يتحكم في كل شيء في هذا البلد الذي يمثل البوابة الجنوبية للعالم العربي والمخرج الشمالي الغرب أفريقيا، مع محاولة إضافة مساحة خاصة باعتباري أكتب من خارج اللعبةوكوني لست جزءًا من المعادلة، وإنما أرقب المشهد عن كثب.
قضية «الرق» ومضاعفاتها: رغم أن «الرق» أصبح محرما من الناحية الشرعية والقانونية في موريتانيا بموجب عدد من الفتاوى الشرعية، ثم بالتشريعات التي أصدرتها الحكومة الموريتانية عام ١٩٨١م برقم (٢٣٤ / ٨١) بإلغاء العبودية في موريتانيا. ثم صدر قانون يتجاوز التحريم إلى التجريم وذلك عام ٢٠٠٧م، كما توج هذا الجهد باعتماده مبدأ ينص عليه الدستور وذلك عام ۲۰۱۱م، فإن من يحاربون الظاهرة وترسباتها التاريخية والاجتماعية، يعتبرون أن الظاهرة لا تزال متفشية، وهو ما أكدته الوثيقة التي أصدرها لحراطين - الذين يشنون حملة مركزة لمحاربة ظاهرة الرق» في المجتمع الموريتاني وهم من الذين يتحركون في إطار منظمة تعرف اختصارا بـ«إيرا» المناهضة للرق بقيادة الناشط الحقوقي الموريتاني بیرم ولد أعبيد - في ٢٩ أبريل بعنوان قضية لحراطين، ونشرها موقع «السراج» الموريتاني التابع لحزب «تواصل»، واتسمت بحدة النبرة، كما حوت معطيات يؤكدون بها وجود ما سموه بحالة التهميش التي لا يزالون يعيشونها .
وأمام معضلة بهذا التعقيد لا يكفي مجرد تناول المسألة من المنظور الفقهي سواء بالتبرير أم بالنقد الفكري مهما كان نزيها وصارمًا، كما هو النهج المتبع غالبًا، وإنما يلزم تجاوز ذلك إلى مستوى تناول الترسبات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية لهذه الظاهرة، مع تحديد واضح المسؤولية المجتمع الأبيض التاريخي والسياسي في نشأة الظاهرة والمأساة التي وقعت لاحقا من منطلق عنصري في أساسه مع تبريره بالمرتكز الفقهي الذي يتسم بقدر هائل من الضيق والبداوة.
«لحراطين».. القوة القادمة
«لحراطين»، مصطلح موريتاني جد خاص، وهو الاسم الذي أطلق على شريحة كبيرة من السكان السود المقيمين مع الحسانيين في القطاع الشمالي من البلاد أساسا مع وجود امتداد لهذا الوجود في الجنوب والشرق، وأصولهم من الرقيق الذين جلبوا بالإغارة وطرائق أخرى قاسية. بعد أن ظلت هذه الشريحة تعيش على هامش المجتمع الأبيض (الحسانيين) لقرون عديدة، وقد وصلت الحال في بعض المراحل إلى أن احتسبوا مجرد سقط المتاع، أخذ الوضع يتبدل اليوم وبصورة جذرية، ويتوقع أن تكون لحالة التحول هذه انعكاسات واسعة بحيث سيمس الانقلاب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي سينجم عن ذلك بنية المجتمع الموريتاني عموما والقطاعالحساني بشكل خاص. والظاهرة اللافتة هنا أن هذا التبدل ينهض على ركائز أهمها بدء انتشار التعليم في صفوف مجتمع «الحراطين»، وذلك بعد أن كان هذا التعليم محرما عليهم بكل أصنافه، حتى الديني الذي كان متاحا للجميع، لقرون متعاقبة؛ وذلك تفعيلا لفتاوى ونصوص فقهية غاية في الرداءة؛ لأنها كانت قد فصلت على مقاس الأهواء والمصالح ويأتي هذا العامل الجذري ليتضافر مع عوامل أخرى لينطلق التيار الجديد الذي يرى المراقبون بأنه يسري بقوة في صفوف هذه المجموعة العرقية، وسيتشكل منه المشهد الجديد ربما في أقرب مما يتوقعهأكثر المراقبين يقظة.
من العوامل الجوهرية التي يجب أن نضعها في الحسبان، ونحن نتحدث عن آفاق واحتمالات إعادة دمج الحراطين في النسيج الاجتماعي الموريتاني ما يمكن أن نسميه بملف الثأر التاريخي الذي لا مندوحة من أخذه بصورة سلبية أو إيجابية كما هو مشاهد في الحالات المشابهة مثل ما عشناه مؤخرا في جنوب أفريقيا وغيرها من المجتمعات التي عاشت حالات حادة من التمييز القائم على لون البشرة.
فهذا التحول سيؤدي إلى خلط الأوراق ما يسوغ طرح عدد من التساؤلات القائمة حول عدد من إفرازاته، ومن أهمها مع من سيتحالف اللاعب الجديد في الصراعات السياسية والثقافية التي مازالت توتر العلاقات بين المكونات الأساسية؟ أترى ستشدهم حبال الدم فيعودوا إلى جذورهم العرقية التي كانوا قد فصلوا عنها اجتماعيًاوثقافية قسرًا؟ وهل يمكن أن يتغلب العامل الثقافي
باعتبار أنه تم تدجينهم ثقافيا ولو بصورة جزئية، لأنهم يتكلمون الحسانية، فيوجدوا مع أسيادهم السابقين نوعًا من التحالف يقوم على خيارات جديدة غير العلاقة المثقلة بمخلفات القرون والتركة الاجتماعية المليئة بالجروح؟
لكن البعد الذي يجب إيراده هنا هو أن حالة موريتانيا، بخصوص اللاعبين السياسيين لا تختلف كثيرا عن معظم البلدان الأفريقية التي تشهد مرحلة انتقالية
ببروز قيادات سياسية وشخصيات مؤثرة وهي الظاهرة التي تتبلور في أوساط الحراطين، حيث استطاع البعض منهم الوصول إلى أعلى هرم السلطة في غضون السنوات الأخيرة القليلة المنصرمة، وهو وضع لم يكن أحد يتصور أنه يمكن أن يحدث بهذه السرعة وفي هذا المستوى، كما نجد عددا من الأمثلة على ذلك، وصول عدد منهم إلى المراتب العليا في صفوف ضباط الجيش، وأبرز شخصية من الحراطين اليوم هو مسعود بلخير الذي يرأس مجلس الشعب الموريتاني بالإضافة إلى كونه أحد أهم أعضاء تكتل المعارضة السياسية.
ملفات الصراع
يبدو أنه سيكون من الصعب الوصول إلى حل شامل ومتوازن لمعضلة الحراطين إلا في إطار أوسع تعالج فيها ملفات لا تقل خطورة، وهما: الصراع العرقي والجراحات المفتوحة من العوامل التي تؤثر بصورة في الجهود الرامية إلى معالجة ملف الحراطين، فالنعرةالقبلية لا تزال حية متقدة، وازدادت حدتها حين تضافرت مع عاملين خطيرين وهما المصالح العليا للأمة في الحياة الاقتصادية الوطنية والتوظيف السياسي على أعلى مستوى في هرم السلطة، وهي الظاهرة التي لوحظ انتعاشها مؤخرا في معظم بلدان الخليج، وكانت حاضرة في إطار محدود أيام أول رئيس موريتاني مختار ولد داده. ثم تفاقمت أيام الرئيس المخلوع
معاوية ولد سيد أحمد ولد طايع، ولا تزال حاضرة بقوة في ظل النظام الحالي.
دور التيار الإسلامي المرتقب والعامل الآخر هو انبعاث الحركة الإسلامية الإصلاحية المعاصرة، وما قامت به من إحداث هزات عميقة في بنية عقلية ثقافية كانت غارقة في تراث فقهي شديد الحبكة
يتحكم في كل شيء كما استطاعت تدشين مسيرة تغييرية في التركيبة السياسية حين ناطحت تيارات قومية كانت شديدة التوغل في نسيج الموريتاني الأبيض.
لكن قدرًا محتومًا قد عاجل هذا التيار فبعد التماسك واتحاد التوجه وقلب عدد من المعادلات شهدت حالة حادة من التشرذم الذي أعاق كثيرا الجهود الكبيرة التي بذلت لإنفاذ مشروعها المجتمعي والبرنامج السياسي المنبثق عنه، وقد بدأ مسار التعثر بالضربة التي وجهتها السلطات إلى الحركة وما تلى ذلك من خيار القيادة التاريخية التي انحازت إلى جانب السلطة السياسية، في حين فضل الجيل الثاني الإصرار على مواصلة مسار يقوم أساسا على الاستمرار في المناطحة بطريقة أو بأخرى، فكانت النتيجة ميلاد التيار الإصلاحي المعارض الذي تشكل في ميلاد «حزب التجمع الوطني» للبناء والإصلاح والمعروف اختصارًا به «تواصل». ومما يأخذه البعض على الإسلاميين الموريتانيين أنهم لم يستطيعوا حتى الآنملامسة قضيتي الرق ورديفتها المتعلقة بالصراع العرقي بين البيض والسود الذي احتدم في عهد الرئيس المخلوع معاوية ولد سيد أحمد، وليس من المنطلق الفكري التنظيري، وإنما من المنظور التاريخي والاجتماعي وإشكالية التوترات العرقية والقبلية الشديدة، وما جرته على البلاد من ويلات في العقود الثلاثة الماضية، بقدر كاف من الوضوح مع ما يتطلبه ذلك من الجرأة وقوة الرؤى المؤسسية، باعتبار ما تتسم به القضيتان من الحساسية المفرطة لدى الأغلبية الساحقة من الحسانيين.
في الختام فالحقيقة التي نريد اختتام هذا التطواف بها أن وراء تلك الصورة الوضاءة بزخارف التاريخ وعطر الماضي وألواح الفقهاء، وفي تضاعيف تلك البساطة المتناهية التي تظهر بها الحياة اليومية في شوارع نواكشوط (مدينة الفوضى العارمة التي تتعارك فيها السيارات الفارهة وقطعان «الغويرا»، وتقطع عربات الحمير شوارع وسط المدينة في كل الاتجاهات ...). وتحت الخيام المنغرزة أوتادها في عرض بحار الرمال المتموجة شبكة معقدة من الخيوط التي تشكل اليوم قدرا كبيرا من التناقضات التي يعج بها المجتمع الموريتاني؛ ما يجعل المشهد مرشحا لأخذ عدد من الاتجاهات. والخطر الذي يهدد المجتمع الموريتاني في المستقبل بسبب هذه الظاهرة إذا لم تعالج المسألة بالجرأة الكافية ووضعها تحت الشمس هو أن تنجح النحل الغربية التي تبحث عن مثل هذه النتوءات لتفجر بها المجتمعات التي تستهدفها في التغلغل في عمق مجتمع لحراطين الممارسة مزيد من الشحن بدأ منذ حوالي عقد من الزمن وتستمر مستفيدة من الظرف الدولي المواتي..