العنوان موتى بلا قبور
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 94
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 23-يونيو-1998
الحياة للإنسان حركة وعمل، وذكر وهمة ونشاط وعزيمة، فإذا فقد هذا فقد الحياة، وإذا سلب ذلك سلب الوجود، وكان إلى الموت أقرب وإلى العدم أدنى منه إلى الحياة، لأن الإنسان عقل وفهم وإحساس وكرامة وتأثير ووجود فاعل فإذا فاصل ذلك أو فقده، مات، وفقد الحياة فالعلم حياة، والجهل موت، والمعرفة وجود والأمية عدم، وإن كثر المال، ووجد الرياش والمنصب، وقد قال القائل:
لا تعجبن الجهول حلتُه *** فذاك مَيْتُ وَثَوْبُهُ كَفَنُ
فالحياة ذكر وعلم ومعرفة، ونبوغ وحضور، وعزة وكرامة، وهوية وتمايز، لا مظهر خادع وخمول فاضح، وبزة جميلة، وهندام أنيق مع ضحالة في الفكر والعقل.
لا تُعْجِبَن حمولًا حُسنُ بَزْتِهِ *** وهل تروق دفينًا جَودَةُ الكَفَنِ
ولهذا فقد ترى كثيرًا من الأحياء موتى وإن كانوا يأكلون ويشربون ويسفدون موتى وإن درجوا على هذه الأرض وقطعوها ذهابًا وإيابًا، ولكنهم فقدوا صفة الإنسانية وعدموا الوجود الفاعل بل قد يكونون عالة على الوجود وعلى الحياة، وعبئًا عليها، وصدق من قال:
ليس من مات فاستراح بميت *** إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كثيبًا *** کاسفًا باله قليل الرجاء
آثار الإنسان هي التي تشهد على حياته، وإنتاجه وعمله هو الذي يحقق وجوده، وهذا شيء يشترك فيه كل موجود على ظهر البسيطة، فإذا لم تكن له ثمرة، أو يتحقق من وجوده شيء كان مواتا، إذن فالحياة قرينة العطاء والثمرة فالأرض تظل ميتة إلى نزول الماء فتحيا وتخرج الثمر، وقد كانت قبل الإخراج جدباء مواتا، لا عطاء لها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ (فاطر:9) فتحيا الأرض بالرزق الذي تخرجه، ويحل النماء بدل الجدب، ويوجد الثمر بعد القحط، وتخضر الحياة وتبهج وهي ممرعة خضراء، وتعمر بالحياة النابضة، ويختفي التصحير والبوار ويحيى الناس والبلاد والأوطان ﴿رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ (ق:11) فأطلق على البلدة لفظ الحياة لأنها أعطت الرزق، وأخرجت الخير، ونفعت العباد، وأدت المقصود منها.
وكذلك الإنسان إذا استفاد من عقله ولم يعطل ملكاته، وفتح آفاق نفسه، وتوجه إلي ما قصد من وجوده، وفهم مهمته في الحياة، وباشر دوره فيها، ووضع بصمته على جبينها، ونقش أفعاله على صفحتها، كتبت له شهادة ميلاد تدل على وجوده، ويحسب في عداد الأحياء، أما إذا عاش خامل الذكر، مخدر العقل، مضيع الملكات، تائه الخطو، ضال الطريق، فإنه يكون قد كتب شهادة وفاته، ودون اسمه في سجل الوفيات وإن عاش فإنه يعيش أحقر من الأموات وادنى منهم، فيكون وجوده كلا على أهله، وعبئًا على أمته، وحملًا على البشرية، ولهذا جاءت رسالات السماء لترد للبشر الضالين إنسانيتهم، وتنبههم إلى تلك الحقيقة المهمة، جاءت لتأخذ بيد من أماتوا أنفسهم بعد أن أحياهم الله، وتبعث من قتلوا مواهبهم وملكاتهم إلى الحياة من جديد وصدق الله العظيم حين يقول: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ (الأنعام: ۱۲۲) تذكر الآية بموات الجاهلية الفكري والنفسي والعقلي، وتلفت إلى الخمول في الذكر، والضياع في الهمة والهوية والغاية التي كانت تلف مجتمعاتهم وتسيطر على حياتهم، ثم تدعو إلى النشور بعقيدة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أدران الجهل والخرافة، ومن ضغط الأوهام والأساطير، ومن الخضوع المذل للشهوات من جنس وخمر، ومن حتميات الضياع القاهر، ومن العبودية لغير الله سبحانه، تدعو إلى إحياءة لتحرير الإنسان من ربقة الطبقة واللون والجنس، تدعو إلى منهج حياة، وفكر وتصور تدعو إلى القوة والعزة والمنعة واستغلال الطاقات وفتح البصر والبصيرة للاستفادة من هذه الإحياءة وإشاعتها في الأرض، وإلى قوامتهم عليها .
﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱستَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحيِيكُم وَٱعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَينَ ٱلمَرءِ وَقَلبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيهِ تُحشَرُونَ﴾ (الانفال:24)، واستجاب المسلمون فنفخ الإيمان في أرواحهم الحياة، وأطلق فيها هذه الطاقات الضخمة من الحيوية والحركة والتطلع والاستشراف، فإذا قلوبهم ينضح عليها الإيمان فتهتز، وإذا بأرواحهم يشرق عليها النور فتضيء فتمشي به في الناس تهدي الضال وتلتقط الشارد، وتحرر المستعبد، وتكشف ما في الأرض من آيات مبثوثة، وما في الحياة من نعم كامنة، وخيرات دفينة، وسنن نافذة، وقرأوا كتاب الكون قراءة صحيحة، ولم يعطلوا ما بثه الله فيه لإسعاد الناس ونفعهم وبهجتهم وإمتاعهم ﴿مَّتَٰعا لَّكُم وَلِأَنعَٰمِكُم﴾ (عبس :32) وأطلقوها حلالًا ﴿ قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي أَخرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزقِ﴾ (الأعراف:۳۲) وأسسوا حضارة عقم التاريخ أن يجود بمثلها، فكانوا أحياء، وكانت حياة سادوا بها وسادت بهم، وعزوا بها وعزت بهم.
واليوم.. أين أمة الإحياء؟ وأين هي الأمة التي تبلغ ثلث العالم تعدادًا، وتملك من الهدى والنور ما لو أنزل على جبل أصم لأسمعه وأحیاه أین أثرها في الحياة؟ أين عقلها وعلمها، وهي لم تنتج شيئا يستر عورتها، أو يسد جوعتها، أو يرد عدوها، ويمنع ذلتها؟ لها من الجامعات الآلاف، فاين بحثها وعلمها؟ ولها من الخامات الكثير المبهر، فأين إنتاجها وصناعتها؟ ولها من الجيوش الملايين فأين حفظها للديار وحمايتها للذمار؟ ولها من السلطات ما يجل عن الحصر، فأين السيادة والريادة والقيادة والتقدم؟.
ألست معي في أننا نحتاج إلى حياة وبعث للموات، وإلا سنظل ﴿ أَموَٰتٌ غَيرُ أَحيَاء وَمَا يَشعُرُونَ أَيَّانَ يُبعَثُونَ﴾ (النحل:21) وهل سنسمع من جديد إلى ذلك النداء الحبيب: ﴿ٱستَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحيِيكُم﴾ ﴿ (الانفال :24)؟.. نسأل الله ذلك ..