; موريتانيا صداقة الصهاينة.. مقابل القمع الداخلي | مجلة المجتمع

العنوان موريتانيا صداقة الصهاينة.. مقابل القمع الداخلي

الكاتب محمد جميل بن منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

مشاهدات 63

نشر في العدد 1432

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

بعد حل أكبر حزب معارض وبعد إعلانات ٢٨ نوفمبر

الغموض يكتنف المستقبل السياسي لموريتانيا

في خطابه بمناسبة الذكرى الأربعين للاستقلال الوطني لموريتانيا، أعلن رئيس الدولة معاوية ولد الطايع عن سلسلة من الإجراءات التحسينية في الوضع السياسي كان أهمها:

- إدخال نظام النسبية في الانتخابات حتى يتسنى تمثيل أكبر عدد من الأحزاب في البرلمان.

- تكليف الحكومة باتخاذ خطوات تكفل تمويلاً للأحزاب السياسية التي كان تمويلها مربوطًا بحجمها الانتخابي في الاستحقاقات البلدية.

- التفكير في وسائل الإعلام التي تحتكرها السلطة عن بقية الأطراف السياسية.

وقد تراوحت ردود الأفعال بين مرحب بهذه الخطوات، معتبرًا إياها خطوة في الاتجاه الصحيح، وهو شأن الأحزاب الصغيرة، ومشكك في قيمتها خصوصًا أنها تأتي إثر قرار السلطات بحل أكبر حزب معارض في البلاد، وحتى نفهم سياق هذه الإجراءات والجو السياسي الذي جاءت فيه لا بد من عودة للوراء.

مقدمات التوتر

في ١٧ أبريل الماضي  أعلن زعيم المعارضة الموريتانية وأمين عام أكبر أحزابها أحمد ولد داداه عن إستراتيجية جديدة للنضال ضد السلطة. اعتمدت فيما اعتمدت تكثيف التجمعات والمسيرات والمهرجانات، فضلاً عن تعبئة مختلف شرائح المجتمع، حول مختلف القضايا الحساسة (المسار الديمقراطي الوحدة الوطنية- قانون التعليم- العلاقات مع الكيان الصهيوني... إلخ)، وكانت ردة فعل السلطات على هذا التوجه هو اعتقال ولد داداه مما زاد حدة التحركات والتعاطف الشعبي معه، فضلاً عن قدر من المساندة الخارجية، وفي دوائر مؤثرة غربيًّا، فأطلقت السلطات ولد داداه الذي واصل نشاطه وعززه بجولات متتابعة شملت فرنسا والولايات المتحدة والمغرب والجزائر وسورية ودول غرب إفريقيا المجاورة (مالي - السنغال - ساحل العاج) مما بعث جوًّا جديدًا بدأت المعارضة توظفه خصوصًا بعد التحولات المتلاحقة في إفريقيا وصول المعارضة للسلطة في السنغال وساحل العاج.

الانتفاضة والإسلاميون

وكان انطلاق الانتفاضة المباركة في أرض فلسطين عاملاً مهمًّا أثر في الوضع السياسي في موريتانيا. فبعد أيام من اندلاعها على إثر تدنيس شارون للأقصى، بدأ الشارع الموريتاني تحركاته في جو بدا فيه النظام مرتبكًا وخائفًا.

عقد الإسلاميون، وهم قوة ممنوعة من الوجود الحزبي، وإن كان لهم حضور مميز في حزب ولد داداه -تجمعًا حاشدًا- أحد أهم جوامع العاصمة سموه " تجمع الأقصى" قادة زعماء في الحركة الإسلامية - أو هكذا ينعتهم الناس- وصدر عنه بيان ختامي اعتبره العديدون رسالة سياسية واضحة، وكان مطلبه الرئيس قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

وعلى إثر هذا التجمع الذي أحاطت به قوات الأمن بكثافة وقعت مصادمات مع الشرطة انتهت بعدد من الجرحى والمعتقلين، وبعده بأيام اعتقلت السلطات ستة من الوجوه الإسلامية المعروفة كان معهم كاتب هذه السطور، وهم أحمد فال بن صالح- أستاذ وإمام مسجد، حظري بن حامد- أستاذ، رباه ربه بن حبيب الله- إمام مسجد، محمد ولد أبواه – مفتش، تعليم السالك بن سيد محمود- أستاذ، محمد فال بن حاج- أستاذ.. وذلك بتهمة التسبب في العنف، وتحريض المواطنين.

ورغم إطلاق سراح هؤلاء لاحقًا، فإن تحركات المساجد والجامعة -التي يقودها الإسلاميون- تواصلت ولم يكن اتحاد القوى الديمقراطية (عهد جديد) وهو المنافس الرئيس للنظام، ليترك فرصة الانتفاضة، خصوصًا أن موقفه كان واضحًا إلى جانب الانتفاضة وفي الدعوة لقطع العلاقات مع الصهاينة، فنظم مسيرة أولى -في غياب زعيمه الذي كان في جولة خارجية- تزامنت مع اعتقال الإسلاميين، فالتحق بها من أنصارهم الكثيرون ثم شرع في أسبوع تضامني مع الانتفاضة فور عودة ولد داداه شمل أهم مقاطعات العاصمة. وكان مقررًا أن يختتم بمسيرة شعبية حاشدة نظر إليها النظام بحذر وربما خوف مما جعله يعجل المحكمة بقرار -قيل إنه اتخذ منذ فترة- يقضي بحل اتحاد القوى الديمقراطية  (عهد جديد).

قرار الحل وتداعياته

في يوم ۲۸ أكتوبر الماضي، أي قبل مسيرة حزب ولد داداه التي كانت مقررة في الثلاثين من ذلك الشهر، عقد مجلس الوزراء اجتماعًا طارئًا كان جدول أعماله نقطة وحيدة هي حل اتحاد القوى الديمقراطية (عهد جديد)، وصدر قرار الحل وعقد وزير الإعلام مؤتمرًا صحفيًّا شرح فيه أسباب القرار ودواعيه وكان أهمها أن الحزب يدعو للعنف وعدم التسامح، ويعمل ضد المصالح العليا للبلد.

وجاء القرار مفاجئًا ومفهومًا في الوقت نفسه مفاجئاً لأن النظام عرف أزمات عديدة مع هذا الحزب، ولم يلجأ لقرار من هذا النوع، بل كان يكتفي بالمضايقة والاعتقال، كما أن البلدان المجاورة رغم كل تحولاتها لم تشهد قرارًا من هذا القبيل، ومفهومًا لأن السلطة اختارت الوقت المناسب؛ والحزب يرفع شعار دعم الانتفاضة ويدعو لقطع العلاقات مع الكم الصهيوني.

من هنا ستسكت الدوائر الغربية وتتجاهل قرار السلطة، خصوصًا تلك الدوائر التي يؤثر عليها اليهود ومن أهمها الحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم الصديق الخارجي المهم لحزب ولد داداه.

 نزل القرار صعبًا على اتحاد القوى الديمقراطية (عهد جديد) ولكنه استطاع في اليوم نفسه عقد اجتماع لأعلى هيئة قيادية فيه (المكتب التنفيذي الذي يضم أكثر من سبعين عضوًا) واتخذ قرارًا بالإجماع يقضي برفض إجراء الحكومة، واعتبار الحزب حزبًا شرعيًّا وقائمًا، وتبعت الحزب في ذلك أحزاب المعارضة التي أعلنت تضامنها معه واحتفاظها به عضوًا في جبهتها (تضم ٤ أحزاب)، ثم لحقت النقابات فرفضت قرار الحكومة وبدأ التحضير لتأسيس جبهة سياسية - اجتماعية يتوقع أن يكون لها شأن.

 كان كثير من المراقبين ينتظر أن يقوم الحزب بسلسلة من التظاهرات والاضطرابات تدفع النظام للتراجع أو تعطي فرصة لأطراف منه تنقلب على الرئيس ولد الطائع، ولكن ذلك لم يحدث.. صحيح أن الحزب استطاع تحريك مجموعات هنا وهناك، ولكن نفسها كان ضعيفًا، وعددها غير كثير، وصحيح أنه قام بحملة سياسية إعلامية بدأت وستؤتي أكلها من خلال التضامن مع الأخذ في الاتساع خارجيًّا وداخليًّا، لكن الأمر لم يصل بعد إلى ما يهدد النظام.

الطلاب والانتفاضة

 في هذه الأجواء واصل طلاب جامعة نواكشوط يقودهم في ذلك الطلاب الإسلاميون - سلسلة من التجمعات والمسيرات المطالبة بقطع العلاقات مع الصهاينة والداعية لدعم الانتفاضة، وكان يوما السبت والأربعاء مناسبتين لخروج الطلاب تظاهرهم رغم كل أشكال القمع التي سلطت عليهم سجن رغم كل أشكال القمع التي سلطت عليهم، (ضرب، نزع ثياب، انتهاك فصول الدراسة داخل الجامعة... إلخ)... وكان أحد قادة التحرك الطلابي أحمد ولد الوديعة -وهو أحد أبرز الوجوه الطلابية الإسلامية- قد اعتقل بصحبة قيادات حزب المعارضة ولم يخرج من المعتقل إلا أخيراً.

آفاق المستقبل

الأجواء في العاصمة الموريتانية متوترة، وقوات الدرك والشرطة مرابطة في الشارع بدرجات متفاوتة، ويصعب تصور مستقبل الحراك السياسي ويتوقع المزيد من الاضطراب مع استمرار انتفاضة الأقصى في فلسطين، وإصرار النظام على الاحتفاظ بعلاقاته مع الكيان الصهيوني، ومضايقته المعارضة دون أن يؤدي هذا الاضطراب بالضرورة لإزاحة السلطة التي تبدو مراهنة على البعد الأمني وهو ما يفسر تشبثها بالصهاينة أو يعين على تفسيره.

يحاول ولد الطائع كما هو واضح بقراراته في ۲۸ نوفمبر أن يخفف من وطأة الإصلاح، ويربك خصومه في الداخل والخارج، خصوصًا أن قوى صغيرة في الساحة السياسية ذكرت القرارات بخير إلا أن هيمنة موضوع العلاقة مع اليهود وحل حزب المعارضة على الأجواء تقف عقبة كبيرة أمام هذا المسعى.

تبقى احتمالات المستقبل عديدة ولعل أهمها: تراجع النظام -بواسطة الحكومة أو القضاء- عن قرار حزب ولد داداه وقطعه لمستوى من علاقاته مع الصهاينة، كأن يرجع السفارة مكتب اتصال أو القيام بإحدى الخطوتين، وفي هذه الحالة سيحدث انفراج ويكسب النظام وقتًا إضافيًّا وربما طويلاً  مع أن المعارضة ستعود أقوى وأكثر حماسًا.

 إصرار النظام على قراراته، وفي هذه الحالة سيزداد القمع وتعاود السلطة الاعتقالات ويرجح أن تستهدف كلاً من حزب المعارضة الذي حظر والاتجاه الإسلامي معًا، أو بشكل متفاوت، ويرى عدد من العارفين بالنظام والرئيس ولد الطائع أنه يفضل الخيار الثاني لأنه تعود ألا يتراجع عن قراراته، ثم إن علاقاته مع اليهود بلغت مستوى بعيدًا ودخلتها أجندة خطيرة، وهنا ينتظر مزيد من التوتر، ولعل الأخبار الأخيرة عن اعتقالات في الجيش تؤكد ذلك وتوضح مدى خطورة الأوضاع في هذا البلد العربي المسلم الذي أساء إليه حكامه شوهت سمعته حين قدم للعالم باعتباره الصديق المتبقي لليهود في المنطقة.

الرابط المختصر :