; مواقف وردود إلى الذين يبحثون في الجاهلية الأولى ويصفون الرسول بأنه شاعر | مجلة المجتمع

العنوان مواقف وردود إلى الذين يبحثون في الجاهلية الأولى ويصفون الرسول بأنه شاعر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

مشاهدات 120

نشر في العدد 216

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

القرآن كلام رب العالمين، وما عدا ذلك تجن وافتراء رد على ما جاء في النهار بقلم: الشيخ عثمان صافي نشرت جريدة النهار البيروتية في ملحقها «5- 7- 1974» مقالًا بعنوان «الصور القرآنية سبق إلى الرؤى السوريالية»، يعرض فيه الكاتب اتهام العرب للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر، محاولًا الهيمنة على القارئ ليلقي في روعه ما هو مصرح به في العنوان حتى ينتهي إلى القول: «وفي كلمة، إن اتهامات الجاهليين للنبي محمد، وأن الصور القرآنية نفسها، لتشير إلى سبق العرب للغربيين في الرؤى السوريالية». ومن الملاحظ الواضح أن المقال، وإن كان نسب إلى من سمي «د. مصطفى الجوزو»، غير أن الهدف من نشره افتعال أزمة، بعد «نقد الفكر الديني»، وعلى أثر الفشل الذريع الذي لا تزال تمنى به محاولات إلصاق الشعرية بالقرآن الكريم، فجاءت هذه كمحاولة يائسة لفلسفة شعرية القرآن على أنها سريالية. من هنا، لم يكن من المهم أن يأتي «علي حسن الجمال » ليناقش المقال الأول محاولًا كشف صلة بينه وبين موت طه حسين صاحب «في الشعر الجاهلي»، ولكن الذي يسترعي الانتباه العبارة التي تخيرتها الصحيفة من المقال الثاني وصدرتها عنوانًا له وهي «مصطفى الجوزو يتحرش بالعاصفة» وبخط أسود كبير، نادرًا ما يرى مثيل له على صفحاتها. ومما لفت نظر الكاتب الثاني عدم اكتراث «أهل الاختصاص الذين شاءوا عدم الرد على مزاعم الجوزو «19/ 7/ »، ولكن الصحيفة لم تيأس، فلقد نشرت مقالًا ثالثًا بعنوان حافظ على استمرارية الإثارة «جدل، أليس فخرًا للعربي أن يكون القرآن سباقًا إلى مشاهد سوريالية؟». ونسب المقال إلى المدعو «عصام آغا» «26/ 7/ 74». 1- ما من شك في أن «النهار» تدرك يقينًا، أن الصحافة -على الأخص الجرائد- تضيق صفحاتها عن مناقشة قضية شائكة في هذا النوع، ووجه تعقدها وتشعبها ندرة المعلومات في الأوساط الثقافية عنها، سواء فيما يتعلق باللغويات، أو الإسلاميات. كما ستضطر المتحاورين للنزول إلى التفاصيل. ٢- عن جهل أو تجاهل، وقع الكاتب -الجوزو- في التناقض؛ وذلك لأنه حين يستشهد بأقوال معارضين للرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن، فمعنى ذلك أنه يقر مبدئيًّا بوثائقيته ليصح أن يكون مصدر استشهاد واحتجاج. ولكن لما كان القرآن لله وليس لمحمد واورد أقوال الخصوم في سياق الإنكار بل والتقريع، فإن الاستدلال ينتقض. بعبارة أخرى: إما أن نقر بالقرآن كلامًا لله تعالى كما هو قول من جاء به، وعليه فإن مزاعم المعارضين له من الجاهليين بأنه شعر تكون باطلة، وإما أن نرفض نسبته إلى الله، وبذلك يفسد الاستدلال به. وعليه، فإن جوهر القضية ليس أن يكون القرآن.. شعرًا أو لا يكون، ولكن هل هو من عند الله أم لا؟ وهذا لب القضية الذي وراه الكاتب.. ۳- لقد تجاهل المقال الأول، وأغفل الثاني والثالث- حقيقة الشعر وجوهره، وأخفى الفارق بينه وبين الوحي: فأما الشعر، فالشكل فيه: الوزن والقافية «كتب اللغة»، وأما الجوهر، فهو حقيقة أن الشعرية تتمثل في عناصر الإثارة والانفعالات واهتزاز المشاعر والأحاسيس والوجدانيات، والأصل فيه أن يعتمد على «الخيال» دون العقل، إلا ما ندر منه كالأراجيز العلمية وأبيات الحكم. ومن ثم صنف علماء المنطقة الشعر في التصديقات كقسيم للبرهان والجدل والسفسطة والخطابة (كتب المنطق أبحاث الأقيسة)، وهي فرع العلم الحادث عندهم، وهو للممكنات خلافًا للقديم الذاتي الواجب الوجود، وهو الله تعالى. ومما سبق يتضح الفارق المميز بين الشعر والوحي؛ فأما الشعر، فهو نتاج فني لانفعالات بشرية يعبر عنه بالكلام الموزون أو غير الموزون، وبغير الكلام أيضًا في بعض الآراء، والسوريالية تعرف بأنها «التحلل من واقع الحياة الواعية»، والزعم بأن فوق هذا الواقع أو خلفه واقعًا أقوى فعالية وأعظم اتساعًا، الواقع المكبوت في النفس البشرية، وإطلاق المكبوت وتسجيله في الأدب والفن. «الإسلام والمذاهب الأدبية، د. نجيب كيلاني، طبعة أولى ١٩٦٣م، ص115». وأمـــــــا الوحي، فلا حظ فيه لـ«المزاعم» وليس من «تنفيس للكبت وإطلاق المكبوت في النفس البشرية»، ولا هو من «الأدب والفن» في شيء. وقد عرفه القرآن ذاته في آيات لا يأتي عليها الحصر: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ﴾، ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. هذا كما نفى القرآن الكريم بنصوص قطعية الدلالة أن يكون شعرًا أو رسوله شاعرًا. يضاف إلى ذلك كله أن السوريالية من حيث المبدأ هي مذهبية تركز على مفهوم اللفظة الأساسي: «فوق الواقع» (انظر المعاجم و: السريالية تأليف: إیف دوبلسیس، ترجمة: بهيج شعبان، دار بیروت، ص٥٨)، وهي فلسفة مضطربة شأنها في ذلك شأن سائر الفلسفات. ٤- وأما أن تصادف وجود وجوه شبه في القرآن سواء مع الفلسفة، أو الشعر، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن القرآن هو فلسفة أو شعر، ومطلق تشابه في الفروع لا يحتم -على وجه العموم وبالضرورة- اتحادًا في الأصول، وإنما هي ذريعة للمغالطة، ومنفذ للحيدة عن العلمية في التحقيق والبحث. ومن أبرز طرائف الطاعنين في القرآن، تركيزهم على ناحية معينة، وهذا دأب خصومه الذين يرفضون أن ينظروا فيه ككل، ولا تخفى خطورة التعرف على شيء بالإطلال على جانب منه، منقطعًا عن الجوانب الأخرى. 5- ومن مظاهر بعد الكاتب عن أمانة البحث، كونه أورد «اتهام المكيين للنبي محمد بقول الشعر»، وفي نقل هذا الاتهام تزوير للتاريخ، إن لم ينقل للقراء، بالمقابل شهادة المشركين بالقرآن، والتي وردت في معرض الخصومة والتناظر حول القضية. «قال النضر بن الحارث بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر؟ لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن؟ لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر؟ لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها: هزجه ورجزه، وقلتم مجنون؟ لا والله ما هو بمجنون، رأينا الجنون فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش! فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم!». وحين توافقت قريش على إرسال عتبة بن ربيعة ليفاوضه: «فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنها»، حتى إذا جاءه وأبلغه رغبات قومه، «قال صلى الله عليه وسلم: أقد فرغت یا أبا الوليد؟ قال نعم. قال: فاسمع مني! قال: أفعل، فقال: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (فصلت: 1- 5) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقرؤه عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه! قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم» «السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا- إبراهيم الإبيارى- عبد الحفيظ شلبي، مطبعة البابي الحلبي، ج۱، ص: ۳۱۳- 320». 6- ويغيب عن الذين يخوضون هذا المعترك حقيقة كبرى تحسم الأمر، وهي أن مزاعم المشركين واتهاماتهم للرسول عليه الصلاة والسلام، أخذت دورًا لم يسبق أو يلحق له مثيل من التفاعل، حتى قتلها المجتمع العربي الجاهلي نفسه الذي تحول إلى مجتمع إسلامی، والذي كان على مستوى القمة في الفصاحة والبلاغة على مر العصور، ولقد ظلت تلك الاتهامات محل احتكام طيلة ما يزيد على عقد من السنين، حتى آل الأمر إلى انتصار صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وسحقها طواعية، ودون أن تراق نقطة دم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ (الشورى: 16). فما المعنى -بعد هذا- أن ينبري صبية، تتلمذوا على فاقدي أهلية الشهادة، ومؤهلاتهم لا تكاد تتجاوز مطالعات قاصرة، وتوجيهات مركزة.. فيتحرشوا بقضايا هي للعمالقة من المفكرين واللغويين، الذين تكاد تخلو الساحة منهم؟ من لهؤلاء الصبية.. الدخلاء على العلم والثقافة، والذين تدفعهم أيادي خفية لمناصب ليسوا بأهل لها.. فيجب أن يخجلوا.. ويعرفوا منزلتهم، وأنهم ليسوا على شيء.. فيكفوا عن التمادي في الضلال والإضلال؟ إننا لنشك، في كثيرين من حملة الإجازات من جهات تفقد الأهلية والشرعية في الوجود، إن كان أحد تمكنه معطياته من الثقافة، أن يقرأ في كتاب من مصنفات السلف، سواء النحو أو الصرف أو البلاغة، أو المنطق والفلسفة دون خطأ، أو أن يفقه ما فيه.. وعن النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق في الأرض عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالًا، يستفتونهم فيفتونهم بغير علم؛ فيضلون، ويضلون». 7- ولقد وفق العلماء حين فطنوا للمكيدة.. ولم يستجيبوا للاستدراج واعين على أن أدنى أهداف إثارة مثل هذه المواضيع أن تكون محل جدل لإثارة التشكيك، حتى من يظن فيهم الاغترار أحجموا عن أن تنزلق أقلامهم في هذه الوهدة. ولا يسعنا إلا أن نتوجه بسؤال: ما هي المكاسب التي يطمح المغرضون الحاقدون على الإسلام أن يجنوها؟ ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون﴾، هذا مآلهم، رغم ما يجمعون من أموال ويبلغون من مناصب، ويكسبون من وجاهات، ليس لها نقل في ميزان القيم. وملحوظة ختامية: قد كان بودنا أن نعرض لنماذج من الشعر السوريالي، ومقارنة بآيات من القرآن، ولكن اعترانا الحياء والخجل من الله عز وجل.. حتى ظهرت «النهار» بصورتها المرفقة «السورياليون العرب يحتجبون كليًّا- الرغبة الإباحية إلخ» فكفتنا مئونة ذلك..
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 46

119

الثلاثاء 02-فبراير-1971

العالم الإسلامي (46)

نشر في العدد 1689

101

السبت 18-فبراير-2006

رأي القارئ :العدد1689