; من يوميات امرأة مسلمة: حوار.. وشهادة للتاريخ | مجلة المجتمع

العنوان من يوميات امرأة مسلمة: حوار.. وشهادة للتاريخ

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1988

مشاهدات 58

نشر في العدد 850

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 05-يناير-1988

·      المسلمون تخلوا عن الحضارة يوم راحوا يبنون الخارج ويهدمون الداخل.

أكاد أكون متأكدة أن أغلبنا قد زار أكثر من عاصمة أوروبية كما أنا متأكدة أن أغلبنا قد بهرته بعض مظاهر المدنية ولا أقول «كل»!

واحدة من هذه العواصم كانت تشدني أكثر من سواها وتعددت زياراتي لها منذ كنت طفلة وحتى الآن.. حين زرتها أول مرة كنت في العاشرة من عمري وكنت وأنا أمشي في شوارعها كالضائعة.. أنظر إلى رجالها وأضع يدي في يد أبي وأتمسك به بقوة وكأنني كنت أشعر أنني لو فقدت في هذه الشوارع فستكون مأساة..

ثم تدهشني جرأة نسائها فأنظر إلى وجه أمي لأجد الطهارة والعفة وأضع يدي الصغيرة في يدها الطيبة وأعبر الشوارع بدون أن يلفت نظري أكثر مما ذكرت.

زيارة واعية

وحين زرتها لآخر مرة كنت قد بلغت من الوعي درجة كافية لتقييم كل ظاهرة أراها.. واتجهت لزيارة متاحفها الضخمة.. وقصورها الخيالية.. وكنائسها العريقة.. ولا أنكر أنها أثارت إعجابي بشكل كبير وسأكون جاحدة لو قلت عكس ذلك وكنت وأنا أتنقل من تحفة لأخرى لا أملك سوى الإعجاب أعبر عنه بكلمة «الله»!

تساؤل عند كنيسة نوتردام

وتوقفت في محطة من محطات هذه المتاحف.. توقفت في ساحة الكنيسة الشهيرة «نوتردام» ونظرت إلى أعلى فقد كانت شاهقة.. ومن داخلها كانت رائعة.. وجلست على أحد المقاعد وسألت سؤالًا ربما سأله الكثيرون: لماذا لم يهتم المسلمون ببناء مساجد بهذه الضخامة؟

وسمعت جوابًا شافيًا يقول:

لأن الإسلام جاء ليبني أعماق النفس الإنسانية.

وتراجع سؤالي خجلًا من تفاهته بعد أن فرض نفسه وسرحت أتأمل هذا الشموخ وهذه الدقة.

هل سمعتم كنيسة تتكلم؟

وسمعتها تنادي من الأعالي صبرًا.. لا يخدعك مظهري.. فعندما يعاني الإنسان من ضعف المعنويات يهتم بالماديات، وعندما يعجز هذا الإنسان عن الاهتمام بالأعماق والباطن يوجه اهتمامه للظواهر، وهو بذلك يريد أن يخدع نفسه ويوهمها أنه قادر على فعل شيء.. يريد أن يثبت بذلك للتاريخ أنه لم يدعه يمر بدون أن يترك عليه بعضًا من بصماته، ولكن هيهات.. فالتاريخ صادق.. صادق.. مهما حاولوا التشويه فيه.

تعترف وتصدق فيما تقول؟

وواصلت تقول: اسألي التاريخ عني سيخبرك بإخلاص أنني لا أدل على عظمة مضت.. ولا أبرهن على حضارة انقضت.. سيخبرك التاريخ أنني بنيت بعرق الكادحين.. أما تكاليف بنائي فقد سلبت من لقمة المساكين.. وأهدرت في سبيل شموخي طاقات لا حصر لها كان الأجدر توجيهها لصالح الشعب الجاهل المسكين.. بنوني وهم يقولون إنهم سيتعبدون في أرجائي.. ومن قال لهم إن العبادة تحتاج لكل هذه البهرجة؟! ويا ليتهم كانوا يتعبدون.. بل جعلوني مكانًا ملائمًا تمامًا لعربدتهم الدنيئة.. كانوا يجتمعون ليلًا حول مائدات الخمور ويسهرون حتى تغطيهم أجنحة الظلام إلا من نور خافت لشمعة هنا وأخرى هناك.. وهذا القس خارجًا أمام الناس لم يكن يتورع عن تأمين غرفة هادئة لرجل أراد أن يختلي بامرأة مقابل عدد بخس من السنتيمات.. وأفضل شيء كانوا يفعلونه هو الجلوس صباحًا أمام كرسي الاعتراف ليغفر لهم ما فعلوه ليلًا.. أي غباء؟!

 جعلوني للخرافة وحجارتي تنادي بالتوحيد!

كل هذا التخلف كان يعاصرني وأكثر.. وواصلت الكنيسة المسكينة قولها: كنت أذرف دموعي مئات المرات في اليوم، جعلوني مقرًّا لخرافاتهم وحجارتي كلها تنادي بالتوحيد..

جعلوا في قمتي أجراسًا يسمعونها نداء لهم وأنا أسمعها تنادي «الله أكبر» لا أحب أن أُنسب إليهم كظاهرة حضارية ماضية.. فبينما كنت أتربع أمام أعينهم لأكون محل فخر لهم كنت أشهد أقصى درجات الأوضاع السيئة.

بنائي الضخم ليس دليل حضارة!

شهدت المذابح والويلات.. شهدت المآسي فلا تصدقوا أن بنائي الضخم كان دليلًا لحضارة.. ولم تستطع شعوبي أن تخرج إلى النور حتى تحللت من قيودي.. فكيف أكون ظاهرة حضارة؟

مدنية وليست حضارة!

مع كل ما رأيت من تقدم علمي وثقافي وصناعي.. وبنفس المستوى وبتناسب عكسي رأيت الانحطاط الأخلاقي.. فقلت لا.. ثم لا.. إنها لا يمكن أن تكون الحضارة.. إنها المدنية نعم.. وشتان ما بين الحضارة والمدنية!

إذا كانت هناك نظرية «لا حضارة بدون تقدم علمي» هي نظرية صحيحة.. فالأصح منها نظرية «لا حضارة بدون فكرة دينية».. والأكثر صحة: «لا حضارة بدون فكرة دينية تستطيع بعمق أهدافها الحفاظ على مستوى أخلاقي راق ومطلق».

الحضارة قيم وأخلاق تسيطر على المادة!

فالحضارة إذن هي الحفاظ -وفي آن واحد- على رقي أخلاقي + مادة «تطور علمي وتطور صناعي».. وإذا كانت المدنية في الغرب قد استطاعت الحفاظ على العنصر الأخير فقط فليس خافيًا أنها:

1- لم تحقق حضارة.. إنما حققت مدنية.

2- تسير في طريق النهاية بسبب تضليلها عن عنصر لا تقل أهميته عن أهمية العنصر الآخر، إن لم يحتل الأولوية بالقياس إليه!

سألت الكنيسة الحزينة: أين توجد الحضارة؟

وتساءلت أین أجد الحضارة التي أبحث عنها.. ونادتني حجارة الكنيسة الحزينة.. هناك في مشارق الأرض مكان طاهر.. هو نواة هذا العالم.. من هناك انطلقت نداءات الحضارة.. ليس من مكان فخم، ولا من مظاهر فتانة، إنما من رقعة هي من صنع إله هذا الكون.. إنه غار بسيط قد لا يلتفت العابر إليه.. هادئ عريق.. اختير ليكون المكان الذي سيشهد أعظم رسالة حضارية على وجه الأرض.. غار حراء.. قارني بين بساطة مظهره وضخامة مظهري.. قد تجدينني أجمل.. ولكن تداركي ولا تقعي في الفخ فليس من مبادئ الإنسان العاقل الإدلاء بحكم ناتج عن مقارنة سطحية للأشياء.

مقارنة وشهادة التاريخ

قارني بين جوهر هذا الغار وجوهري.. فهذا هو العدل.. وسألت التاريخ.. وبفخر أجابني التاريخ: ما عرفت فاتحًا أفضل من المسلمين! هنا في مكان هادئ على هذه الأرض أرسل خالق هذا الكون أفضل رسالة لأفضل رجل.. اختلفوا على باطل فوجدتها هذه الرسالة وجعلتها لا تختلف إلا على حق وبحدود الحق كان يسود الضياع فوجد كل صاحب نفس ضائعة نفسه.. وحمد الله على استقامة الحياة الأسرية، وحل الوئام.. عمت المحبة الأخوية.

 صوت من غار حراء

كان ذلك الصوت هو صوت مكان طاهر إنه نداء غار اسمه غار حراء.. وعدت بذاكرتي إلى الوراء.. عدت إلى المكان الذي كانت فيه ولادة الإنسانية.. هذا المكان لم يكن ضخمًا.. لم يكن مزينًا ومزركشًا.. هذا المكان لم تمسسه أيدي بشر ولكن منه انطلقت أول صيحة تنادي بالعلم.. تنادي بالقلم.. تنادي بالعلماء.

من هذا المكان الطبيعي خرج محمد بن عبدالله وهو يحمل أعلى القيم وأسماها.. وأرفع المبادئ وأقواها.. خرج ليبشر الناس بما جاءهم من رحمة.. وسعد الجميع وارتاحت النفوس.. ارتاحت لأنها أعطيت ما تريد... وازدهرت الحياة.. وانطلق الدعاة ينشدون بفخر واعتزاز ما آمنوا به.. وانتشر.. وكانت حضارة أخلاقية وعلمية حقًا!

القيم مقرها النفوس وليس ضخامة الأشياء

ولكنها كانت أولًا حضارة قيم ولقد علم الخالق أن زرع القيم لا يحتاج لمكان مزدان.. إنما لأنفس نقية.. لذلك اختير غار حراء ليكون أول مكان يشرف باحتواء أرقى رسالة.. ولم يهتم أحد من الخلفاء الراشدين والصحابة الأجلاء ببناء مساجد ضخمة بل كانوا يكتفون بأن يكون مكانًا طاهرًا وذلك ليقينهم أن المؤمن يصلي بقلبه وبكل جوارحه، ولا يصلي بمسجده «وحين راحت توجه الاهتمامات إلى الأبنية الإسلامية الفخمة سواء من مساجد أو غيرها كان ذلك دليلًا على إفلاسهم الروحي».

وعدت إلى الكنيسة الشامخة وقلت لها بأسى: علمت أن الحضارة قد تحققت في ديار المسلمين ولكنهم تخلوا عنها.. وكان ذلك حين بدأ إفلاسهم الروحي وحين راحوا يبنون الخارج ويهدمون الداخل.. حين راحوا يشيدون الظاهر ويخربون الباطن.. وعلمت أيضًا أن عظمة المكان لم تكن قط لتدل على عظمة شعب، وأن بساطة المكان أيضًا ما كانت لتدل على انحطاط آخر.. هذا إن لم تكن المعادلة العكسية أقرب إلى الصحة!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

130

الثلاثاء 19-مايو-1970

دعوة للانعتاق

نشر في العدد 329

132

الثلاثاء 21-ديسمبر-1976

معطيات الهجرة النبوية