العنوان من يملأ فراغ العراق.. إيران أم العرب؟!
الكاتب د. أكرم المشهداني
تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009
مشاهدات 54
نشر في العدد 1845
نشر في الصفحة 20
السبت 28-مارس-2009
العراق
أحاديث غير مؤكدة عن دور تركي محتمل
على أعتاب مؤتمر القمة العربية في الدوحة...
مثلما وعد ناخبيه، خلال حملته الانتخابية، أعلن الرئيس الأمريكي »باراك أوباما» الوفاء بالوعود التي قطعها- وكانت أحد أهم أسباب انتخاب الأمريكيين له بشأن سحب القوات الأمريكية من العراق مؤكدة عن رغم أن «أوباما، عدل في موعد جدولة الانسحاب من ١٦ إلى 19 شهرًا، كما تبنّى الخيار الوسط من بين الخيارات الثلاثة التي وضعتها وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»؛ حيث قرر «أوباما» الإبقاء دور ترکي على خمسين ألف جندي أمريكي في العراق؛ بحجة تدريب وتجهيز القوات العراقية، والقيام بأعمال محدودة في مجال مكافحة ما يطلق عليه «الإرهاب»!
بغداد:
كاتب وأكاديمي عراقي
وقد أثار هذا التغيير في الخطة انتقادات شديدة من قبل الجناح المطالب بالانسحاب الفوري من العراق وتعني خطة «أوباما» الاحتفاظ بقوة أمريكية قتالية لحماية الانتخابات البرلمانية العراقية المقرر إجراؤها في نهاية العام الحالي.
ويجري حديث كثير ولغط كبير بشأن مَنْ سيملأ الفراغ في العراق، واحتمالات بسط إيران سيطرتها الكاملة على العراق بمعونة وكلائها، وربما بصفقة مع الولايات المتحدة وهناك حديث عن دور عربي خجول ومتأخر ومرتبك وغير منتظم الصفوف(!!)، مثلما هناك أحاديث غير مؤكدة عن دور تركي محتمل!
أسباب عدة
بعض الدول العربية كانت تتذرّع بوجود قوات الاحتلال.. فما ذرائعها اليوم مع قرب الانسحاب الأمريكي؟!
ولاشك أن الكلام عن الانسحاب الأمريكي مقترنا بالفراغ ومن سيملؤه- يعود إلى أسباب عدة، من أهمها:
أولًا: عدم استعداد القوات المسلحة والقوى الأمنية العراقية الجديدة التي أسست بعد الاحتلال وقرار حل الجيش العراقي والشكوك القوية في قدرتها على حماية وحفظ أمن العراق.
ثانيًا: التركيب الطائفي، وزج الميليشيات الحزبية والطائفية في قوى الجيش والشرطة وهو ما أربك بناء هذه القوى؛ بحيث أصبح ولاؤها مزدوجا بين الانتماء إلى الحكومة والولاء والطاعة لأحزاب الميليشيات، وهذا ما كشفت عنه السلطات مؤخرًا عن تورّط عناصر الشرطة التابعة للميليشيات في ارتكاب جرائم قتل بشعة ضد المدنيين، وكذلك تورّطهم في اغتيال «ميسون الهاشمي» شقيقة نائب رئيس الجمهورية -الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي- د. طارق الهاشمي.. وكل هذه تشكل عوامل تدمير وتخريب للبنيان الأمني.
ثالثًا: منذ بداية احتلال العراق عام۲۰۰۳م، والولايات المتحدة تتباطأ عمدًا بتحريض من الأكراد والقوى الموالية لإيران في مسألة تسليح وتجهيز القوات المسلحة العراقية الجديدة التي انتفخت من حيث الكم، لكنها أصبحت عقيمة خاوية من حيث النوع والتجهيز والتسليح!! فكيف يستطيع الجيش الجديد أن يدافع عن العراق بدون قوات جوية وبحرية ودروع ودبابات وطائرات مقاتلة حديثة وأسلحة ثقيلة؟! هل يمكن الجيش أن يحمي بلدًا محاطًا بالتهديدات-مثل العراق- ببنادق كلاشينكوف؟! ونتذكر جيدًا كيف أن الأكراد وبعض الأحزاب الموالية لإيران عارضوا صفقة تجهيز القوة الجوية الجديدة بطائرات مقاتلة أمريكية!
رابعًا: الجيش الجديد لم يُؤسس على عقيدة قتالية وطنية وهو -في عمومه- ضعيف الولاء للوطن، كما أن الشرطة الجديدة كان معظم أفرادها من أرباب السوابق والعناصر المنحرفة، ورغم حملات التطهير التي قام بها وزير الداخلية الحالي «جواد البولاني»، الذي صرح مؤخّرًا بأنه قام بطرد ٦٢ ألف عنصر فاسد من الشرطة التي تجاوز عدد أفرادها ٦٠٠ ألف(!!)
وهذا يثير أسئلة كثيرة وعلامات استفهام كبيرة!! علمًا بأن عدد قوة الشرطة العراقية لجميع محافظات العراق قبل الاحتلال لم يكن يزيد على ستين ألفا!!
تشكيك ومخاوف
إن الكلام عن الانسحاب الأمريكي لا يزال يثير لغطاً تصريح أحد وعدم اتفاق، فكثيرون يشككون في جدية الإدارة الأمريكية بشأن الانسحاب فعلا من العراق، ويرون أنها يمكن أن الأنس تنسحب من المدن وتأوي إلى قواعدها التي بنتها وحصنتها ولا يمكن أن تتخلى عنها... والبعض الآخر يتكلم عن انسحاب حتمي اعتمادًا على وعود الرئيس «أوباما»، ومضامين الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية الموقعة أخيرًا، لكن المؤكد أن الجنود الأمريكيين لن تتم رؤيتهم في الشوارع والمدن العراقية في دوريات ومداهمات ونقاط تفتيش، ولن يخرج جنود أمريكان لحماية المسؤولين العراقيين وهذا ما دعا كثيرًا من السياسيين العراقيين ليصرحوا علنا عن تخوفهم من نتائج الانسحاب الأمريكي!!
فلاشك أن الانسحاب الأمريكي يبعث مشاعر الفرح والاطمئنان بين عامة الشعب العراقي، لكنه -في الوقت نفسه- يُشعر حكام العراق الجدد بالمخاوف من تدخلات إقليمية، وتنامي الفوضى الداخلية، وتصاعد دور القوى المسلحة التي قد تندفع لتسيطر على عدد من المدن والمحافظات، وزيادة احتمالات الفتنة الداخلية نتيجة التراكمات التي خلفتها ست سنوات من العنف الطائفي والتهجير بعد تهديدات القادة الأكراد بحرب كردية - عربية من أجل ضمان مصالح الأكراد!! ومنها تصريحات «عدنان الباجه جي» - من الكتلة العراقية - الذي اعرب عن تخوفه من انسحاب أمريكي تستغله جهات خارجية وقوى إقليمية بسبب عدم استعداد الجيش العراقي، وقال: إننا مازلنا بحاجة لمعونة الولايات المتحدة»، وهذا التصريح كرّره سياسيون آخرون من مختلف الاتجاهات.
العراقيون يأسفون لتخلي العرب عنهم قبل الغزو وبعده بالاحتجاج الإعلامي على الـتغلغل الإيراني في بلادهم
تصريح أحمدي نجاد بأن إيران سوف تملأ الفراغ في العراق بعد الانسحاب الأمريكي أثارت مخاوف الشعب العراقي
التدخل الإيراني
وفي الحقيقة أن تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، التي أعلن فيها أن إيران سوف تملأ الفراغ في العراق بعد الانسحاب الأمريكي، أثارت مخاوف لدى العراقيين، ورغم ادعاءات حكومة المالكي معارضتها للتدخل الإيراني، إلا أنها تقف عاجزة تمامًا عن إنهاء هذا التدخل، بل إنها أحيانًا تشكل جزءًا من هذا التغلغل خصوصًا وأن عددًا كبيرًا من الوزراء وأعضاء البرلمان والسياسيين العراقيين لا يزالون يحتفظون بجنسيتهم الإيرانية وولاءهم لـ«طهران»!!
إن الأمل معقود على الأشقاء العرب، في الوقوف مع العراق والتصدي للتغلغل الإيراني ومساعي ملء الفراغ الأمني بعد الانسحاب الأمريكي، رغم أن كثيرًا من العراقيين مازالوا يشعرون بالأسى من تخلي العرب عنهم وخذلانهم لهم، قبل الغزو وبعده وتركهم العراق لإيران واكتفائهم بالاحتجاج الكلامي الإعلامي على التغلغل الإيراني في العراق.
مسؤولية عربية
ومن المؤكد أن مسألة قرب انسحاب القوات الأمريكية من العراق تضع العرب اليوم أمام مسؤولية حماية العراق ومعاونته لبناء قدراته، والتصدي للتغلغل الإيراني، الذي لا يهدد العراق وحده بل يهدد المنطقة كلها.
إن الدول العربية –وهي على أعتاب مؤتمر القمة في الدوحة- مطلوب منها، وبخاصة الدول المجاورة للعراق والدول المؤثرة في العالم العربي أن تتحرك لحماية وحدة العراق وضمان أمنه واستقراره وسيادته بعد الانسحاب الأمريكي، وصياغة مصالحة وطنية عراقية حقيقية بعيدًا عن التأثير الإيراني، وإذا كان البعض -بالأمس القريب- يتذرع بوجود الاحتلال الأجنبي، فما ذرائعه اليوم مع قرب الانسحاب الأمريكي؟!
هل يسكت العرب على «قضم» إيران للعراق، ومسح عروبته؟! وها هي بدأت بقضم جزيرة أم الرصاص، وقبلها «حقول مجنون» النفطية، وقامت بالجور على آبار البترول على الحدود العراقية!!
وهل يسكت العرب على «قضم الأحزاب الكردية المتحكمة لمدينة كركوك» وأجزاء كبيرة من محافظات العراق العربية؛ بحجة استعادة الأراضي المتنازع عليها؟! وهل يجوز السكوت عن بناء قوات عسكرية وأمنية «طائفية» لا تملك الولاء للعراق؟!
إننا نخشى -إن طال الصمت العربي عما يجري للعراق- أن يأتي يوم يُقال فيه: إنه كان في الماضي القريب بلد عربي اسمه العراق لكنه اليوم ضيعة إيرانية!! أو أن يتحوّل العراق إلى «أحواز» أخرى، أو «طنب» كبرى، و«طنب» صغرى، وأبو موسى أخريات!! وإذا ما ابتلعت إيران العراق.. فما أسهل ابتلاع الآخرين!
فانتبهوا يا عرب.. إلى خطر كبير قد اقترب!