العنوان مهاتير محمد يتحرك بالأسلوب نفسه الذي أسقط سوهارتو إندونيسيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1315
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
يبدو أن غالبية الحكام في دول العالم الثالث لم تتعلم بعد أن العدل أساس الملك، وأن المؤامرات الدولية تقوم أساساً بإثارة الفتن الداخلية والانشقاقات في الصف الواحد، فانطلق غالبيتهم يحكمون شعوبهم بمختلف صور الظلم والقهر والاستبداد والاستعباد الذي في ظله شاعت كل صور الاستغلال والانتهازية والفساد، حتى كادت أن تقضي على البلاد والعباد لولا لطف الله ووجود بقية من الصالحين بيننا . ففي سنة ١٩٦٩م، اجتاحت ماليزيا ثورة عرقية دموية عارمة كادت أن تؤدي بهذا البلد إلى الدمار لولا أن قيض الله لها من يطفئوها بحكمته.
وفي سنة ١٩٧٤م، وتحت ظل الأحكام الاستثنائية تم اعتقال رئيس حركة الشبيبة الماليزية المسلحة( ABIM ) السيد أنور إبراهيم الذي اشتهر في طول البلاد وعرضها بنبل خلقه، وطهارة مسلكه، وصدق وطنيته، وعمق التزامه الإسلامي، ودام اعتقاله لمدة قاربت السنتين، دون تهمة واضحة، ودون أدنى محاكمة في ظل قانون الطوارئ.
ثم شاء الله تعالى أن يخرج من السجن ليعرض عليه رئيس الوزراء الانضمام إلى حزبه الحاكم (UMMO) والمشاركة في الحكم، فقبل ذلك على أمل المساعدة في تطهير الحكومة من الفساد. وتحرك السيد أنور إبراهيم في عدد من المناصب الوزارية المهمة، حتى وصل إلى منصب نائب رئيس وزراء ماليزيا، ونائب رئيس حزبها الحاكم، وظلت ماليزيا تنعم مع وجود هذا العنصر الصالح في الحكم - بشيء من الهدوء السياسي - والرواج الاقتصادي والانسجام والتعاون بين كوادرها الحاكمة، حتى الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت ماليزيا فيما اجتاحت من دول جنوب شرق آسيا. وهنا بدأت كل عيوب أنظمة الحكم في المنطقة في التعري أمام أنظار المواطنين، وفي مقدمتها المحسوبية والرشوة واستغلال النفوذ، وبخاصة من قبل أقارب الحاكم وحوارييهم، ففقدت العملة الماليزية أكثر من %٦٨ من قيمتها فجأة، كما فقدت أسهم غالبية الشركات الماليزية حوالي ٧٤% من قيمتها، وانهارت اقتصاديات بلد إسلامي كان يحقق أعلى عائد سنوي على مدى فترة من الزمن ليست بالقصيرة.
بدأ رئيس الحكومة الماليزية الدكتور مهاتير محمد بالتدخل أولاً لإنقاذ ثروات أبنائه وأقاربه وأنصاره ومعاونيه بتمويلها من صناديق تقاعد الموظفين، أو بيعها لشركات حكومية، أو إدماجها معها، مما تسبب في بعثرة أموال الدولة وهدد اقتصادها بمزيد من الدمار. وهنا برز دور المصلح الوطني أنور إبراهيم بالاعتراض على المحاولات غير النزيهة لإنقاذ ثروات رئيس الحكومة وأولاده وأقاربه وأنصاره على حساب الاقتصاد الماليزي ككل، وقام السيد أنور إبراهيم نائب رئيس الوزراء والشرفاء من أعوانه وأنصاره برفع شعار: إنقاذ اقتصاد ماليزيا أولاً.. وتحدث زعيم الشباب في الحزب الحاكم أمام اجتماع عام للحزب عن ضرورة تطهير الحكومة من المحسوبية والرشوة واستغلال النفوذ، واستنزاف الموارد العامة للدولة من أجل إنقاذ الثروات الشخصية لأقارب أهل السلطة، وقال أنور إبراهيم الذي سلبت منه صلاحياته بطريقة ملتوية قولته المشهورة إن لم تعدل الدولة مسارها، وتطهر أسلوبها في الحكم، فسوف تواجه مصير سوهارتو في إندونيسيا ..
وهنا انقلب رئيس وزراء ماليزيا الدكتور مهاتير محمد على نائبه في رئاسة كل من الوزارة والحزب، وعلى كل أعوانه وجردهم من العديد من صلاحياتهم، كما بدأ في استخدام أقذر الأساليب السياسية معهم، وذلك بتجنيد أجهزة خاصة بإرسال عدد من الخطابات المسمومة التي تحاول تلويث سمعة هؤلاء الشرفاء باختلاق بعض التجاوزات السلوكية إلى كل منهم كي تلطخ سمعتهم، وتشوه أقوالهم، وتصد مؤيديهم عن الوقوف بجانبهم، ولما فشلت تلك المحاولات الرخيصة لما هو معروف عن أنور إبراهيم وأعوانه من ورع وتقوى، ونزاهة في السلوك، ووطنية وإخلاص وطهارة يد، وشرف في المعاملة، حرض مجهولون عدداً من الكتاب على نشر مؤلف رخيص بعنوان: «خمسون سبباً تحول دون تولي أنور رئاسة الوزراء»، ظهر تحت اسم مؤلف نكرة يدعى خالد جعفري، وشحن الكتاب بكل الادعاءات الباطلة على رجل من أشرف الساسة الماليزيين، إن لم يكن أشرفهم على الإطلاق، وحفل بمختلف صور الموبقات التي لا تنسب إلا إلى فاجر من الفجار ورمى الكتاب أنور إبراهيم بكل ذلك زوراً وبهتاناً.
ولما قام أنور إبراهيم برفع الأمر إلى القضاء وطلب محاكمة كاتبه تواطأت الشرطة بأمر من رئيس الوزراء وهو نفسه وزير الداخلية، في القبض على أحد أنصار أنور إبراهيم واسمه داتوك س تللا كاروبان وادعت العثور على عدد من الطلقات النارية في بيته، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الماليزي بالإعدام. ولا يزال هذا الرجل رهن الاعتقال في محاولة لربط تلك القضية بأنور إبراهيم من أجل التماس وخلق الملابسات لإدانته بالباطل في ظل عدد من القوانين الاستثنائية مثل قانون إفشاء أسرار الدولة (OSA)، وقانون الأمن الداخلي (ISA) ومن العجب أن ذلك كله يحدث في ظل التأكيدات المستمرة من جانب أنور إبراهيم على إخلاصه للدولة ورئيس الحكومة الذي ينظر إليه نظرة الابن للوالد والطالب للأستاذ، وإنه لا يفكر مطلقاً في منازعته على رئاسة الحزب أو رئاسة الحكومة ولكنه يقدم على كل ذلك من باب الحرص على مصلحة ماليزيا، وعلى إنقاذ اقتصادها من الدمار. وهو يؤمن أن وحدة الصف وجمع الشمل، ولم الرأي على الحق والعدل والحرص على مصلحة الوطن، يمكن أن يفوت على كل من يحاول بذر بذور الفرقة والاختلاف كل الفرص سواء أكانوا من شياطين الداخل أو الخارج.
وإن كان الإعلام الماليزي والشرق آسيوي والعالمي يغبط أنور إبراهيم نائب رئيس وزراء ماليزيا ووزير ماليتها على هذا الأسلوب الحكيم في مواجهة الأزمات حرصاً على مصلحة ماليزيا أولاً وأخيراً، وعلى جمع الكلمة في وقت تحتاج بلاده فيه إلى الوحدة الوطنية أكثر من أي وقت سابق حتى تجتاز أزمتها الاقتصادية الراهنة، وهي أزمة طاحنة، فإنهم يلومون الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الذي حكم لأكثر من سبعة عشر عاماً، فأطعته السلطة، ودفعت به إلى شيء من الغرور والشراسة والاستبداد في الحكم بواسطة قوانين استثنائية يسلطها على رقاب أشراف مواطنيه بفضل احتفاظه بحقيبة وزارة الداخلية وتوظيفه رجال الأمن لتحقيق مآربه ومحاربة كل من يفكر في التصدي لتجاوزاته.
ويتساءل رجال الإعلام في كافة دول العالم هل يمكن للحق أن ينتصر على أرض ماليزيا بفضل نزاهة أنور إبراهيم وأعوانه فيتوقف سيل التجاوزات المالية، ومسرحيات المحسوبية واستغلال النفوذ من أجل حماية أموال الدكتور مهاتير محمد وأبنائه وأقاربه وأنصاره، ويفضل الصحوة الهائلة التي أحدثها أنور إبراهيم وأعوانه في كافة أبناء ماليزيا، وبفضل صلوات الآلاف من المخلصين من أبناء هذا الشعب لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ولمرور البلاد من أزمتها الاقتصادية الراهنة.
أم - لا قدر الله - ينتصر الشر على الخير من أجل حفنة من المال يجمعها أبناء مهاتير ظلماً وعدواناً وسحتاً، ثم يموت وتتلاشى الثروات الحرام، كما تتلاشى أكوام الرماد في يوم عاصف ثم يكون الحساب المرير ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: ٨٨، ٨٩).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل