العنوان مواقع المسؤولية بين التكليف الإسلامي والتطلع الشخصي
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
مشاهدات 57
نشر في العدد 1328
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
كثيرة هي مواقع القرار والسلطة في مجتمعاتنا المدنية المعاصرة منها المواقع البلدية والنقابية والنيابية والوزارية، ومنها المواقع الإدارية والتنظيمية على الساحة الإسلامية.
هذه المواقع يجب أن تكون ملحوظة في إطار العمل الإسلامي، مؤصلة في نطاق التخطيط الإسلامي، محددة الأهداف والضوابط والمعطيات ضمن إطار المشروع الإسلامي إنها جميعًا مفردات من مفردات هذا المشروع، ويجب أن تكون مسخرة لخدمته بشكل مباشر وغير مباشر.
إنها ليست مواقع فولكلورية أو استعراضية، أو شكلية شخصية وإنما بمجموعها تشكل منظومة، وسائل ومؤسسات وآليات التغيير الإسلامي في المجتمع.
والجانب الذي أود أن أتوقف عنده في هذا المقام، ما يتصل بمنهجية بلوغ هذه المواقع، فضلًا عن الأشخاص الذين يختارون لتبوئها.
إنه جانب من جوانب الإمرة والإمارة في الشريعة الإسلامية، ولما كان كل تلك المواقع مواقع اختصاص، فإنه يتعين على الساحة الإسلامية أن تختار لها أكفاءها، والجديرين بها، والقادرين على النجاح في مهمتهم تلك.
فمن يصلح للعمل التعليمي والتربوي قد لا يكون صالحًا في العمل النقابي والبلدي، ومن يصلح للجانب التجاري والصناعي، قد لا يصلح للجانب النيابي، ومن يصلح للتشريع قد لا يصلح للتنفيذ، فلابد من وضع الأمور في مواضعها حتى لا يختل كل شيء.
وهذه المواقع مواقع مسؤولية وتكليف، والقائمون بها مؤتمنون على تأدية دورهم على أكمل وجه خدمة للمشروع الإسلامي، وليكونوا نموذجًا «عمليًا» لمبادئ الإسلام، وترجمة للخطاب الإسلامي.
ولا يجوز بحال أن تصبح هذه المواقع محل تطلع الأشخاص وأهدافًا يسعى إليها الأفراد لتحقيق أغراضهم وخدمة مصالحهم باسم الإسلام والمشروع الإسلامي، وحين يحدث هذا تكون الخسارة فادحة.
فهي من جانب تفتح بابًا لا يُغلق للاهثين وراء المكاسب الدنيوية، وما اكثرهم، إذ النفس أمارة بالسوء، فتتحول الوسائل إلى غايات، ويصبح الصراع على بلوغها متصدرًا كل الحسابات والخطوات، وهي من جانب آخر تتسبب بإفراغ هذه المواقع من مضمونها وفاعليتها الإسلامية العامة والتنظيمية.
هذه القاعدة النبوية من شأنها لو أمكن الالتزام والتقيد بها أن تحول دون تسلق البعض جدار الدعوة والإسلام - وباسم الإسلام - لتحقيق الأغراض والمصالح الشخصية والقول النبوي الفصل في ذلك: «إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حرص عليه»، فطالب الولاية يجب ألا يولي.
إن الموصولة أفئدتهم والمتطلعة قلوبهم إلى خدمة هذا الدين والتقديم له دون الأخذ منه، وخدمته من غير استخدامه يتهيبون عادة مواقع المسؤولية، ويهربون منها مع جدارتهم بها، إن هؤلاء يجب أن يحملوا حملًا، ويدفعوا دفعًا لتولى تلك المواقع.
إن هؤلاء لن يطلبوها فضلًا عن أن يتسابقوا إليها، لأنهم يدركون أنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة، وإلى صميم هذا المعنى كانت إشارة رسول الله ﷺ فيما رواه أبو ذر - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحق وأدى الذي عليه فيها» (رواه مسلم).
إن التهيب من الإمارة هو موجب الترشح للإمارة، وهو الذي جعل الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: «ليت أم عمر لم تلد عمر»، ويقول: «ليتني كنت نسيا منسيًا»، وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظه أم ضيعه».
إنه يجب أن يكون معلومًا أن من طلب الإمارة وكل إليها، ومن زهد فيها أعين عليها، وصدق الذي لا ينطق عن الهوى، حيث يقول: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة» «رواه البخاري».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل