; موت في مدائن النور | مجلة المجتمع

العنوان موت في مدائن النور

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

مشاهدات 83

نشر في العدد 1126

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

حقول الشمس تحرق أبصاري، أفقد القدرة على تمييز الأشياء.. أحدق في القادم البعيد فلا أجد إلا الصورة الأخيرة التي أطبقت عليها عيني حين داهمني ذلك الدوار وصعقني ألم قاتل في رأسي، أحاول أن أستوي بقوة لعلي أتوازن.. كنت أرمق بصعوبة مشارط الطبيب وهمهمات الوجل..!! وأفقت في يوم أخرس. وقالوا احتفظ بالصورة الأولية.. لن ترى بعد اليوم!! عد إلى مخزون الذاكرة وجاذب أوتارها.. واستعد التقاسيم القديمة.. والتفاصيل الغائبة!! مات إدراك البريق، وانتهى سر ذلك الألق الدافق في حدقتي عيني!! استؤصل الورم من رأسي.. 

وغادرني ذلك الدوار الموجع.. ولكن بعد أن أتلف العصب البصري في عيني وفقدت نعمة البصر!! كيف أقاوم ما يحدث.. العزاء بات حمما حارقة تكتظ في صمتي.. واهتزت الورقة في يد زوجتي.. ومست أوتار جرحي قبل أن تصل إلى مسمعي تعلن أن جهة العمل أقالتني من منصبي!

كيف لي أن تورق أهدابي وعيناي ترتكزان على شفاه والدتي وهي تمطرني بوابل الدعاء وألمح ثغرها الباسم: امسحوا عن جفوني سهادًا اعتنق الظلمة! وباعدوا عن جبيني شجنا يرفل في شدة الغمة.. فما عدت أستطيع أن أرقب تحركات طفلتي وأرصد حديث الطفولة في أعماقهما الصبية.. ما عاد بالإمكان أن ألمح تلك الضفائر السوداء وهي تعقد إلى الخلف في كل صباح دراسي، تحملان حقيبتيهما وتجرجران الخطى نحو مستقبل يضج بالكفاح.. رفيقة الدرب.. 

هل ستسأمين وأنت تقودين بيديك العصا الصماء لتجعليني أتعرف على شكلية الأشياء؟ ويعيقني كل ذلك أن أتوجه كل صباح أبيض تنقلني غيمة حانية إلى عملي، أسابق الموظفين إلى تلك البناية الكبيرة؟! يعزيني كل ذلك عن تلك السعادة الممزوجة بالحيرة وأنا أمارس عذوبة الإحساس بها وأنا أستقبل إجازاتي متسائلا: أين أقضيها مع عائلتي الصغيرة؟ مؤلم جدا أن ألمح النور.. وتعانق عيني سفارات الصبح وومضات العلم وصفاء الأمنية، ثم تطبق على عتمة قاتلة.. وليل دائم!! وتبقى حكمة الله - عز وجل - فوق كل حكمة، وأمره هو الغالب.. ولا اعتراض على قضاء الله.

الرابط المختصر :