; مواجهة مع د. سعد الدين إبراهيم.. المجتمع المدني في الوطن العربي | مجلة المجتمع

العنوان مواجهة مع د. سعد الدين إبراهيم.. المجتمع المدني في الوطن العربي

الكاتب عمرو عبدالكريم

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998

مشاهدات 103

نشر في العدد 1298

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 05-مايو-1998

 الحركات الإسلامية السلمية جزء من المجتمع المدني

المجتمع المدني ليس بديلًا عن الدولة والوضع صحيح أن تكون هناك دولة قوية ومجتمع مدني قوي.

المجتمع المدني، كمفهوم يعتبر حديث التداول في الأدبيات العربية الحديثة والمعاصرة وربما ترجع جذوره إلى أواخر الثمانينيات من هذا القرن، إلا أنه رغم حداثته وجدته، أصبح في السنوات القليلة جزءًا من الخطاب السياسي والثقافي والأكاديمي العربي، بحيث تحول الجدل والنقاش والحوار إلى إحدى بؤر الصراع والانقسام بين التيارات إلا بين التيارات الثقافية والفكرية والسياسية في الأمة، مفهوم المجتمع المدني مثل مفهوم حقوق الإنسان أصبح الآن كثيرة في التاريخ والواقع أيديولوجية جديدة مطروحة أو فكرة مستقلة تعيد قراءة أشياء كثيرة في التاريخ والواقع والسياسة، فالمفهوم تحول بالفعل إلى قراءة جديدة للأشياء في العالم العربي والإسلامي، دلالات مفهوم المجتمع المدني، متباينة ومتعددة، وتحوم حوله بعض الهواجس والقلق المبرر وغير المبرر أحيانًا، سواء في تضميناته الفلسفية أو توظيفاته الواقعية.

محاولة منا لطرح بعض هذه الهواجس والظنون، وإبرازًا لبعض توظيفات المفهوم في الواقع العربي وبخاصة تجاه الحركة الإسلامية، حيث يستخدم هذا المفهوم متضافرًا مع مفاهيم أخرى سبيلًا لإقصاء الحركة الإسلامية عن الوجود، كانت لنا هذه المواجهة مع د. سعد الدين إبراهيم – أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة – وهو من أبرز الأكاديميين العرب اهتمامًا وترويجًا لقضايا المجتمع المدني في الوطن العربي عن طريق الفكر والممارسة العملية بإنشاء العديد من المؤسسات التي أبرزها مركز ابن خلدون.

 بداية ما الذي يدل عليه ذلك الانتشار الهائل لمصطلح «المجتمع المدني» وتصوره في الخطاب العربي المعاصر؟

-يدل على أن العالم العربي متواكب مع التيارات العالمية، فعندما طرحت هذا المفهوم منذ حوالي عشرين عامًا وبالتحديد في عام ١٩٨٢م كان غريبًا على كثير من المفكرين والسياسيين العرب، ولكن بمرور الوقت ومع بروز التغيرات في أوروبا الشرقية بدا التفاعل معه فنقابة تضامن في بولندا طرحت نفسها على أنها تنظيم من تنظيمات المجتمع المدني كما كون هافيل – رئيس التشيك فيما بعد – منتدى سماه «المنتدى المدني» إذن فالتغيرات الاجتماعية والسياسية الهائلة في أوروبا الشرقية هي التي أعطت لذلك المفهوم قوته، فإلى عام ١٩٨٥م لم يكن المفهوم بهذا الشيوع رغم أنه يعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وعاد للظهور لنواجه به الأنظمة السلطوية، ويعبر عن المنظمات غير الحكومية التي هي منظمات غير إرثية.

 على أي شيء تدل العودة إلى استخدام مفاهيم اندثرت منذ فترة من الزمن؟

-تدل على أن المجتمع البشري مجتمع حي فهو لا يستخدم إلا ما يفيده، فحينما كانت الدولة، تدعي أنها قادرة على كل شيء، وتستطيع أن تحل كل المشكلات تواري استخدام مصطلح «المجتمع المدني»، وعلق الناس آمالهم بالدولة وبالأنظمة السياسية، ولكن حينما اتضح أن الدولة عاجزة عن أن تتعامل مع كثير من المشكلات وأن المنظمات الإرثية «الأسرة – القبيلة» عاجزة هي الأخرى بدأ الاهتمام بالمنظمات غير الحكومية وهي التعبير الأساسي عن المجتمع المدني.

 تحدث د. برهان غليون عن دور العامل الخارجي وقال إن: ذلك العامل هو في نشر فكرة المجتمع المدني في الأساس الوطن العربي؟

-لم أسمع ولم أقرأ ما قاله د. برهان ولا أدري ماذا يقصد بذلك، ولكن أقول إن المفهوم بدأ يشيع في أوروبا الشرقية، ثم انتقل إلينا مثل كثير من المصطلحات، كالتنمية والديمقراطية مثلًا، فإذا كان يقصد ذلك فإنما يدل – كما ذكرت سالفًا – على أن الرأي العام العربي متواكب مع ما يحدث في العالم.

 ما مفهوم المجتمع المدني إذن بالتحديد؟

- هو تجميع الأفراد برغبتهم الحرة كي يؤدوا خدمة أو مصلحة أو للتعبير عن مشاعر جماعية أو القيام بعملية تنموية في الحي أو القرية بإرادتهم الحرة، كل ذلك يعد تعبيرًا عن المجتمع المدني.

 في التعريف الذي تبنيتموه لـ «المجتمع المدني»، استبعدتم المؤسسات الإرثية (القبيلة د والعشيرة والأسرة) فعلى أي أساس تم ذلك؟

-أحد أهم العناصر الأساسية في: تعریف «المجتمع المدني»، هي فكرة «الطوعية»، وهي أن تدخل رابطة أو جمعية أو تنظيم بملء إرادتك، أما التنظيمات الإرثية فليس لك اختيار في الدخول فيها من عدمه، وهذا التعريف لا يقلل من شأن المؤسسات الإرثية ولا يعني إنها غير متمدينة.

أما «مدني»، فمعناها تعاقد بين مدنيين «مواطنين»، وفكرة المواطنة أول ما نشأت كان ذلك في المدينة، لأنها هي التي بها التنوع والاختلاف أي أن كل هؤلاء الذين يعيشون في المدينة تراضوا عقدًا اجتماعيًا واعتبر ذلك العقد هو الحكم بينهم، بل إن دستور المدينة الذي وضعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين اليهود وسكان المدينة يعتبر أول وثيقة مجتمع مدني، لأنه تفاعل مع كفار ومسلمين ويهود، فدستور المدينة هو دستور مدني لأنه بالاتفاق بين أناس مختلفين.

 لكن أيضًا فكرة «الحماية» التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني «حماية الفرد من تعسف النظام» تقوم بها كذلك المؤسسات الإرثية؟

-أنا لا أخالف في ذلك، إن المؤسسات الإرثية تقوم ببعض وظائف المجتمع المدني.

 لا أقصد ذلك فقط، بل أقصد أن ذلك يدخلها في تعريف المجتمع المدني؟

-لا يصح ذلك لأنه لن يكون هناك فرق بين المجتمع المدني والعلوم الاجتماعية لا تقوم إلا بضبط مسائل التعريف فهناك فرق بين المجتمع.

والمجتمع المدني، فالمجتمع يشمل كل المؤسسات الإرثية وغير الإرثية.

 لماذا لا تستخدم مصطلحًا آخر مثل المجتمع الأهلي وهو ما استخدمه د. وجيه كوثراني؟

-كل كاتب له الحق أن يستخدم ما يشاء من مصطلحات شريطة أن يعرفها، فالتعريف عقد بين الكاتب وبين القارئ، والتعريف أيضًا يقوم بوظائف علمية، بما يجعلنا نحدد أين يكون المجتمع المدني ضعيفًا، وأين يكون قويًا، وعندما تكون الأسرة قوية والقبيلة قوية لا يكون هناك احتياج لمجتمع مدني ولا لمنظماته.

 أحيانًا تحل القبيلة محل الدولة، فعندما تنهار الدولة تحل محلها التنظيمات الإرثية، بل إن المسجد قد يكون مؤسسة وسيطة تقوم بكثير من وظائف الدولة؟

-ليس الأمر أمر تفضيل أيها الأفضل، بل نرى كل مؤسسة كيف تتعامل مع الكيانات الأخرى في المجتمع.

 في المجتمع العربي والإسلامي ظهرت نواة جنينية للمجتمع المدني مثل شيوخ الطوائف والأوقاف وتنظيمات الحرف والمهن والطرق الصوفية، فماذا يمكن أن نسمي ذلك؟

نعم هي بذور جنينية أو هي أشكال مختلفة للمجتمع المدني، ولكن السؤال لماذا لم تتطور لتشكل مجتمعًا مدنيًا حقيقيًا؟

 كان يمكن أن تتطور إذا تركت واستقلالها الذاتي؟

-هي تطورت فعلًا في بعض البلدان وذلك حينما حلت النقابات المهنية محل الحرف التقليدية.

 لكن الأنظمة سيطرت عليها؟

-الدولة أحيانًا تحاول أن تبتلع «تسيطر» على كل شيء في المجتمع المدني، لأن الدولة الشمولية تريد أن تحل محل كل شيء وتعلم لوحدها الفضاء العام كله، كما أن وجود مؤسسات المجتمع المدني لا يعني دائمًا أنها في حالة صحية ممكن تكون موجودة كهياكل «مثلًا مصر أثناء الحقبة الناصرية» لكن الدولة تفرغها من أهم شيء وهو الحرية «السلوك الحر والقدرة على اتخاذ القرار والمعارضة».

 بالنسبة لدور الدولة، هل تقليص دور الدولة ضرورة لنشأة مجتمع مدني؟

-لا ليس ضرورة، بل بالعكس الحالة الصحية أن يكون هناك مجتمع مدني قوي ودولة قوية مثلما هو الحال في أمريكا، ولأن النقيض هو أن يكون المجتمع المدني ضعيفًا والدولة ضعيفة مثل الصومال والسودان، أو أن يكون المجتمع المدني ضعيفًا والدولة قوية فتكون دولة شمولية تسلطية، وإن كانت البلدان تشهد حالة من التساوي في القوة بين المجتمع المدني والدولة.

 عملية تفكيك المجتمع التقليدي في الغرب اقترنت ببناء مجتمع حديث، لكن التحديث في الوطن العربي صاحبته عملية تفكيك بدون بناء بديل حديث، كيف ترى العلاقة بين الدعوة للمجتمع المدني وتفكيكي البنى التقليدية؟

 -أنا لا أستخدم مصطلح التفكيك أبدًا، التفكيك يعني أن هناك طرفًا فاعلًا يفكك وأنا ضد نظرية المؤامرة، وإنما الذي يحدث أن هناك أشكالًا وأنماطًا اجتماعية تنقضي وظائفها وأغراضها وبالتالي تضعف أو أنها مازالت تقوم بوظائفها وبالتالي تظل محتفظة بوجودها كالأسرة الممتدة والعشيرة، والقبيلة، فهذه المؤسسات إن كانت ضعفت في مجتمعات فهي لازالت تؤدي وظائف أساسية في مجتمعات أخرى وأنا أقول لتعمل مع هذه الأشكال التقليدية ولا نحاربها ولا نتعسف في تحطيمها، وأنا لست مع مفكرين عرب ظنوا في فترة الخمسينيات والستينيات أن الاعتراف بالقبيلة ضد الحداثة.

 عودة لقضية نشر فكرة المجتمع المدني في الوطن العربي، وبدون الوقوع في نظرية المؤامرة، ألا تتفق معنا في أن الغرب سواء دولًا أو منظمات حكومية أو غير حكومية لا يمول أفكارًا أو مشروعات بحثية أو مؤتمرات إلا إذا كانت له من وراء ذلك مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، الحديث عن التفكيك المتعمد إذن له محله من الوجود؟

- أين التفكيك هنا؟

 عندما تدعم جهات معينة نمو المجتمع بشكل متضخم في الوقت الذي تعمل فيه على إضعاف الدولة، ألا يكون لهذه الجهة الداعمة مصلحة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر؟

- إذا كانت لا تقبل، أغلق على نفسك الباب.

 ليس البديل غلق الباب وإنما التعامل بندية وبدون شروط مسبقة.

 من آليات السلطة في الدفاع عن نفسها أن تخترق مؤسسات المجتمع المدني، فكيف لهذه المؤسسات أن تدافع عن نفسها تجاه الأنظمة؟

-بالوعي، وعدم استمراء أن تكون ضحية سواء للدولة أو الخارج، فالدولة بطبيعتها تريد أن تسيطر على كل تنظيمات المجتمع المدني أو حتى كل المنظمات الإرثية إذا استطاعت إلى ذلك سبيلًا كل ما هنالك أن المنظمات الإرثية كثيرة جدًا، فكيف تسيطر عليها كلها، وإن كانت تحاول من خلال التعليم والإعلام بشكل غير مباشر أما تنظيمات المجتمع المدني الأخرى كالأحزاب والجمعيات فتحاول السيطرة عليها عن طريق القوانين والأمن والترخيص، ومحاولات السيطرة هذه تمنع نمو المجتمع المدني، لكن المجتمع المدني ليس عاجزًا أن يتحايل على محاولات السلطة في السيطرة ولا بد من النضال السلمي لتوسيع هامش الحرية والدفاع عنه.

 لننتقل إلى موضوع آخر وهو دور الحركات الإسلامية في بناء المجتمع المدني، وهل هذه الحركات عائق أمام ترسيخ المجتمع المدني أم عامل مساعد في بنائه؟

-يمكن أن تؤدي الحركات الإسلامية دورًا في بناء مجتمع مدني، إذا لم تستخدم العنف وإذا أقرت بالتعددية وإذا سمحت لغيرها من الأحزاب والتنظيمات غير الإسلامية أن تتنافس معها تنافسًا حرًا شريفًا.

عودة لبرهان غليون، حيث له كلام صريح مؤداه أن فكرة المجتمع المدني هي محاولة لتجديد عقيدة التحديث بعدما أخفقت في الخمسينيات والستينيات، وذلك لجعلها محورًا ضد عقائدية الحركة الإسلامية؟

- هذا لا أفهمه بهذا الفهم ولا أمارسه بهذا الشكل، وإذا كان هذا رأي برهان غليون فله رأيه وله اجتهاداته، وهو يعيش في باريس ويستفيد من كل منظمات المجتمع المدني الفرنسي، أما أنا فأرى أن الإسلاميين أول من يستفيد من منظمات المجتمع المدني.

 هذا إذا أتيحت لهم الفرصة لدخوله أصلًا؟

-هي متاحة لهم ولغيرهم.

 لكن ألست ترى معي أن الهامش المتاح لغيرهم ليس متاحًا لهم؟

-لا.

 هناك مقال الدكتور وليد قزيها حول کتاب أوجست ريتشارد رنورتون «المجتمع المدني في الشرق الأوسط» وأنت لك بحث في هذا الكتاب، وقد انتقدك د. وليد لأنك في بحثك تخرج الحركات الإسلامية من تعريفك للمجتمع المدني.

 -هناك حركات إسلامية تستخدم العنف أنا لا أعتبرها ضمن مكونات المجتمع المدني لأن تعريف المجتمع المدني هو الإدارة السلمية للصراع، فإذا استخدمت العنف تخرج عن تعريف المجتمع المدني، لكني مع ذلك اعتبرت الإخوان المسلمين من قوى المجتمع المدني لأنها حركة سلمية.

 

الرابط المختصر :