العنوان من يكسب الصراع في ألبانيا ؟
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1319
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
الخوف الكامن في قلب أوروبا وأمريكا من بريشا ما زال قائمًا، لماذا؟! وما سر إصرار الغرب على رئاسة فاتوس نانو؟!
البرلمان الألباني ينزع الحصانة عن الرئيس السابق صالح بريشا، والدول الأوروبية تتفاوض مع الحكومة حتى تؤخر اعتقال بريشا.
بريشا يعلن أنه فخور لأن الشيوعيين نزعوا عنه الحصانة، ويقول إنه جاهز ومستعد لكل التضحيات.
بريشا يصرح: قبل عام اعترفت بنتائج الانتخابات التي جرت تحت أسنة الرماح، ظنًا مني أن نانو سوف يتغير، ولكنه ما زال كما كان.. ستاليني النزعة والتفكير.
أنصار بريشا يهتفون: أنور خوجا الأب وفاتوس نانو الابن.
ونانو يعلن: إنها محاولة لقلب نظام الحكم.. إنهم إرهابيون!
ما الذي يحدث في ألبانيا؟
هل هو صراع بين ساسة قاربوا على الخروج من حلبة التنافس؟ أم أنهم دمى تحركها أيدٍ خفية من وراء ستار؟
هل يشارك الشعب فيما يحدث؟ أم أنه فقد الثقة في الجميع؟ هل أطلقت الأحداث الأخيرة آخر طلقة على قضية كوسوفا؟
الإجابة عن هذه الأسئلة جميعًا هي ربما: كل شيء جائز في بلد أصبح مسرحًا لجميع أجهزة المخابرات في أوروبا.
وكعادة الألبان، وكطبيعة مناخهم وتضاريسهم، انقلبت الأحوال وهبت رياح التمرد مجددًا في أرجاء البلاد، البداية مقتل عظيم حيدري، والنهاية كما يبدو اعتقال صالح بريشا وخنق آخر أمل لمساعدة سكان كوسوفا.
عظيم حيدري شاب في منتصف الثلاثينيات من عمره من الشمال الألباني الفقير، حصل على التعليم المتوسط، قاد مظاهرات الطلبة في عام ۱۹۹۱م، وقاد نقابة العمال واختلف مع بريشا قبل أزمة مارس العام الماضي، واختلف مع اليونان وصربيا واتهم رئيس الوزراء الحالي بأنه باع قضية كوسوفا، واتهم اليونان وصربيا وأمريكا صراحة بأنهم وراء أحداث العام ۱۹۹۷م وأنهم يريدون خلع بريشا ليخلوا لهم الجو في كوسوفا.
قال ذات يوم: إنهم يريدون أن يقضوا على الإسلام هنا فاتهم مع بريشا بالأصولية!
قال لي مرة: أين البلدان الإسلامية؟ إن أحداث «مارس ۱۹۹۷م» هدفها كوسوفا.
كان يتحدث بلغة أولاد البلد ولا يعرف المواربة.
رفعوا عنه الحصانة بعد أن اتهموه بالتصدي للشرطة واعتداء حرسه الخاص عليهم.
أطلق عليه أحد النواب اليساريين النار في قلب البرلمان وأصيب في فخذه وخرج يعرج ليقود المظاهرات ضد فاتوس نانو.
هذا هو عظيم حيدري الذي بكاه بريشا ومن حقه أن يبكي طويلًا، إذ فقد أشد المناصرين والمحبين والمخلصين لبلاده قبل أن يخلص لحزبه الذي أسسه مع بريشا و«نريتان سيكا» الذي انشق عليهم وأسس حزب التحالف الديمقراطي «الشريك الحالي في حكومة نانو».
كان مقتل عظيم حيدري بداية النهاية، فقد خرجت الجماهير الغاضبة من الحزب الديمقراطي للتظاهر، وما أن رأت الشرطة ذلك حتى فر الجميع، حتى رئيس الوزراء ترك موقعه وفر هاربًا، وكأن كل شيء معد سلفًا، فبعد مقتل حيدري لا بد من أن يثور الديمقراطيون.
ولا بد من أن يتحرك أهله وعشيرته من الشمال، وصور الأمر على أنه انقلاب، وأذاعت وكالات الأنباء أن أنصار بريشا احتلوا البرلمان والتلفزيون. وأعلن بريشا في التلفاز أنه لا يريد السلطة من خلال انقلاب، إنه يريد من نانو أن يستقيل، وكتب إلى رئيس الدولة: أرسل رجالك يمسكوا بزمام الأمور.
لو أراد بريشا أن يمسك الحكم لفعل، ولكن أوروبا وأمريكا وفي ردة فعل أسرع من البرق أعلنتا: لن نعترف بأي حكومة غير فاتوس نانو لن نعترف بحكومة انقلابية.
ويبدو أن الخوف الكامن في قلب أوروبا وأمريكا من بريشا ما زال قائمًا فلماذا؟
أيد بريشا وما زال نضال شعب كوسوفا وأعلن أن ألبانيا وكوسوفا شعب واحد.
رفض أي لقاء مع ميلوسوفيتش وأطلق عليه سفاح البلقان.
أثناء أزمة مارس الماضي نشر بريشا، تقرير رئيس المخابرات على الملأ رغم أنه يتهم أمريكا واليونان.
كان بريشا يدعم ألبان مقدونيا، ويعتبر زعيم ألبانيا الروحي في مقدونيا وكوسوفا.
لم يتخل يومًا ما عن دعم إبراهيم روجوبا ولم يتأخر يومًا عن استقباله.
تحت أي ضغط من الضغوط لم يسمح بإغلاق أو تحجيم العمل الإغاثي الإسلامي، وفي عصره أعيدت الحياة لمئات المساجد، وارتفع صوت الأذان، بل وصل الأمر به أن يسمح ببناء مسجد كبير عند مدخل العاصمة على طريق المطار وتحمل كثير من الأوروبيين الذين أزعجهم أن يكون مدخل ألبانيا هو المئذنة وصوت الأذان.
كان موقفه مشرفًا في أزمة البوسنة.
رفض وبشدة أي تحسين للعلاقة مع اليونان على حساب كوسوفا، أو على حساب علاقة بلاده بتركيا «التي خذلت ألبانيا وكوسوفا معًا»، أو إعطاء اليونان حق قيادة الأقلية والتوغل في بلاده.
اعترفت ألبانيا في عهده بدولة مقدونيا رغم غضب اليونان.
ورغم ذلك فلا يمكننا أن نقول إن بريشا كان إسلاميًا أو صاحب توجه إسلامي، بل إن بريشا يعتنق الفكر البكتاشي، وهو أشبه بالصوفية المحرفة وهو يرى أن ألبانيا مرتبطة بأوروبا أكثر من ارتباطها بأمريكا، وهذا ما أزعج الأمريكيين منه، ولا يمكن نفي العناد وصلابة الرأس عن بريشا، وهو الأمر الذي ورثه عن قبيلته التي تعيش في شمال ألبانيا وتنتشر في كوسوفا أيضًا.
لقد ظن بريشا أن عهد الاستعمار والهيمنة قد مر وأن أوروبا أو أمريكا ستسمح لدولة صغيرة سكانها ثلاثة ملايين يمثل المسلمون نسبة تفوق ٨٠٪ منهم بأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وقد خاب ظنه، ولكنه ما زال يحلم.
بريشا يمثل دور الزعيم الذي لا يريد أن يركع بينما أنصاره يرون أنه من الأكرم له الركوع على أن تقطع رقبته.
على الجانب الآخر فإن فاتوس نانو «مسيحي أرثوذكسي» كان رئيسًا للوزراء مرتين ما بين ۱۹۹۱م و۱۹۹۲م ولم يكن يلبث في منصبه إلا شهور حتى تقال الحكومة وتستبدل بحكومة من التكنوقراط، وقد قدمه صالح بريشا للمحاكمة بتهمة استغلال السلطة والاستيلاء على أموال المعونات الأجنبية، وحكم عليه بالسجن اثنى عشر عامًا، ولكنه عومل معاملة محترمة من قبل السلطات، وسمح له بزيارة أمه المريضة ثم تشييعها بعد الوفاة، وقد أفرج عنه بريشا أثناء أزمة العام الماضي وألغى البرلمان قانون العزل الذي يحرم نانو من المشاركة، وشارك نانو ونجح وتمكن من الوصول إلى الحكم للمرة الثالثة.
فاتوس نانو ينتمي إلى أسرة لها باع في الشيوعية، وكان أبوه رئيسًا للتليفزيون والإذاعة في عصر خوجا ورامز عليا، وفاتوس نفسه كان عضوًا بالحزب الشيوعي، وقد قام بإجراء تعديلات على الفكر الشيوعي وقدم نفسه وحزبه على أنه حزب اشتراكي وليس شيوعيًا، وأنه اشتراكي متطور، وهو يجيد التحدث بعدة لغات من بينها اليونانية، وهو صاحب مقولة «نريد أن نتعامل في البلقان بروح الجنتلمان» وهو الذي قبل الدعوة إلى قمة كريت في نوفمبر العام الماضي، وبادر بمصافحة ميلوسوفيتش، وهو الذي تخلى عن المطالبة باستقلال كوسوفا، ولكنه على الجانب الآخر يرى أن عصر الزعامات والخطب الرنانة لن يفيد، وأن بلدًا مثل ألبانيا عليها أن ترتمي في أحضان دولة كبرى، وصرح ذات مرة «إنه يفضل أن تفرض الحماية الأوروبية على بلاده، لكي تنتعش اقتصادياً». وهو يتمتع بقبضة حديدية في الحزب الاشتراكي، ويكفي أنه قام بإحداث تغييرات جوهرية أثناء سجنه، وتخلص من كل معارضيه في الحزب وقام بترشيح «رجب ميداني الرئيس الحالي» لمنصب السكرتير العام للحزب الاشتراكي، تم ترشيحه لرئاسة الجمهورية وتمكن من تحويل نظام الدولة من الرئاسي إلى البرلماني حتى يتمكن من السيطرة على الحكم وحده.
ورغم أن عصر بريشا لم يكن يخلو من الفساد، إلا أن الفساد في عصر الحكومة الحالية قد وصل إلى أبعد حد وقد صرح دان إيفرت- ممثل منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في تيرانا- بأن الفساد في الوقت الراهن يمثل تحديًا كبيرًا وقد جاء في تقرير للمنظمة قبل ستة أشهر أن هناك مسؤولين في الحكومة متورطين في عمليات التهريب، وعلى إثر ذلك تم تعديل وزاري لم ترضَ عنه أحزاب المعارضة.
يرى كثيرون أن فاتوس نانو جاء ليقضي على بريشا تمامًا أو يدفعه للانتحار السياسي، وذلك حتى يوقف دعمه لكوسوفا، ولحين أن ينتهي الأوروبيون من القضاء عليها، وحينئذ سيتم التخلص من نانو والأسباب كثيرة ومنها على الأقل الفساد، وفشل الحكومة في تحسين الوضع الاقتصادي، وفشلها في رد أموال المودعين في شركات الاستثمار الوهمية، وأخيرًا يمكنهم التخلص من نانو بفتح ملفه الشخصي وخصوصًا «إدمانه لشرب الخمر ودخوله الإنعاش أكثر من مرة بسبب الإفراط في الشراب».
وهكذا يبدو الصراع محصورًا بين بريشا بما يمثله من صداع لأوروبا، وفاتوس نانو بما يمثله من فشل سياسي واقتصادي يدفع بألوف الألبان للهروب إلى أوروبا، وهو ما يعني مزيدًا من العبء على هذه الدول.
وأخيرًا، فقد أعلن حلف الناتو أن قواته جاهزة للتدخل في كوسوفا إذا لم يتوقف الصرب عن عمليات الإبادة للمسلمين الألبان.
ويتساءل البعض: هل هذه القوات جاهزة للتدخل في كوسوفا حقًا؟ أم أنها تستعد للتدخل في ألبانيا؟ أما كوسوفا فقد زارها «بوب دول» السيناتور الأمريكي السابق ووعد بزيادة المساعدات الإنسانية للاجئين الذين قال عنهم: مساكين.. بعضهم يملك بطانية، والبعض الآخر يملك شرشاف، وكثيرون لا يملكون شيئًا على الإطلاق.
لا يزال وجود التفسير التآمري ضروريًا لفهم ما يحدث في بلاد المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل