العنوان من يهب للإنقاذ أو يشمر للنهضة؟!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1994
مشاهدات 108
نشر في العدد 1114
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 30-أغسطس-1994
"عصائر عقول
المبدعين اليوم تشرب أنخابًا على موائد الفاشلين المتصدرين الجالسين على القمة
والريادة"
"أكباد العباقرة
اليوم تؤكل شواء على أنغام الجاهلين العابثين المالكين لزمام الأمور في المجتمعات"
وقلوب المؤمنين اليوم يزدريها كل همجي فاجر يتصرف في أقدار الناس
ويستبيحهم مالًا ودماءً، ومصائر الشعوب اليوم معلقة بأيدي كل عاق لا يرعى لها
رحمًا، أو يصون لها ذمة، أو يرفع لها ذكرًا.
والثقافة أصبحت في عصرنا هذا نوعًا من الهذيان أو شيئًا من الشطحات
المخبولة التي تفسد الذوق، وترعرع الفساد وتحلل الشخصية، وتذهب الكرامة، وتميع
الرجولة، وتقضي على العزائم.
والأخلاق أضحت شيئًا من تراث الماضي، وبعضًا من مخلفات العصور الخوالي
التي تضاهي مقتنيات المتاحف، يوصف المتمسكون بها بالتخلف ويوصم أصحابها بالتأخر
وعدم مسايرة العصر أو الانخراط في المدنية أو مواكبة الحضارة وينظر إليهم على أنهم
عقبة على طريق التقدم، ومعوق أمام الحريات.
وهوية الأمة أصبحت نهبًا مشاعًا وكلاً مباحًا تتلاعب به الصبية من
دعاة الفكر التبعي والانهزامي الكئيب يريدون أن يطفئوا نور التميز فيها ويبددوا
أشعة الأصالة عندها. وتكون فتنة ويكون انحدار وتحلل وتصبح متاهة وتهميشًا وتفسخًا،
فيسهل جرها إلى حيث يريد سماسرة النخاسة وزبانية الأهواء إلى الحتوف المعدة
والقبور الجاهزة للأمة العملاقة.
والمبادئ الأصيلة التي رفعت البشرية، والأسس الفطرية العزيزة التي
قادت الإنسانية وحضرتها تستبدل بها اليوم هوامش ثقافية لقيطة، وتزلزل معايير
التوجهات المستقبلية وتؤرجح ثوابت النهضة الذاتية للأمة، وتجتث جذور تميزها
وعطائها الرائد في كل ميدان.
والصناعة والريادة التكنولوجية والبحث العلمي والنظر الفاحص والفكر
الثاقب والملاحظات العميقة التي امتاز بها العقل المسلم الواعد قد أصبحت في خبر
كان بفعل اللهو السادر، والعجز الماحق، والضلال المبين، وأغلق على الأمة في شتى
المجالات واستنامت للهزال الفكري والعقلي والعلمي الذي تسرب إليها بفعل عوامل
كثيرة، ودواهي متنوعة، وتوجهات بئيسة، كل ذلك جعلها سوقًا للأمم ونفوذًا للشعوب،
وفرض عليها فروضًا، وصب عليها قيودًا، وحجر عليها حجرًا جعلها تعيش ليلًا طويلًا
وظلامًا بهيمًا.
كل ذلك وغيره الكثير يفرض على كل مخلص صاحب قلب وكل مؤمن صاحب نفس أن
يهب لإنقاذ أمته وأن يشمر لنهضة رسالته، وأن يتسلح بإيمان عميق لأن الدروب ملتوية،
وصبر كبير لأن الطريق طويل، وعزم حديد لأن الحمل ثقيل، وجهاد متواصل لأن العقبة
كؤود، وأمل عريض لأن الفوز عظيم والمستقبل باسم والنصر كبير والعاقبة مبهرة، يجب
أن نتعلم اللسان الناطق المبين والحجة المفحمة وأن ندعو الله كما دعاه موسى من قبل
في مثل هذا الموقف قائلًا: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي
أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (طه: 25-28).
يجب أن نتعلم الحكمة وندعو بها ونعرف المنطق وننادي به ونتأسى بقول
الله لرسوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).
وأن نفهم الحكمة كما فهمها سلفنا الصالح حيث يقول الإمام العيني -رضي
الله عنه- معرفًا الحكمة: "الحكمة تعلمها كمال علمي والعمل بها كمال
عملي" يعني أن ندعو إلى الله بكمال العلم وكمال العمل، ولا تكون دعوتنا
عجزًا، أو أحاديثنا جهلًا، أو تعليمنا ضجرًا، أو ريادتنا تنفيرًا، أو وعظنا
تدميرًا لأخوتنا، أو تفسيقًا أو تبديعًا لرفقتنا وإنما تكون دعوتنا هديًا وحبًا
وصبرًا وتحملًا وتفهمًا، كما يقول الإمام ابن تيمية -رضوان الله عليه- في توضيح
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلقاء الضوء على أساليبه، فقال: "العلم
قبله والرفق معه، والصبر بعده"، نعم العلم قبله حتى تكون على بصيرة تستطيع
معها أن تبين منهجك وتوضح طريقه، كما قال القرآن الكريم معلمًا رسوله: ﴿قُلْ
هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
(يوسف: 108).
والرفق معه، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما رفع عن شيء إلا شانه،
وما أحسن تصوير القرآن لذلك في قوله لرسوله: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ
الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159). والصبر بعده لأن للأمور مدى يجب أن
تبلغه، وللنفوس كبوات يجب أن تتخلص منها، والطباع والعادات تحكمات ينبغي أن تتدرب
على تركها ولأمر ما أمر الله المؤمنين والدعاة بالصبر في ميدان الدعوة، فقال:
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجل
لَّهُمْ﴾ (الأحقاف: 35)، ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ
الْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43).
إذن لا بد من دعوة وهمة ولا بد من لسان فصيح وقلم راعد وحجة بليغة،
ومنطق فصيح حتى ننازل الباطل بأقلامنا وحججنا، ولسنا من المتعجلين أو القانطين أو
اليائسين أو المستفزين، وإن كان للباطل إعلام فصوت الحق أعلى وأسمع وإن كان للضلال
أعوان فلنا بالله عون ومدد، ثم بالمخلصين في الأمة ردء وسند، وإن كان للبهتان
أموال: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 36) وسيفتح الله
الدنيا على عباده ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون، ونحن بهذا
نحس بأننا أقوياء بالله ثم بالحق والمنطق والحجة والرسالة ولم يبق إلا أن تجمع
الأمة عزمها وشملها وإيمانها وتفرح بنصر الله فمن يهب للإنقاذ أو يشمر مع المشمرين
للنهضة؟!