; «مواقف خالدة» أو يا صباحاه | مجلة المجتمع

العنوان «مواقف خالدة» أو يا صباحاه

الكاتب نصر الدين العديلي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1972

مشاهدات 80

نشر في العدد 99

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 09-مايو-1972

ذات يوم، بينما كانت نوادي مكة ومجالس شيوخها يسودها نقاش حاد وتشاور في أمر هذا الرجل الذي عاب دينهم وسفه أحلامهم، وانتقد عاداتهم وأخلاقهم، ودعاهم لعبادة الله وحده والإقرار برسالته لهم وللناس كافة، بينما كانت هذه حال القرشيين في نواديهم، إذا بصوت ينبعث من أعلى مكة قويًا، «یا صباحاه»، لم يكد یلامس أسماع المتشاورين والغادين إلى أعمالهم، حتى دبت الحركة المذعورة في المدينة الخالدة، وطافت بأذهان القوم تساؤلات عديدة، يا للهول!! من ذا الذي يجرؤ على مهاجمتنا ونحن سدنة البيت العتيق؟! من ذا الذي سولت له نفسه أن يعتدي على حرمات من وقفوا حياتهم على خدمة الآلهة؟!، ربما بنو فلان؟! لا، لا، لعل بني فلان يريدون مباغتتنا للأخذ بثاراتهم؟! ولكن لا بأس فعما قليل يتضح الخبر؟!

وتهرع مكة بخيلها ورجلها إلى مكان النذير، ليروا المنذر وقد اعتلى صخرة تكسو وجهه الصبوح انفعالات الشفقة على هؤلاء النافرين إليه يسود حركاتهم التوتر وترتسم على وجوههم علامات التساؤل المذعورة ويحدوه أمل -يشع من عينيه- في هدايتهم للحق حتى لا يكونوا طعامًا لجهنم، كل واحد منهم يريد معرفة الخبر، ما وراءك يا ابن أخي؟ فيقدم المنذر للرد بسؤال: - «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسیكم أکنتم مصدقي؟» قالوا: - نعم، فانطلق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم دافئًا حنونًا، «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شدید»، فتفعل الكلمات الصادقة في العقول والقلوب فعلها، يشي بذلك هذا السكون والاهتمام اللذان سيطرا على القوم لما صرح به المصطفى عليه السلام، لو أخبرنا بأن جيشًا وراء هذا الجبل يغزونا لصدقناه؟؟ وكيف لا نصدقه وما خبرنا عليه كذبًا؟؟، ولماذا لا نصدق رسالته إذن ونكف عن عنادنا؟ يبدو أن اهتمامًا من هذا النوع سيطر على القوم، مما دفع حاقدًا من بينهم لا تطيق عينه رؤيا الناس وقد انقادوا لابن أخيه تغمرهم أنوار الهداية، مما دفع هذا الحاقد أن يرد على المنذر، على محمد صلى الله عليه وسلم، أقبح رد وأشنعه: - تبًا لك سائر اليوم، ألهذا دعوتنا؟

قالها وهو ينفض يديه برعونة واستنكار، ليصرف أنظار الناس وانتباههم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتقطع تفكيرهم بإنذاره الخطير ويفوت عليهم فرصة الاستجابة للحق، فكان له ما رمى إليه إذ انفض القوم بعد ذلك وعادوا يكذبون ويتهمون بالسحر والشعوذة والجنون من شهدوا له قبل قليل بالصدق والأمانة فحزن الرسول عليه السلام أيما حزن لعنادهم وجهلهم الذي سيقودهم -إن أصروا عليه- للعذاب الذي أنذرهم به.

حزن لحالهم هذه ولا يملك لهم إلا الحزن والدعاء، «اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون»، وتأثر كذلك من الرد الصفيق الذي قابله به عمه أبو لهب، ولكن ما عليه إلا أن يبلغ دعوة ربه ويصبر على مثل هذه المواقف الحاقدة ويستعين بالله، وحاشاه سبحانه أن يكل المخلصين من عباده لضعفهم وللقوى الحاقدة المتكالبة على حربهم، إنه لهذه القوى بالمرصاد، وأنى لها أن تفلت من قبضته القوية القاهرة؟؟ مضى رسول الله في الطريق الذي أمره ربه صابرًا محتسبًا ليتولى سبحانه المعركة عن رسوله ضد هذا الأحمق المتغطرس أبي لهب.

يتولاها حتى تكون درسًا تتعظ منه الأجيال على مر العصور وكر الدهور، فلا ييأس داعية إلى الله أو يخور ما دام سبحانه في عون عباده ويتولى المعركة التي تدور بينهم وبين سدنة الباطل ويضع لها نتائجها.

كما لا يجرؤ ذو عقل على اعتراض سبيل الحق ودعاته لا يصيبه ما أصاب أبا لهب من خزي وعذاب.

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ *سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ *وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ (المسد: 1-2-3-4-5)

 

ما أجدر دعاة الإسلام في هذا الزمان وكل زمان أن يتأملوا مثل هذه المواقف الخالدة لرسولهم العظيم، لكي يدركوا أي جهد وأي عناء كان يبذله صلى الله عليه وسلم في تبديد ظلام الجاهلية، وليعلموا أيضًا أن النصر الذي حققه الله لمحمد عليه السلام وصحبه الكرام ما هو إلا تكريم لهم على جهود علم سبحانه صدقها وخلوصها لوجهه الكريم.

فليتأمل الدعاة إلى الله هذه المواقف وليدركوا النتائج والأبعاد الحقيقية التي أدت إليها، عليهم يخرجون برؤى صحيحة لأبعاد معركتهم مع جاهلية القرن العشرين، وما تتطلبه هذه المعركة من معاناة وصبر سينتهي بهم إلى نصر الله إن هم صدقوا في اتجاههم إليه سبحانه.

﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7) صدق الله العظيم.

الرابط المختصر :