; مهاجرة إلى الجنة «أم حرام بنت ملحان» | مجلة المجتمع

العنوان مهاجرة إلى الجنة «أم حرام بنت ملحان»

الكاتب ميرال الطحاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1993

مشاهدات 44

نشر في العدد 1044

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 06-أبريل-1993

صامت.. وقور.. هكذا كان سمته من أول يوم عاد إلي فيه بعد تلك الرحلة.. ابتسامته شفافة تعكس لي ضوء قلبه الذي أشرق بشيء ما لم أعرِفه من قبل.

«عبادة.. ماذا أصابك؟!»

هكذا كنت أسأله ببلاهة عن تلك اللحظة التي حادت بخطاي وخطاه إلى أرض جديدة. يده لم تعد تلك اليد التي أعرفها بل صارت أرضًا ممتدة تحت قوافل المهاجرين. يده لم تعد يده من يوم أن لامست كف محمد- صلى الله عليه وسلم- وبايعت مع أول المبايعين يوم العقبة. أيام تتسابق ونحن نصلي خلف مصعب يؤم شطري الأنصار في صف واحد ويلحم شقي الرحى بلحام لا تنفصم عراه.

﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (الأنفال: 63).

من قال إنا كنا نفتح قلوبنا! بل هي التي كانت تنفتح رغمًا عنا. فنستقبل وفودًا فَارة بدينها إلى أحضان يثرب. أيام تمر وما في المدينة حديث إلا عن نور يسطع في أفقها. طاردوه في الفيافي. تآمروا عليه. حرضوا عليه فتيان القبيلة. أخرجوه من أرضه وهو قادم إلينا. وعلى أسطح البيوت كنا ننتظره.

«طلع البدر علينا من ثنيات الوداع..» وأي بدر كان؟! كنا نتحسس خطاه.. نصلي خلفه.. عشقنا تراب يثرب من يوم أن عرفت طريقها إلى قدمه.. وتآخينا.. ضمنا بيت واحد كبير.. سقيفة وحجرات.. مسجدنا الذي كنا به نتعلم ونصلي وينزل به الوحي، ويأوي إليه المسكين. وتخرج منه الصفوف وتعلو الرايات.. آه! ما الذي يجعل كل هذه الذكريات تتدافع في مخيلتي الآن.. إنه الحنين إليها.. قمت أُلملم شعث ذكرياتي، وأجُر طرف ثوبي، وأنظر إلى نخلتنا التي حملناها إلى بلاد تَعف عن النخيل، وحملنا معها يثرب كلها مجسدة في أعطافها، وما إن فتحت باب الدار حتى لمحته ساهم العينين..

«مالك يا ابن الصامت؟ عبادة ما الذي يُجلسك هكذا؟!»

لم يرد.. لكن صمته أثقل حملي وفك حزام جَلدي فانفطرت دموعي.

وقلت له: «عبادة أشم ريح يثرب. أريد أن أزور قبره.. «عبادة» إلى متى سنظل ههنا».

وبكيت وهاجت في نفسي الذكريات.. بدر، أحد، فتح مكة، ثم مؤتة. وعلا نَحيبي، فتركني عبادة ومضى.. هكذا عهدته.. صامت.. وقور.. جلد لا يحب أن يراه أحد في موقف ضعف حتى ولو كانت زوجته.. وفي الليل تلاقينا صامتين، بل طال بنا الوجوم أكثر من يومين، وفي الثالث فاجأني بقراره:

سنرحل.. أعدي عدتك. وضحك كل شيء في، فلم أر حلاوة هذه الأرض إلا ساعتها.. ودهشت في نفسي.. فالشام على غناها وروحها وريحانها لا تعادل عندي حفنة من تراب يثرب.. فليهنأ من غرقوا في خيراتها واطمأنوا إليها.. أما أنا وهو فغريبان لم تألفنا هذه الأرض ولم نألفها.. ومع الفجر كان كل شيء جاهزًا.. الزاد والزوادة، ومضينا عائدين.

وفي الطريق تضمنت فرحتي بالعودة همًّا كان يحمله عبادة.. يحمله وحده ويأبى أن يشركني فيه.. لكنني ألححت: مالك يا عبادة أستحلفك بالله إلا أَجبت! وقال كلمة واحدة عرفت بعدها حجم معاناته: «معاوية»! وعرفت ساعتها أنه غاضب لسياسته في بلاد الشام.

غاضب من إمرته على الناس.. كنت أعرف.. وصمت طويلًا ثم قال: «عاهدت رسول الله ألا أخشى في الله لومة لائم».

تلك هي القضية إذن.. أما التفاصيل فلا أعرفها.. ربما يكونان اختلفا.. أو آثر عبادة الخروج على الاصطدام بصحابي مثل معاوية.. وحين وصلنا إلى المدينة نسينا همومنا وعانقنا ذكريات الأيام التي لم يعرف الكون كله أصفى ولا أجمل ولا أطهر منها.. تذكرنا وضحك عبادة وأنا أذكره برحلته الأولى إلى مكة وحلفه مع يهود.. وضحك أكثر وهو يتلوها ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: 56).

أما يكفيك أنها نزلت فيك يا عبادة حين تبرأت من حلفك القديم وقلت أتولى الله ورسوله؟

وانشرح قلبه لعطر المدينة الرائق.. ومثلما لقيناها لاقتنا بالفرحة والمودة.. حططنا رحالنا واستقبلنا مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم.. ذهب عبادة ليلحق الجماعة خلف عمر- رضي الله عنه- وتحسست أنا الحجرات أسلم على أمهات المؤمنين ثم دلفت إليه: السلام عليك يا رسول الله.. وبكيت وأنا أتذكر خطوه يُكحِّل ترب داري.. وأجلسه وأبسط تحت قدميه فراشًا فينام.. متعب، مجهد أنت يا خير رسل الله، ثم يفيق مبتسمًا من حلمه ويستبشر في وجهي.

ويدخل عليّ عبادة قائلًا: أمرنا أمير المؤمنين بالعودة.. ويحكي لي.. فعل وغضب عمر وقال: قبح الله بلدًا ليس فيها عبادة. اذهب فلا أَمْر لأحد عليك. أنت أمير نفسك يا بن الصامت. هكذا أقرها عمر., وأمره أن يعود.. وسألني متى تُحبين الرحيل؟ وأجبت بلهفة: غدًا. «تزورين أهل!» لا ليس لي بعده من أهل.. جافة وقاحلة من بعد فراقك يا رسول الله، فلا هي طيبة ولا هي نخلها يطاول السماء، ولا خيرها يفترش الأرض حتى ولو كان عمر فيها.

ونمضي مثلما أتينا لكننا نجافي هذا البلد البعيد.. نشعر فيه باغتراب.. فنتوسد سفينة الفتوحات ونمضي.. وفي منامي كل ليلة أراه: يا أم حرام.. أنت من هؤلاء، أنت من هؤلاء، نعبر البحر إلى تلك الجزر الغارقة في بياض بحر الروم، وفي كل ليلة يأتيني طيفه.. حتى ذلك اليوم حين اغتسلت وتطيبت وحملت ماء السقاء على دابتي لأسقي المجاهدين، لكنها تَقَلَّصت وحرنت وظلت تجري كالمجنون الذي أصابه المس، وتلاحق الناس حولي وحولها لكنها كانت تصارع المجهول وتمضي بي إلى حتفي المقدر، فجمعت رحالي ومضيت إليه، وهناك لقيته: السلام عليك يا رسول الله.. قد وجدت ما وعدتني حقًا.. ووجدت ما وعدني ربي حقًا..

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل