العنوان معالم على الطريق.. موت العلماء وحياة الجهال.. هل هو قدرنا؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1360
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 27-يوليو-1999
علماء الأمة هم حملة كتاب الله، وحفظة حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول عنهم الإمام أحمد بن حنبل رضوان الله عليه: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله- تعالى- الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون له، مجمعون على مفارقته، يقولون على كتاب الله وعلى الله وفي الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلين، نذروا أنفسهم لخدمة الملة، وحمل المنهج وتوضيح غامضه، وتفصيل مجمله، بعد أن أحاطوا بعلوم الشريعة، وفنوا أعمارهم في تحصيلها والإفادة منها، فأبانوا أحكام الله لعباده، وأوقفوهم على حلاله وحرامه.
قال الشافعي فيما رواه الخطيب عنه في كتابه «الفقه والمتفقه» له: «لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا، مع الإنصاف ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد ذلك، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي»، لهذا الجهد، ولما تحملوه في سبيل دين الله- سبحانه- وجب على الأمة احترامهم وطاعتهم والأخذ عنهم.
قال ابن القيم رضوان عليه: فقهاء الإسلام ومن دارت على أقوالهم الفتيا بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩).
هذا وقد عصم العلماء كثيرًا من الناس، فلم يقعوا في الحرام والآثام، سواء منهم الجاهل أو المتعلم، لأن ضلال الجاهل مهلكة، وضلال المتعلم متاهة وجرم، وقد حرم الله- تعالى- القول عليه بغير علم، بل جعله من أعظم المحرمات، وفي المرتبة العليا منها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٣).
لأجل هذا كان فقد العلماء في الأمة خسارة لا تعوض، وقد فجعت الأمة الإسلامية في هذه الأيام بثلة من علمائها، وكانت خسارتها فادحة، فأصيبت- أولاً- بالشيخ جاد الحق- شيخ الأزهر- وقد كان رجلًا صاحب مواقف- رحمه الله- ثم أصيبت بداعية الأمة وشيخها ومجددها فضيلة الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله رحمة واسعة- ثم أصيبت في الشيخ الشعراوي الداعية والمفسر، وصاحب الموهبة الفذة التي أسرت قلوب المسلمين، وأخذت بمجامع قلوبهم، ثم أصيبت الأمة في الفقيه الورع الشيخ ابن باز، العالم العف التقي، ثم أصيبت في الشيخ علي الطنطاوي-رحمه الله- الفقيه الداعية الألمعي المحتسب العظيم، كما قد أصيبت قبله بالشيخ الجليل والفقيه العظيم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ثم أصيبت بالفقيه الأصولي المجتهد الشيخ الزرقا، الذي وهب حياته للعلم، ثم أصيبت أخيرًا بعالم الأمة المفسر، عالم القرآن، ونابغة علومه، الفقيه البصير القائد المحتسب الداعية المحنك فضيلة الشيخ مناع القطان.
حقًا كانت خسارة الأمة كبيرة في زمن برز فيه الجهل والجاهلون، وساد فيه علماء السلطة وعشاقها.
هذا وقد كان صلى الله عليه وسلم يخوفنا من زمن فقد العلماء، ويحضنا على الاستفادة منهم قبل رحيلهم، ففي صحيح البخاري من حديث أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينزعه مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهالاً فيفتون برايهم فيضلون ويضلون».
إن أمتنا اليوم لهي- والله- أحوج ما تكون إلى علمائها وإلى الفاقهين فيها، في عصر الشرود والهوس السلطوي والديني على حد سواء، في حاجة إلى علماء لا يخافون إلا الله، ولا يخشون في الله لومة لائم، يبلغون رسالته، ويقفون ضد الهرولة نحو العدو، وضد التشرذم والتسفل، وضد امتهان المسلمين في كل مكان، وضد تخلف البعض من العلماء الذين ما يزالون يعيشون ما يختزنونه من سلبيات تاريخية، لا سيما العلماء الذين يعيشون الإسلام بعقلية المهنة التي يتعيشون منها، لا بعقلية الرسالة التي يضحون من أجلها بالنفس والنفيس، وصدق الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: ٢٤)، فهل سيكون قدر الأمة هذا الصنف الأخير، مع كثرة الجهلة والمنحرفين...؟
نسأل الله السلامة، آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل