العنوان الافتتاحية .. من ينصر مسلمي البوسنة بعد إجبارهم على التوقيع؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1993
مشاهدات 82
نشر في العدد 1044
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 06-أبريل-1993
بعد عدة شهور من المقاومة والرفض
لخطة الأمم المتحدة والأمل في وجود دعم من المسلمين الذين لم تتحرك معظم حكوماتهم
سوى بالوعود، وجد الرئيس البوسني المسلم علِي عزت بيجوفيتش نفسه مضطرًّا للتوقيع
على خطة فانس وأوين المتعلقة بتقسيم البوسنة إلى عشر مقاطعات، بعدما تلقى وعودًا
من الولايات المتحدة بأنها سوف تدرس جديًّا إمكانية رفع حظر تصدير السلاح لمسلمي
البوسنة حتى يدافعوا عن أعراضهم وأنفسهم، وهو أمل تعلق به بيجوفيتش بعدما ظل عدة
أشهر ينتظر من معظم حكومات الدول الإسلامية أن تفي بوعدها بالتحرك لنصرة مسلمي
البوسنة إذا استمر الصرب في اعتداءاتهم حتى الخامس عشر من يناير الماضي، إلا أن
الأيام مضت دون أن تحرك معظم الدول الإسلامية ساكنًا، بل ابتلعت وعدها في صمت ليجد
بيجوفيتش نفسه مضطرًّا للتوقيع وهو يقف وحده في مواجهة المجتمع الدولي لحماية ما
تبقى من أرض البوسنة وشعبها المسلم، ويبدو الأسى على وجه بيجوفيتش ونبرات صوته وهو
يقول بعد التوقيع: «لقد قمنا بما طلبه منا المجتمع الدولي، وحان الوقت لكي يقوم
المجتمع الدولي بما هو مطلوب منه، خصوصًا وأنه تأخر كثيرًا في النهوض بما ينبغي أن
يؤديه في مواجهة محنة البوسنة، وأنه لو فعل ذلك في وقت مبكر لتجنبنا مقتل مائتي
ألف شخص، وتشريد وطرد مليون شخص آخرين خلال سنة واحدة».
وأضاف الرئيس البوسني المسلم قائلًا:
«إن الخطة التي اضطررت للموافقة عليها ليست هي الحل الأفضل، لكن الخيارات الأفضل
أسوأ منها، لذلك فقد وقعتها دون حماس».
أما «سالم سابتش» الممثل الشخصي
للرئيس البوسني «علي عزت بيجوفيتش»، فقد عبر بوضوح عن سبب اضطرار المسلمين
للتوقيع على الوثيقة قائلًا: «لقد انتظرنا خطوة جدية من منظمة المؤتمر الإسلامي
منذ الخامس عشر من يناير الماضي دون جدوى، كما أننا نعاني من حصار لم يشهد له
التاريخ مثيلًا في السابق، ولم نحصل من العالم الإسلامي على أي مساعدة جديرة
بتغيير موازين القوى في البوسنة سوى ما تقوم به الهيئات الإغاثية، ففي كل يوم يسقط
منا عشرات القتلى ومئات الآلاف من مواطنينا يقضون الليل في العراء على الجليد وتحت
القصف، ورغم اضطرار الرئيس البوسني على التوقيع إلا أنه وقع بشروطه».
وكان الرئيس البوسني علي عزت
بيجوفيتش قد أعلن لدى توقيعه على خطة فانس وأوين التي ظل رافضًا لها منذ إعلانها،
أنه سوف يعتبر هذا الاتفاق ملغيًا وباطلًا إذا لم تتحقق ثلاثة شروط، هي:
1-
توقيع الجانب المعتدي «الصرب» على الاتفاق خلال عشرة
أيام.
2- اتخاذ المجتمع الدولي في فترة زمنية محددة
تدابير فعالة لتطبيق الاتفاق.
3- توقف العدوان الصربي على البوسنة والهرسك.
وقد تمكنت «المجتمع» من الحصول على
نص خطة فانس وأوين لتعرف أبعاد ما ترمي إليه، وأسباب رفض مسلمي البوسنة لها،
فوجدناها تتضمن إحاقة وإجحافًا وظلمًا واضحًا وبينًا لمسلمي البوسنة وحقوقهم، لاسيما
وهم يمثلون قرابة خمسين في المائة من سكان البوسنة، حيث تمت مساواتهم، بل ومنحهم
حقوقًا أقل من الصرب والكروات الذين يمثلون النسبة الباقية من السكان، وقد نصت
بنود تلك الخطة على ما يلي:
أولًا: ستكون جمهورية البوسنة
والهرسك دولة حكومة مركزية محدودة الصلاحيات، وذات دستور يعترف بالشعوب الثلاثة
المكونة لها -إضافة إلى المجموعات الأخرى- مع انتقال غالب الصلاحيات الأساسية من
الحكومة إلى إدارة المناطق.
ثانيًا: لن تتمتع المناطق بأي
صلاحيات في الأمور الخارجية للحكومة، ولن يكون بمقدورها توقيع الاتفاقيات مع الدول
الأجنبية والمنظمات الدولية.
ثالثًا: سوف تؤمن كامل الحرية للتنقل
داخل جمهورية البوسنة والهرسك، ويتم تنفيذ ذلك بغرض المراقبة الدولية على الطرق.
رابعًا: جميع الأمور الحيوية
والمصيرية بالنسبة لكل شعب من الشعوب الثلاثة سوف تقرر بالدستور، ويمكن تغيير
الدستور في تلك الأمور فقط بإجماع الشعوب الثلاثة المكونة للجمهورية، وأما أمور
الحكومة المركزية فإنها لن تكون خاضعة لحق النقض لأي شعب من الشعوب الثلاثة «حق
فيتو».
خامسًا: سيتم انتخاب المسؤولين في
المناطق وأعضاء الحكومة المركزية في الانتخابات الديمقراطية، وستكون المحاكم
مستقلة وستتكون الرئاسة العليا من ثلاثة ممثلين لكل شعب من الشعوب الثلاثة (ممثل
عن كل منطقة مسلمين: 3 مسلمين + ۳
صرب + ٣ كروات)، وستجرى أول انتخابات من هذا النوع تحت إشراف مباشر من الأمم
المتحدة والمجموعة الأوروبية ومؤتمر الأمن الأوروبي والتعاون.
سادسًا: ستتشكل المحكمة الدستورية من
أعضاء كل الشعوب والجماعات، وسيكون أغلب أعضائها من غير البوسنويين بحسب ما تم
اقتراحه في المؤتمر الدولي حول يوغسلافيا السابقة، وتكون مهمة هذه المحكمة
الدستورية فض النزاعات بين الحكومة المركزية وإدارة المقاطعات والإدارات القديمة.
سابعًا: سيتم نزع السلاح في البوسنة
والهرسك تدريجيًّا تحت إشراف الأمم المتحدة والمجموعة الأوروبية.
ثامنًا: سيتم ضمان أعلى قدر من حقوق
الإنسان التي تنص عليها المواثيق الدولية وإدراجها في الدستور، وسيتم الإشراف
المباشر على تطبيق هذه الحقوق الدستورية من قبل منظمات رعاية حقوق الإنسان الدولية
والمحلية.
تاسعًا: سيتم ضمان قدر ضروري من
الإدارة الدولية والهيئات الرقابية من خلال إدخالها في الدستور الجديد، وستظل هذه
الإدارات والهيئات موجودة إلى حين إجماع جميع الشعوب الثلاثة على ضرورة مغادرتها
من البوسنة والهرسك.
إن إعادة قراءة هذه البنود التسعة
بتفحص لا يقودنا إلا إلى نتيجة واحدة لا تقبل الشك، هي أن «خطة فانس وأوين» ليست
سوى خطة تمكين للصرب وإنهاء للوجود الإسلامي في البوسنة على المدى القريب أو
البعيد، وذلك على غرار خطة تقسيم فلسطين التي أعدتها الأمم المتحدة عام ١٩٤٧ والتي
لم تكن سوى تمكين لليهود وتشريد للفلسطينيين، وإن رفض مسلمي البوسنة لها نابع من
هذا الجانب، ولم يضطروا لقبولهم المشروط بها إلا بعد نفاذ الأسهم من جعبتهم وخذلان
معظم الحكومات الإسلامية لهم، وتعلقهم بخيط رفيع من الأمل وعدتهم به الولايات
المتحدة ولم يقره «فانس وأوين»، وذلك بإمكانية رفع حظر حصولهم على كمية محدودة من
السلاح يدافعون بها عن أنفسهم، ومع ذلك فلا يزال مسلمو البوسنة على أمل أن يجدوا
دعمًا من إخوانهم المسلمين.
وفي هذا الصدد صرح أحد مساعدي الرئيس
البوسني المسلم «علي عزت بيجوفيتش» لـ«المجتمع» في لقاء خاص، بأن مسلمي البوسنة
بحاجة ماسة الآن إلى مائة مليون دولار من حكومات العالم الإسلامي؛ وذلك للحفاظ على
ما تبقى من أرض وعرض تحت أيدي المسلمين في البوسنة، وأن مسلمي البوسنة لا يطلبون
هذا المبلغ كمساعدة، بل يطلبونه قرضًا سوف يقومون بتسديده فيما بعد، وإننا نأمل من
دول الخليج أن تبادر لمساعدتنا فالمبلغ ليس كبيرًا، وسوف نقدم ما نستطيع من ضمانات
لتسديده.
وفيما تتوالى النداءات من مسلمي
البوسنة إلى مسلمي العالم، تستمر المؤتمرات الصحفية والتصريحات الجوفاء والتهديدات
الفارغة للصرب من ممثلي الأمم المتحدة والولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية، حيث
لم يكفِهم عام كامل من القتل والسحل وانتهاك الأعراض والتطهير العرقي، ليقف ديفيد
أوين أمام الصحفيين في الأمم المتحدة في الأسبوع الماضي بعد توقيع بيجوفيتش على
الخطة ليعلن أنه قد حان الوقت الآن لممارسة الضغوط على الصرب، وكأنه لم يحن طوال
عام كامل من الجرائم.
وفيما لم يتحرك المجتمع الدولي بعد
توقيع بيجوفيتش حتى الآن -ولن يتحرك- يسعى الصرب بتواطؤ المجتمع الدولي معهم إلى
السيطرة التامة على شرق البوسنة لإحداث انقلاب في الميزان العسكري لصالحهم وفرضهم
الخريطة التي يريدونها، وتبديل واقع خريطة فانس وأوين، فالصرب يسعون الآن لإسقاط
مدينتي «توزلاء وسيريبرنيتسا»، وهما من أكبر مدن المسلمين في شرق البوسنة ويخضعان
حسب خطة الأمم المتحدة لإقليم من أقاليم المسلمين الثلاثة.
إلا أن الدول الكبرى التي وقفت إلى
جوار الصرب في جريمتهم من البداية لن تتحرج في استمرار أداء دورها حتى يقوم الصرب
بتحقيق كامل أهدافهم في البوسنة، فيما يستمر الصمت الإسلامي باقيًا مثل صمت أهل
القبور، متيحًا لأعداء الإسلام مواصلة سعارهم المجنون ضد المسلمين.
إننا من خلال «المجتمع» نهيب بحكومات
الدول العربية والإسلامية أن تقف بجوار مسلمي البوسنة ولو مرة واحدة تُحسب لهم
أمام الله وتسجل لهم في التاريخ، لأنه عار على أمة دانَ الوجود لها من قبل أن
يستبيح حماها فساق الأرض وفجارها دون أن تنتفض لتحمي الأرض وتدافع عن العرض.
لقد وجه مسلمو البوسنة آلاف النداءات
والاستغاثات والصرخات التي صمَّت الآذان وهزت الوجدان، ولم يعد هناك سوى أن تستيقظ
ضمائر حكام المسلمين ويلبوا ولو نداءً واحدًا أو صرخة واحدة، ولتكن هناك وقفة يثبت
بها المسلمون للعالم ولو مرة واحدة أنهم كيان واحد وأنهم لا يرضون بهذه المجازر
ولا هذا التسلط ضد مسلمي البوسنة.
وإلا فإن سيناريو الإبادة سينتقل بعد
ذلك من البوسنة إلى كوسوفو، ثم إلى سنجق، ثم إلى مقدونيا، ليمحو الوجود الإسلامي
بداية من قلب أوروبا ثم يعد مخالبة إلى قلب العالم الإسلامي ليمزقه إلى أشلاء أكثر
مما هو ممزق.
إن نصرة مسلمي البوسنة في هذا الوقت
هي نصرة لكل مسلمي أوروبا، بل ولكل مسلمي العالم، فالمسلمون كالجسد الواحد ومن
استجاب فقد استجاب لدعوة الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا
لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
(الأنفال: 24).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7). ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرَهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
واقرأ أيضًا: