العنوان من يقف وراء الرسائل الملغومة في الولايات المتحدة؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1997
مشاهدات 109
نشر في العدد 1234
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 14-يناير-1997
الافتتاحية
أثارت الطرود الملغومة التي وصلت لمكتب صحيفة الحياة بالعاصمة الأمريكية واشنطن ردود فعل إعلامية واسعة النطاق؛ إذ قامت كبريات الصحف الأمريكية ومحطات التلفزة الرئيسية بتناول القضية وكأنها حملة جديدة من أكذوبة «الإرهاب الإسلامي» التي صنعتها وسائل الإعلام الغربية، تستهدف إثارة الذعر والفزع في الشارع الأمريكي!!
وقد أطلقت أجهزة التحقيقات الفيدرالية ووحدة مكافحة الإرهاب العديد من التصريحات التي تحمل اتهامات استفزازية لعناصر إسلامية بالشرق الأوسط!! والحقيقة أن قضية الطرود الملغومة قد أثارت لدينا العديد من التساؤلات من حيث توقيتها وأهدافها وتقنيتها، وتركت للمحلل أن يطرح جملة من الأسئلة والاستفسارات حول هوية ودوافع الجهة التي تقف خلفها، إذ إن القاعدة الأمنية تقول: ابحث عن المستفيد من الجريمة تصل إلى المجرم.
ولعل التساؤل الأكثر إلحاحًا هو لماذا صحيفة الحياة؟ ولماذا واشنطن؟ ولماذا مبنى الصحافة الوطني الذي يتواجد فيه أكثر من مائة مكتب لوسائل الإعلام العالمية؟؟
لا شك أن صحيفة الحياة هي واحدة من الصحف العربية التي تفتح صفحاتها للآراء المختلفة، وليس معروفًا عنها مناصبتها العداء للإسلاميين، ولطالما نشرت آراءهم وكتابات لمفكريهم وأعلامهم كما تنشر لغيرهم.
وبالتالي فلا نعتقد بأنها تمثل هدفًا لأي منهم، ومن هنا تأتي الحاجة للبحث عن جهة أخرى، ربما لها مصلحة من تحريك قضية الإرهاب وإثارة الرأي العام العالمي على الإسلاميين والصحوة الإسلامية.
وإن المتتبع للطريقة التي تثيرها وسائل الإعلام الغربية ضد الإسلام والعمل الإسلامي، ومحاولاتها المتكررة لربط الصحوة الإسلامية بالإرهاب، سوف يصل إلى دوافع باتهام جهات صهيونية بأنها تقف خلف هذه الطرود الملغومة لأسباب عديدة، من أهمها أن إسرائيل هي المستفيد الأول من قضية تصعيد العداء العالمي للصحوة الإسلامية، وهي التي كانت مبادرة دائمًا للتحريض العالمي على الإسلام والصحوة الإسلامية، وتكفي هنا الإشارة فقط إلى المساعي التي بذلتها كل من حكومة رابين- بيريز لتسويق مقولة: «الأصولية الإسلامية هي الخطر القادم»، إضافة إلى جهود رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، حيث يحاول تعبئة دول العالم الغربي للوقوف في وجه المد الإسلامي، والحيلولة بينه وبين إعادة الدور الطليعي للأمة الإسلامية، وإسهام الإسلام في دفع الحضارة المنحرفة؛ لتصبح حضارة ذات عقيدة وقيم، وقد وضع نتنياهو أفكاره تلك في كتاب صدر في نهاية عام ١٩٩٥م بعنوان «الديمقراطيات الغربية ومحاربة الإرهاب...».
هذه الدلائل تمثل مؤشرات كثيرة لاتهام الموساد الإسرائيلي- وعملائه المنتشرين في بعض بلداننا العربية- بالعمل لتخريب وتشويه صورة الصحوة الإسلامية، بهدف إبقاء أجواء التوتر والتصعيد قائمة في الدول الغربية ضد كل ما هو إسلامي.
وإذا نظرنا من زاوية أن الإسلاميين لم يسبق لهم استخدام تكنولوجيا الطرود الملغومة، ولم يعرف عنهم امتلاكهم لها، وأنهم ليسوا دعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن أصابع الموساد الإسرائيلي تظل هي الأكثر عرضة للاتهام.. فالطرود الملغومة حرفة إسرائيلية قديمة، والسجل الإجرامي للموساد حافل بعمليات النسف عن طريق الرسائل الملغومة منذ الخمسينيات، وقد خلفت هذه المهنة القذرة وراءها ضحايا في كل مكان.
كما أن اختيار مبنى الصحافة الوطني كهدف لهذه الرسائل لا يرمي إلا افتعال ضجة إعلامية تشغل اهتمامات الرأي العام العالمي، وتدفع لصب جام غضبها على كل ما هو إسلامي.
أما الجهة الأخرى التي يمكن أن ينصرف رأي المراقبين لاتهامها أو إثارة الشكوك حولها، فهي وحدة مكافحة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، حيث استطاعت- بناء على مقترح من الرئيس كلينتون- الحصول من الكونجرس- في العام الماضي- على مبلغ مليار دولار لمكافحة الإرهاب العالمي والمحلي، ولكنها ومنذ أن باشرت عملها لم تستطع تحقيق أي نجاحاٍت في هذا المجال، فقد ظل سر انفجار طائرة TWA لغزًا محيرًا، وكذلك حادث التفجير بالقرية الأولومبية بأتلانتا.
وبالتالي فإن فشل هذه الأجهزة الأمنية في عملها ربما يجعلها أحيانًا تفتش لها عن وسيلة تستعيد فيها هيبتها وثقة الجهات والهيئات التشريعية والتنفيذية بها، لاستمرار اعتماد الميزانيات اللازمة لها.
وقد تكون الطرود الملغومة هي الفكرة الشيطانية التي اهتدت إليها، ولعل الذي يدفعنا للتجرؤ على طرح هذا القول هو ما سبق أن قام به مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI بعد حادث التفجير الذي وقع في مبنى التجارة الدولي بمدينة نيويورك عام ۱۹۹۳م؛ حيث دفع ببعض عملائه للانخراط داخل التجمعات الإسلامية بالمدينة، لتحريض بعض السذج للقيام بعمليات تفجير لبعض المرافق الحيوية والفيدرالية بالمدينة، ثم بحركة مسرحية نجحت هذه الأجهزة في مداهمة مقرات هذه المجموعة واعتقالها.
وبالتالي فإن التساؤل الذي يحمل دلالات التشكيك في هوية الجهة التي لها مصلحة من وراء هذه الحملة، يصبح تساؤلًا مبررًا... فهل هذه الحملة المشبوهة للطرود الملغومة هي مجرد رسالة موجهة من وحدة مكافحة الإرهاب إلى الكونجرس لإقناعه بجدوى وجودها، وبالتالي استمرار اعتماد احتياجاتها المالية الهائلة في ميزانية هذا العام؟
قد يكون هذا هو الهدف، حيث إن مبنى الصحافة الوطني لا تفصله عن «الكابيتول» الذي يحتضن مقرات الكونجرس الأمريكي إلا بضع مربعات من المباني.
أم أن الموساد الإسرائيلي هو الذي يقف وراءها؟ لا سيما بعدما أكدت مصر أن هذه الرسائل لم ترسل من أراضيها، وذلك حتى يضمن الموساد استمرار تصعيد العداء الغربي للإسلام والمسلمين، وأن يرسخ لدى الأمريكيين- خصوصًا- والغربيين- عمومًا- أن كل ما هو إسلامي هو إرهابي؟ فمن الذي يقف وراء هذه الرسائل: الموساد أم «إف. بي. آي»؟
لعل الإجابة عن هذا السؤال تكشفها الأيام القادمة، وإن غدًا لناظره قريب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل