العنوان مواقف خالدة مع الفاروق عمر في فتوحاته بالقادسية..
الكاتب بابكر العوض العبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978
مشاهدات 90
نشر في العدد 403
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 11-يوليو-1978
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
أخي القاريء: يسرني أن ألتقي بك مع الفاروق عمر بن الخطاب، كيف استطاع بفكره الثاقب وثقته بالله أن يحطم أكبر دولة في العالم.. دولة الفرس، دون أن يستعين بالروم، بل في الوقت الذي يحارب فيه الفرس له جنود يحاربون الروم.
مع الفاروق كيف خطط لفتح القادسية؟ وكيف واجه المسلمون الفيلة التي نفرت خيل المسلمين؟ وما هي الحيلة التي وضعت لمواجهة أكبر جيش قابله المسلمون فانتصروا عليه؟
- تخطيط لمعركة القادسية: أ- بعث عمر بن الخطاب لحرب الفرس في القادسية: الأطباء. ب-أرسل قاضيًا يدعى: عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي لقسمة الفيء.
ج- جعل داعيتهم ورائدهم: سلمان الفارسي.
2- المكان المناسب للمعركة:
اتفق رأي عمر بن الخطاب والمثنى ابن حارثة على الآتي: وأوصيا سعد ابن أبي وقاص: ألّا يقاتل الفرس في عقر دارهم، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب، وأدنى قرية من أرض الروم، فإن يظهر الله المسلمون عليهم، فلهم ما وراءهم، وإن تكن الأخرى رجع المسلمون إلى طائفة منهم، يكونون أعلم بسبيلهم، وأجرأ على أرضهم إلى أن يرد الله الكرة عليهم.
3- التكبير يثير الرعب في الأعداء ويطمئن المؤمنين:
قال سعد بن أبي وقاص لجيش المسلمين الزموا أماكنكم حتى تصلوا الظهر، وبعد الصلاة أمر غلامًا كان ألزمه عمر إياه وكان من القراء، أن يقرأ سورة «الجهاد» وكان المسلمون يتعلمونها، فقرأ على الكتبية الذين يلونه سورة الجهاد، فقرئت في كل كتيبة، فجثت قلوب الناس وعرفوا السكينة في قراءتها، ثم قال: إنى مكبر فكبروا واستعدوا، ثم إذا كبرت الثانية، فكبروا ولتستقم عدتكم، ثم إذا كبرت الثالثة، فكبروا ولينشط فرسانكم، وإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعًا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا «لا حول ولا قوة إلا بالله».
4- كيف واجه المسلمون الفيلة يوم أرمات؟
عدة أهل فارس كانوا مائة وعشرين ألفًا، معهم ثلاثون فيلًا، مع كل فيل أربعة آلاف، وفيلة عليها الملوك لا تقاتل، على كل فيل عشرون رجلًا، لما رأى سعد أن الفيلة حملت على ميمنة المسلمين وميسرتهم، فأحجمت خيل المسلمين وبقي المشاة يقاتلون وحدهم، أرسل إلى الفرس الذين أسلموا فدخلوا عليه، فسألهم عن الفيلة «هل لها مَقَاتل؟» فقالوا: «نعم.. المشافر والعيون لا ينتفع بها بعدها»، فأرسل سعد إلى بني أسد يستصرخهم حتى عدلها ركابها.
وأرسل إلي بني تميم وقال: يا بني تميم ألستم أصحاب الإبل والخيل؟ أما عندكم لهذه الإبل من حيلة؟ فقال عاصم: بلى والله، ثم نادى في الرماة من قومه وأعطاهم أمرًا برمي الفيلة كي يحموا جماعة آخرين، أمرهم بقطع أحزمة سروج الفيلة، وخرج بنفسه مشرفًا على تنفيذ الخطة التي فرجت على المسلمين كربًا عظيمًا، وبدلت موازين المعركة لصالحهم.
6- الفيلة في يوم عماس:
اشتدت الحرب بين المسلمين والفرس، ولما رأى سعد الفيلة تفرق بين الكتائب وعادت لفعلها، أرسل إلى القعقاع وعاصم ابني عمرو: اكفياني الفيل الأبيض، وكانت الأفيال ألفة له وكان بإزائهما، وأرسل إلى حمال بن مالك والربيل بن عمرو الأسديين: اكفياني الفيل الأجرب، وكانت ألفة له كلها وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمين ليبينين ودبا في خيل ورجل، فقالا أحيطوه لتحيروه ففعل حمال والربيل مثل ذلك، فلما أحاطوهما نظر كل واحد منهما يمنة ويسرة، فحمل القعقاع وعاصم والفيل متشاغل بمن حوله، فوضعا رمحيهما معًا في عيني الفيل الأبيض ونفض رأسه في عيني الفيل ودلى منقره، فضربه القعقاع فرمى به ووقع لجنبه، فقتلوا من كان عليه، وحمل حمال وقال للربيل اختر إما أن تضرب المنقر وأطعن في عينه، أو تطعن في عينه وأضرب مشفره، فاختار الضرب فحمل عليه حمال وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه، لا يخاف سائسه إلا على بطانه، فانفرد به فطعنه في عينه، وصاح الفيلان صياح الخنزير، ثم ولى الأجرب الذي عور فوثب في العتيق، فأتبعه الفيلة فخرقت صف الأعاجم، فعبرت العقيق في أثره فأنت المدائن في توابيتها وهلك من فيها.
فلما هربت الفيلة وخاض المسلمون بأهل الفرس، ومال الظل، تزاحم المسلمون فاجتندوا بالسيوف حتى أمسوا.
7- معالم النصر:
عندما انتهت معركة اليرموك أمر عمر بن الخطاب أن يصرف أهل العراق إلى عراقهم وعندما قدموا صبيحة يوم أغواث في القادسية، وكان من جملتهم القعقاع بن عمرو أمر أصحابه أن ينقطعوا أعشارًا، وهم ألف فكلما بلغ عشرة منهم مدى البصر، سرحوا في آثارهم عشرة، فقدم القعقاع أصحابه في عشرة، فأتى للناس فسلم عليهم وبشرهم بالجنود، ثم نادى من يبارز فقالوا فيه بقول أبي بكر:
- لا يهزم جيش فيه مثل هذا -يعني القعقاع فخرج إليه ذو الحاجب فاجتلد فقتله القعقاع، وجعلت خيل القعقاع ترد قطعًا، وما زالت ترد إلى الليل وتنشط الناس، وكأن لم يكن بالأمس مصيبة، وكأنما استقبلوا قتالهم بقتال الحاجبي، وانكسر الأعاجم لذلك، وأكثر المسلمون فيهم القتل، وقال القعقاع: باشروهم بالسيوف، فإنما يحصن الناس بها فتواصى الناس بها واجتلدوا بها حتى المساء.
8- امرأة تحث أبناءها على الجهاد:
كانت امرأة في النخع لها بنون أربعة شهدوا القادسية فقالت لبنيها: إنكم أسلمتم فلم تبدلوا، وهاجرتم فلم تثربوا -تلاموا- ولم تتب بكم البلاد ثم جئتم بأمكم عجوزًا كبيرة، فوضعتموها بين يدي أهل فارس والله إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم، انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره، فأقبلوا يشتدون فلما غابوا رفعت يديها إلى السماء وهي تقول: اللهم ادفع عن بني، فرجعوا إليها وقد أحسنوا القتال، ما جرح منهم رجل واحد، فرأيتهم بعد ذلك يأخذون ألفين من العطاء، ثم يأتون أمهم فيلقونه في حجرها، فترده عليهم وتقسمه فيهم على ما يصلحهم ويرضيهم.
9- ليلة القادسية:
أصبح المسلمون ليلة القادسية والناس لم يغمضوا ليلتهم كلها، فسار القعقاع في الناس فقال: إن الدبرة -النصر- بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا فإن النصر مع الصبر، فآثروا الصبر على الجزع، فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء وصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين من دونه مع الصبح،فهبت ريح عاصف فقلعت جدار رستم عن سريره، فهوت في العليق وهي ديور، ومال الغبار عليهم وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير فعثروا به، وقد قام رستم عنه واستظل في ظل بغل، وحمله وضرب هلال بن علفه الحمل الذي رستم تحته، فقطع حباله ووقع عليه أحد العدليين، ولا يراه هلال ولا يشعر به، ويضربه ضربة فنفحت مسكًا، ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحمه هلال عليه فتناوله، وقد عام وهلال قائم، فأخذ برجله ثم خرج به إلى البر، فضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به ورمى به بين أرجل البغال وصعد السرير ثم نادي: قتلت رستم ورب الكعبة إلي فأطافوا به ولا يحسون السرير ولا يرونه، وكبروا وتنادوا وزاد رعب المشركين عندها، وانهزموا وقام الجالينوس على الردم، ونادى أهل فارس إلى العبور وزال الغبار، وأما المقترنون فقد وقعوا في العتيق فضربهم المسلمون بالرماح، فما أفلت منهم أحد، وهم ثلاثون ألفًا.
10- المال والدخل القومي:
في آخر عهد عمر -رضي الله عنه- كان لكل فرد من المسلمين راتب سنوي، يكفيه أو يقارب كفايته في كل أقطار الإسلام، يقول خالد بن عرفصة: «يا أمير المؤمنين تركت الناس يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم، ما وطئ أحد القادسية إلا وعطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة، وما من مولود يولد إلا ألحق في مائة وجربين كل شهر، ذكرًا كان أو أنثى، وما يبلغ لنا ولد إلا ألحق على خمسمائة أو ستمائة».
أخي القارئ، هذا هو الإسلام الذي جعل من عمر الذي كان يعبد الأصنام، قائدًا يحطم عروش الظلم ويرفع راية العدل في العالم أجمع، وجعل التكافل الاجتماعي الذي لم تصل إليه الإنسانية حتى اليوم، وذلك الفضل من الله وكفى بالله وكيًلا، وسنلتقي بك في الأسبوع القادم لنواصل الكلام عن الفتوحات في عهد عمر..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل