; مواقف فيها عبر (184) | مجلة المجتمع

العنوان مواقف فيها عبر (184)

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1974

مشاهدات 69

نشر في العدد 184

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 22-يناير-1974

«عندما تصبح البدعة سنة»

روی أبو بكر العربي المالكي الأندلسي حكاية مفادها ما يأتي:

زار الشيخ الطرطوشي أحد فقهاء عصره وهو من أهل المشرق الأندلسي، ودخل يصلي في مسجد في أحد الثغور وكان ابن العربي في ذلك المسجد وهو تلميذ للشيخ الطرطوشي وصلى الطرطوشي النافلة وكان يرفع يديه مع تكبيرة الركوع، وعند الرفع منه وهذا الرفع ثابت صحيح عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو إحدى الروايات عن الإمام مالك، ولكن الرواية المشهورة عن الإمام مالك والتي شاعت عند أهل الأندلس أن لا رفع في هاتين الحالتين فلما فعل ذلك استنكر هذا الرفع رئيس البحر وقائده، وكان بجانب ابن العربي ينتظر الصلاة، فأمر بعض جنوده أن يقوم إلى الشيخ الطرطوشي فيقتله ويرميه في البحر؟

يقول ابن العربي: فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت سبحان الله هذا الطرطوشي فقيه الوقت، فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟ فأخبرهم أن تلك هي سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي رواية عن مالك وما زال بهم حتى سكنوا.

 وقفت عند هذه القصة وأنا أقرأ في كتاب الاعتصام للشاطبي وعجبت من جهل هؤلاء كيف يبيح هذا الرجل سفك دم مسلم يصلي لأنه ترك مثل هذا الأمر السهل، ولئن كان الطرطوشي قد فعل ما يؤخذ عليه فإن قتله أعظم من ذلك بدرجات لا تحصى.

 إن هذه العقلية التي تحاول إصلاح الأمور بمثل هذه الطرق لا تزال موجودة تزن الأمور بميزان مختل، فتكون النتيجة خاطئة، هؤلاء بجهلهم حكموا على فعل ذلك العالم حكم خاطئًا، وعندما أرادوا العلاج لم يتخذوا الطريق الأمثل، فلم ينصحوا ولم يوجهوا ولم يناقشوا وإنما أرادوا أن يغيروا بالتي هي أسوأ، ومتى تولى أمثال هذا الرجل قيادة الناس ضلوا وأضلوا، إن أسوأ فترات الحكم هي التي يتولى فيها أمثال هذا الرجل سياسة الأمة. عقول صغيرة، وعضلات كبيرة، يظن أصحابها أن كل أمر من الممكن أن يحل بالرصاصة والبندقية، هؤلاء لا يحاولون أن يتفهموا نفسيات الناس، ولا يصبرون على نقدهم وآرائهم، الجيش له الحرب والقتال، أما السياسة فلها رجالها، تحتاج إلى عقول كبيرة، وثقافة واسعة، تحتاج إلى فئة أخرى من البشر لها مؤهلات تتناسب مع الدور الذي تقوم به، إن ذلك الأميرال البحري كاد يقع في خطأ جسيم لأنه وضع نفسه غير موضعها.

ومن خلال هذه القصة نرى كيف أن العادة والإلف تجري في النفس البشرية مجرى الاعتقاد، ويرد بذلك الحق، لهذا جعل الله الأمر حين النزاع والاختلاف له ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (النساء: 59) فإذا ثبت في كتاب الله أو حديث أمر فلا معقب، ولا راد، ولا منازع مهما كانت مكانة المنازع العلمية أو الدنيوية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ  (الأحزاب:36) « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» أما رد التنازع إلى آراء الرجال ومعارضة الحق بهذه الآراء فهو مرض قديم أصاب الأمم من قبل فقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (الزخرف:23)، وقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  (البقرة:170) ولذلك حذرنا أئمتنا من الأخذ بأقوالهم وترك النصوص، أو أخذها مسلمة بدون دليل يقول أبو حنيفة -رحمه الله- «حرام على من لم يعرف دليلهم أن يفتي بكلامي»، ويقول الإمام مالك رحمه الله: «ليس أحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ويؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقول الشافعي: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ما قلت»، ويقول الإمام أحمد -رحمه الله-: «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا »رحمهم الله جميعًا». 

 

الرابط المختصر :