العنوان من يوميات سراييفو (٢)
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 92
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 18-يوليو-1995
كان آخر شعاع شمس يغادر العاصمة المعتمة حين توجهت إلى منزلي مساء السابع والعشرين من الشهر الماضي، ألقيت السلام -الذي بات التحية الرسمية- على نفر كان يتجمعون أمام باب النيابة التي أقطن بها يتبادلون -كما فهمت- آخر الأخبار التى نقلها لهم بعض المقاتلين العائدين في عطلة قصيرة إلى المدينة، كانوا يهمون بالانصراف، وقد قاربت الساعة على التاسعة مساء موعد فرض حظر التجوال على المدينة.
اليوم كان سكان الحي على موعد هام فقد وصل إليهم في العاشرة مساءً وفق خطة البلدية التي توزع تيار الكهرباء المحدود على الأحياء السكنية واحدًا تلوا الآخر، ومرة كل أربعة أو خمسة أيام ليبقى عدة ساعات يعيش الناس خلالها زمنًا حافلًا بالأحداث.
ففي هذه الساعات القليلة تعكف الأسرة كلها على إنجاز كل ما يمكن إنجازه، من طهي الطعام وغسيل الملابس بواسطة الغسالة الكهربائية، ثم كي الملابس، ومتابعة البرامج التليفزيونية، كنت لا أرغب في النوم رغم تعبي الشديد، فلم يكن لديا القدرة على اتخاذ قرار اختياري بمفارقة نعمة الكهرباء، ويبدو أن هذا الشعور كان يتملك كل سكان الحي الذين ظل معظمهم حتى ساعات الفجر يتبادلون الأحاديث والنكات والتعليقات.
في الصباح الباكر استيقظت وتبادلت مع الآخرين ذكريات ليلة الأمس مع الكهرباء، غادرت منزلي مودعًا أربعة أواني من المياه، دعوت الله العظيم أن أجدها في خير حال حين عودتي إليها مساءً، والماء نعمة لا يدركها إلا من حرم منها، ولم لا والناس هنا تدفع حياتها ثمنًا للحصول على بعض الماء حين تقف في طوابير طويلة أمام مضخات المياه التى ستدفعها المليشيات الصربية، ويدلها على مواقفها أولئك الجواسيس من أبناء جلدتهم، والذين مازالوا يعيشون في أمان في سراييفو تحيطهم مشاعر التسامح الإسلامي الذي يدفع المسلمون ثمنه كل يوم.
أتوجه إلى بناية التليفزيون الحكومي حيث مكتبي تقطنه معظم الدور الصحفية التي تتابع عن كثب الحرب في البوسنة، وفي التاسعة والنصف تمامًا تهتز البناية على صوت قذيفة قريبة للغاية فيسارع الصحفيون إلى مغادرة مكاتبهم بحثًا عن الموقع الذي أصابته، دقيقة واحدة تمر وسيسقط صاروخ مباشر على البناية العتيقة الواقفة في حي على باشا على بعد أقل من كيلو متر واحد من خطوط المواجهة بين المسلمين والصرب.
زلزال يدوي:
من الصعب أن أصف ما حدث؛ أصدق ما يمكن أن يقال إن زلزال أصاب البناية، وفي لحظات كانت أصوات الصراخ تشق أرجاء البناية الحافلة بكل رجال الإعلام المحللين والأجانب، لقد أصاب الصحفيون اليوم ماظلوا طول ثلاث سنوات يتابعون شعب البوسنة وهم يصابون به، اعتداءات صربية وحشية على مناطق مدينة.
وانقسم الصحفيون إلى ثلاث مجموعات: مجموعة قررت مغادرة المدينة في أسرع وقت، ومجموعة أوقفت متابعتها اليومية الإخبارية وراحت تبحث عن وسائل الأمان لها، ومجموعة واصلت عملها المعتاد معتمدة بالدرجة الأولى على العاملين معها من البوسنيين الذين عادة ما يخاطرون لنقل صورة حية مما يدور هنا، والذي أسماه حارس سيلاجيتش بأنها سابقة تاريخية أن تتم جرائم التطهير العرقي تحت سمع وبصر المشاهدين في العالم كله.
قصف بناية التليفزيون الحكومي كان في سياق قصف عنيف على كل أخبار المدينة يمكن وصفه بأنه الأعنف منذ بدء الحرب في البوسنة قبل ثلاث سنوات، وسرعان ما عرفنا الإجابة عن سبب ذلك، فقد حقق البوسنيون تقدمًا على أكثر من محور خلال عملياتهم التي تستهدف فك الحصار عن العاصمة.
عالم صناعة الرجال:
الحياة مع الجنود البوسنيين ولو لعدة ساعات تشعرك بأنك انتقلت إلى عالم آخر عالم صناعة الرجال، شباب أشداء وبسطاء فهموا أن مدينتهم سراييفو الأوروبية مدانة بثمانين تهمة، هي عدد مآذنها.
الوجوه مشرقة، والأيدي خشنة، والهمة عالية، والنفوس تتملكها روح الثأر من الذين شردهم وذبحوهم، واستحيوا أعراضهم الأصابع على الزينات، والعيون تراقب كل الطرق لعل إخوانهم الذين يخوضون المعركة من الناحية الآخرى من سراييفو قد أوشكوا على الوصول إلى بوابات المدينة (الموعد هنا) قال لي أحدهم وأضاف لا تندهش فالتاريخ ينتظر، والمعركة ليست بين شعبين فقط، وإنما معركة عقائد وأفكار، لا تندهش قال لي مرة آخرى قبل ثلاث سنوات كان الديسكو والبار هويتي، كنا نحسب أن هذا هو ثمن انتمائنا لأوروبا، اليوم هذا الخندق بيتي، لا تندهش قالها للمرة الثالثة، الحرب كانت كالزلزال هدمت أسوأ ما كان فينا، نحن اليوم نصنع أنفسنا من جديد، ولم أندهش.