العنوان موازين الهدى وموازين الضلال
الكاتب محمد نعيم ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1980
مشاهدات 72
نشر في العدد 464
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 08-يناير-1980
إن من أعظم نعم الإيمان على المؤمنين تصحيح الموازين التي يزنون بها القيم، والمقاييس التي يقيسون بها الخير والشر، والأذواق التي يتذوقون بها الحسن والقبيح، والاعتبارات التي يبنون عليها الأمور:
فيرفعون من رفع ربهم، ويخفضون من خفض خالقهم، ويحسنون ما حسن ويقبحون ما قبح، ويعتبرون ما اعتبر ويهملون من لم يقم الله له وزنًا، فيصلون دائمًا إلى كبد الحقيقة، وتؤول أمورهم إلى عين الصواب لأنهم بنور الله أبصروا فما عموا، ولا اختلطت عليهم الأمور. وبحكمة الله حكموا، فما ضلوا ولا ظلموا سمعوا ربهم يناديهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، فأكرموا التقوى والأتقياء ورفعوهم حيث رفعهم الله وقدموهم في المناصب والوظائف ويسمعون ربهم يقول:
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ﴾ (الزمر: 9)، فيرفعون العلم والعلماء ويخفضون الجهل والجهلاء، وينصتون إلى قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (التوبة: 20)، فيعظمون الإيمان والجهاد في سبيل الله، ويحتقرون الجاحدين والمتثاقلين إلى الأرض. ويصل إلى قلوبهم تنزيل ربهم الحكيم ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76)، فيعتبرون بأمثال ربهم، ويقدمون العاملين على الخاملين ويعرفون أن خير الأعمال عند الله الدعوة إلى الحق والعدل والاستقامة، فيبجلون الدعاة إلى الله وصراطه المستقيم، ويقرأون في الكتاب الذي نزله لهم ربهم هداية ونورا ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26) فيجعلون القوة والأمانة أساس اختيارهم لقادتهم وحكامهم وزعمائهم. ويصلهم قول الرسول الذي بعثه ربهم إليهم بالهدى ودين الحق -صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من دعا إلى عصبية، فلا يحكمون في اختياراتهم واعتباراتهم نسبًا ولا دمًا ولا قرابة، ولا يدعون إلى عصبية ولا قومية. وهكذا ربطوا أنفسهم برب لا يضل ولا ينسى بأحكم الحاكمين، فاستقامت موازينهم وصحت مقاييسهم.
وإن هذه- ورب العزة لنعمة كبرى على مجتمع الإيمان وما من أمة افتقدتها إلا تردت وانتكست، وذلت وانعدمت البركة في مقدراتها وإنتاجها، حيث توسد الأمور إلى غير أهلها، وتسلم المقاليد إلى جهالها وأنه لا يفارقني اليقين بأن من أسباب تعاسة أهل هذا الزمان هذه الموازين التي بين أيديهم يزنون بها القيم، وهذه المقاييس التي اتخذوها، يقيسون بها الخير والشر ويرجعون إليها في تحسينهم وتقبيحهم وهذه الاعتبارات التي حكموها في أقدارهم يرفعون بها ويخفضون، وهذه المؤهلات التي بها يقربون ويستبعدون هذا غني ارتفع بماله والله أعلم من أين جمعه وهذا فقير انخفض بفقره، والكل يشهد بصلاح حاله. وهذا صاحب جاه وسلطان مسموع الكلمة ولسانه يقطر سمًّا وإثمًا، وهذا مغمور تصم الآذان لكلامه، وهو لا ينطق إلا حقًا وصدقًا. وهذا تهدى إليه المناصب لأنه من حزب الحاكم، وإن كان في جهله مضرب المثل وذاك ليس له مكان؛ لأنه لا يداهن ولا يماري. وهذه امرأة تختار لأنها جميلة المظهر، وإن كان مخبرها أسود من الظلام وتلك امرأة لا تناسب، لأنها غير جميلة وإن كانت جميلة الخلق والمخبر. وهذا وصل؛ لأنه سخي في الرشوة، وهذا وقف، لأنه لا يملك مالًا، وهذا ربح القضية، لأن محاميه أقدر على الكذب والمماطلة وهذا خسر القضية لأنه ليس له محامٍ. وهذا ضاع حقه، لأنه لا يقدر على دفع رسوم التقاضي!!!
وهذا كتاب أطمسوه، لأن صاحبه نطق بالحق والصدق، وهذا كتاب أشهروه، لأن صاحبه تملق ونافق بالباطل والضلال وهذا لا يطبقون عليه القانون، أو استحدثوا له قانونًا جديدًا يرعاه، وذاك طبقوا عليه القانون إن كان ضده، فإن كان معه فأولوه وهذا صفقوا له وهللوا بوسائل الدعاية حتى يشتهر وذاك تجاهلوه حتى ينقهر ويندحر! وهذا طبل أجوف انفخوه ليسمع صوته إذا دعا للفجور، وهذا لسان ناطق بالحق أخرسوه حتى لا يؤلب الجماهير؛ وهذا صاحب جاه وسلطان تكلم بالباطل فاعتبروا قوله وحيًا، واستشهدوا به في المناسبات وأضربوا به الأمثال وهذا نطق بالحق والخير فلا تلقون إليه بالًا واعتبروه من سقط المتاع!!!
هذه هي موازين الغافلين عن الله ومقاييسهم غنى ونسب وجنس ونوع وجاه وسلطان وشهرة وعصبية وقومية وحزبية وقدرة على التملق والكذب والنفاق وهي أساس شقائهم وتعاستهم؛ لأنها أصبحت المثل العليا عندهم، والمؤهلات المطلوبة يسعى إليها، ويتدرب عليها... وأصبحت امتدادها من المعاني الكريمة منبوذة، تهدر ويتخلص منها، حتى أصبح من يتلفظ بالفضيلة في نظرهم رجعيًا، ومن يدعو إليها مجنونًا، وأصبح من يحجم عن الرذيلة في عرفهم منطويًا على نفسه، ومن يهاجمها حاقدًا ومتشائمًا، وأصبح الوصولي المداهن المنافق ذكيًا وعبقريًا، والمستقيم جاهلًا وغبيًا!!!
ألا يا دعاة الإصلاح بينوا للناس أن هذه المقاييس سبب شقائهم وتأخرهم وضعوا أصابعهم على هذا الداء، وافتحوا أعينهم وقلو بهم عليه، قولوا لهم: ألا تشكوا من تأخركم؟ أليس لأنكم اعتنيتم بالجاهل وأهملتم العالم، ورفعتم الخامل وخفضتم العامل وقدستم المال، واحتقرتم الرجال وقربتم الظالم واستبعدتم العادل؟ أليس لأنكم تمسكتم بموازين الأرض وتركتم موازين السماء؟ أشركتم بربكم هذه القيم الخسيسة والموازين المختلة، فأنتم أصل الداء وأساس البلاء، ظلمتم أنفسكم، ثم اشتكيتم وتألمتم وتضجرتم! لقد صدق فيكم قول ربكم ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة: 57) بينوا لهم يا دعاة الإصلاح أن المخلص لهم هو العودة إلى الله يرفعون ما رفع ويحبون ما أحب ويزنون بميزانه ولا يشركون به شيئًا من هذه القيم الهابطة. واضربوا لهم الأمثال من مجتمع الإيمان اضر بوا لهم مثلًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم، يتعرض لعتاب ربه حينما مالت به لهفته، لا لشخصه ولا لأمر يتعلق بنفسه وإنما لنشر دين الله وكسب زعماء قريش إلى حظيرة الإسلام، فيعرض عن ابن أم مكتوم الضرير، ليتفرغ لدعوة الرؤوس من قريش فيخاطبه ربه معاتبًا ومصححًا ومسددًا ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ (1) أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ (2) وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ (3) أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ (4) أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ (5) فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ (6) وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ (7) وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ (8) وَهُوَ يَخۡشَىٰ (9) فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ (10) كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ (11) فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ (12)﴾ (عبس:1-12) فيصحح الرسول عليه الصلاة والسلام ميزانه، ويرجع إلى هدى ربه، فيعتذر إلى ابن أم مكتوم بمقاله ولسان حاله فيرعاه ويهش له حتى إذا ما لقيه يقول له: «أهلا بمن عاتبني فيه ربي»، ويستخلفه مرتين بعد الهجرة على المدينة.
وليقرأوا مثلًا من سيرة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في أصحابه: يزوج زينب بنت جحش الأسدية لمولاه زيد بن حارثة ويؤاخي في أول الهجرة بين المسلمين جميعًا، لا يفرق بين غني وفقير، ولأبين من كان في الجاهلية شريفًا ومن كان حقيرًا
ولأبين من هو قريبه، ومن ليس بقريب بل تعمد أن يجمع في الأخوة بين الغني والفقير والأحرار ومن كانوا أرقاء فيجعل عمه حمزة ومولاه زيدًا أخوين ويجعل خالد بن رويحة الخشعمي وبلال ابن رباح أخوين ويؤمر في غزوة مؤتة زيدًا المولى على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار، منهم ابن عمه جعفر، وعبد الله بن رواحة الأنصاري، وخالد بن الوليد. ويؤمر أسامة على وزيريه وصاحبيه أبي بكر وعمر ويجعل سلمان الفارسي واحدًا من أهل البيت صفعة لمن كان في قلوبهم حنين لعصبية الجاهلية المنتنة ويغضب في وجه أبي ذر الغفاري حينما يفلت لسانه بكلمة جاهلية يقول فيها لبلال: «يا ابن السوداء» ويقول «يا أبا ذر طف الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل» فتصل الكلمة النبوية بحرارتها إلى قلب أبي ذر المؤمن فينفعل لها أشد الانفعال، ويضع جبهته على الأرض، يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال تكفيرًا عن قولته الكبيرة.
إلا أن ميزان الإيمان هو الحق، وصاحبه هو الله أعلم العالمين، واحكم الحاكمين وأعدل العادلين والوزن السماوي هو التقوى والعمل الصالح وما ينبثق عنهما من مفاهيم واعتبارات من علم وعدالة، وخلق قويم، وكل معنى كريم. به ترجح كفة الميزان، وعلى ضوئه يرتفع الناس ويهبطون ويقربون ويستبعدون ويحبون ويبغضون ويحترمون ويحتقرون، ويسلمون الوظائف ومنها يحرمون كل واحد مختص بعمله ولاتزر وازرة وزر أخرى، وليس للإنسان إلا ما سعى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل